fbpx

“الجائحة الصامتة” تلتهم النساء في مصر… لماذا أصبح قتلنا بطولة؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

“النساء المقتولات لم ترافقهن تظاهرات إلى القبر، ولا احتجاجات هزت المدينة، ولم يتم توزيع منشورات، ولا تشكيل لجان. اليوم تذكرناهن. وغدا يجب أن نتحرك لوقف قتل الإناث”

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

كان يمكن أن تكتب طالبة الإعلام المصرية سلمى بهجت هذا التقرير، لو لم يقتلها زميلها طعناً بالسكين، فالطالبة التي تخرجت بتقدير مرتفع كانت بدأت تدريبها الصحافي بحماسة داخل إحدى الجرائد المحلية. كان يمكن أن تكتب سلمى عن بنات محافظتها الشرقية، اللاتي يتعرضن للابتزاز ويفقدن حياتهن، مثل هايدي شحتة التي لاقت مصرعها مطلع هذا العام قبل أن تدخل عقدها الثاني.
لكن سلمى انضمت إلى قائمة ضحايا جرائم قتل النساء، وبصورة علنية مروعة، وصلت لأن ينشر قاتلها صورة جثتها “ستوري” على “فيسبوك”- بحسب وسائل إعلام محلية- وكأن قتل النساء في مصر صار فعلاً بطولياً وقد يجلب تعاطفاً مجتمعياً أيضاً، كما حدث مع محمد عادل قاتل نيرة أشرف التي ذُبحت أمام جامعتها.
لا يمكن غض الطرف عن معدلات قتل النساء واستهدافهن، في مصر تحديداً، حيث تعاني النساء من مخاطر فعلية تهدد حياتهن وخياراتهن الشخصية.
فخلال أسابيع قليلة، شهدت البلاد جرائم مروعة من هذا النوع، ففي منطقة باب الشعرية قتل أحدهم زوجته وجنينها، وفي منطقة السادس من أكتوبر عثر على جثة سيدة وسط القمامة، كما فقدت صفاء عبده حياتها ذبحاً في محافظة المنصورة لأنها لم تُطِع زوجها الذي منعها من الخروج لزيارة ابنها المعتقل، كما لقيت المذيعة المصرية شيماء جمال اللآتي لاقت حتفها على يد زوجها.

عرفت الأمم المتحدة جرائم العنف ضد النساء التي تصل للقتل بــ”الجائحة الصامتة” بوصفها وباء قاتلاً سريع الانتشار والفتك، وبرغم ذلك فهو مسكوت عنه.

أو قتل الإناث الممنهج Femicides

“النساء المقتولات لم ترافقهن تظاهرات إلى القبر، ولا احتجاجات هزت المدينة، ولم يتم توزيع منشورات، ولا تشكيل لجان. اليوم تذكرناهن. وغدا يجب أن نتحرك لوقف قتل الإناث”

منذ السبعينات وتتعجب الكاتبة النسوية ديانا راسل من التواطؤ في
جرائم العنف ضد الإناث، يبدأ هذا التواطؤ أولاً برفض مصطلح “قتل الإناث” وإنكار أنهن مستهدفات ضمن منظومة سلطوية مهيمنة على الحياة الاجتماعية، وناضلت ديانا لمحاولة جعل العالم يعترف بمصطلح “قتل النساء” داخل الأمم المتحدة عام 2012، من أجل رفع الوعي الأنثوي ومقاومة الاضطهاد الجندري.
ويستمر التواطؤ مع قتل النساء عالمياً تقول ديانا راسل: “هم لا يعتبرون قتل وتشويه المرأة جريمة مهمة. يخبرنا الرجال أنه لا يمكن لومهم على ما يفعله عدد قليل من المجانين. ومع ذلك فإن عملية إنكار ما يحدث يساعد على إدامته. إن من يسمون بالمجانين الذين يرتكبون هذه الفظائع يتصرفون بالنتيجة المنطقية لكراهية المرأة التي تسود الثقافة بأكملها”.
أكثر أشكال قتل الإناث انتشاراً في العالم هي تلك التي يرتكبها الشريك الحميم للأنثى. وهذا يمثل 35 في المئة على الأقل من جميع جرائم قتل النساء على مستوى العالم.
تبرز جرائم قتل النساء في ألمانيا أيضاً بشكل واضح، كما تبرز في فرنسا والصين والهند والولايات المتحدة، وتحاول النساء في هذه البلاد إنقاذ شريكاتهن في النوع الاجتماعي من هذا الاستهداف الدامي بتظاهرات على السجادة الحمراء بمهرجان كان السينمائي 2022، مع رفع لافتة ضخمة عليها أسماء 129 سيدة فرنسية قتلهن شركاؤهن عام 2021، أو بتكوين عصبة ترتدي زياً قرنفلياً تحارب الرجال المعنفين في الهند وتأدبهم.

ما فعله قاتل سلمى بهجت وقاتل نيرة أشرف وأخريات من قتل علني بلا ندم، يفسّر خطورة الامتياز الذي يتربى عليه الذكور في مصر، إذ يسقطون هم فيه قبل أن يُسقطوا ضحاياهم، لأنهم تربوا أن كل مستحيل المنال لا بد أن يخضع لهم جنسياً واجتماعياً وإلا ستبدأ الحرب التي تشبه الثأر في عنفها ودمويتها.

يدفع القضاء المصري لتهدئة الرأي العام بأحكام قابلة للاستئناف بإعدام قتلة النساء زاعماً أنه هكذا يحارب الظاهرة، لكن النظام الاجتماعي المصري الذي تكلس منذ سنوات سيظل يصادق على امتياز الرجل على المرأة وتبعيتها له ومراقبتها، ومن ثم سينتج قتلة آخرين للنساء الرافضات للتبعية.

نيرة أشرف، ذبحها أمام جامعتها، زميلها في الجامعة لأنها رفضت الزواج منه، وبرغم إحالة أوراق القاتل إلى المفتي لتأكيد حكم إعدامه، لكن لا يزال كثيرون يتولون محاكمة نيرة على السوشيل ميديا نشر صورها الخاصة على الشاطئ أو في سهرة ليعطوا مبررات لقتلها. تركت نيرة قريتها في المنصورة لتعمل في القاهرة لكن جذورها في قريتها كانت تلاحقها، وقد قال قاتلها أمام القاضي إنه كان سيفعل أي شيء ليستردها ويتزوجها وتعود إلى المنصورة، وكأنها ملكية قبلية لبيئة محافظة ولشاب اعتاد سماع فتاوى المتشدد المصري عبد الله رشدي.

وسلمى أشرف تجاهل المجلس القومي للمرأة مقتلها تماماً ولم يعلق نهائياً على مقتلها على موقعه الرسمي الذي يستعد الآن لإطلاق مبادرة مع وزارة البيئة لمناسبة قمة المناخ!

ضحايا العنف من النساء في مصر لا يجدن من يهز المنظومة بأكملها ليسترد حقوقهن ولا لينقذ أخريات من المصير ذاته، لذلك ستظل القبور مفتوحة بانتظار ضحايا أخريات.

إقرأوا أيضاً: