fbpx

لأن “الترند” أهم… كيف تخذل عناوين الصحف النساء؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

الإعلام يتعامل مع قضايا العنف ضد النساء على أنها قضايا بلبلة، يبحث عن نسبة التفاعل ونسب المشاهدة من خلال عناوين مسيئة جداً تلوم النساء.

توجه إلى عمله في تمام العاشرة صباحاً في إحدى الصحف الخاصة، ليجد غرفة التحرير تعج بالموظفين مع حركة غير عادية، فيما يردد الجميع كلمتي “التريند” و”الترافيك”. علم أن حادثة مؤسفة قد وقعت، لقد ذبح أحدهم زميلته في الجامعة، ويحاول صحافيو الجريدة تغطية الحدث.

يعمل أحمد منذ عشر سنوات محرر أخبار في الجريدة، وقد اعتاد تلقي تعليمات يومية حول ضرورة متابعة “الترند” لزيادة المشاهدات على مواقع التواصل الاجتماعي، لتحديد مواضيع التغطية والعناوين البارزة. وهو ما حدث في تغطية خبر مقتل نيرة أشرف، بما يتماشى مع محركات البحث وما يطلبه المشاهدون، حتى وإن تحولت الضحية إلى جلاد أو أسيء إليها. يوضح أحمد لـ”درج” أن صلاحياته محدودة، والعنوان قد يخضع لتعديلات من الناشر أو مدير التحرير، وهي تعديلات غالباً ما تجرى لتناسب التراند وتستقطب المزيد من القراء. ويشير إلى أن ذلك يؤدي أحياناً إلى اختيار عناوين قد تكون مختلفة أو بعيدة مما يتضمنه متن النص. “نتلقى تعليمات عن الخطة اليومية للعمل حول البحث عن العناوين من خلال محركات البحث، وليس من خلال القصة أو المتن، حتى أصبح جميع العاملين يعرفون كيف يصيغون العناوين التي لا يتم رفضها، وحتى إذا صاغ المحرر عنواناً يراه مناسباً فهو لا يستطيع تمريره، لأنه قد يتغير لاحقاً”.

جرائم قتل النساء تبدو في أول قائمة الأخبار التي تخضع لـ”التراند” فتشوّه الخبر الأساسي والحقيقة، كما حصل مع سيدة دار السلام، التي قتلت بإلقائها من الدور السادس، فجاءت العناوين في البداية أنها طبيبة، ثم عادت لتتحدث عن أنها ممرضة لا طبيبة، ما أخذ الخبر إلى مكان آخر بعيداً من الجريمة، وصلت إلى حد نشر أخبار عن محاولة انتحارها لوجود صديقها معها، بما ينكر فعل القتل.

وكما حدث في واقعة سيدة دار السلام، تكرر الأمر مع فتاة ميت غمر، والتي تعرضت لتحرش من مجموعة شباب، لتخرج العناوين حول ملابسها وصور فاضحة لها، لتبرير التحرش وأخذ القارئ إلى مكان آخر من العناوين والأخبار المثيرة. وهو ما يؤكده أحمد لـ”درج”.

بعد القبض على قاتل نيرة الفتاة الجامعية التي ذبحها زميلها، خرجت تسريبات صور للضحية في الساحل الشمالي، وانتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، فطلب مدير التحرير من أحمد صياغة خبر بهذا المضمون، بعنوان “صور جديدة لفتاة جامعة المنصورة”، فأبلغه أن هذا الخبر لن يفيد “كرر مدير التحرير طلبه، من أجل اللحاق بالتراند وجذب القراء، وبالفعل لو أنني امتنعت عن كتابة الخبر، فسيكتبه زميل آخر”.

توضح أسماء دعبيس مؤسسة ومديرة “مؤسسة بنت النيل النسوية”، أن العناوين الإخبارية تصبح تحريضية ضد النساء، “الإعلام يتعامل مع قضايا العنف ضد النساء على أنها قضايا بلبلة، يبحث عن نسبة التفاعل ونسب المشاهدة من خلال عناوين مسيئة جداً تلوم النساء، فعلى سبيل المثال حين وقعت جريمة الفيرمونت وهي جريمة اغتصاب مكتملة الأركان كانت العناوين الصحافية مؤلمة جداً، ومن بينها عنوان نشر في أحد المواقع حول بلاغ جديد بشأن ضحية الفيرمونت لأنها تتعاطى المخدرات وتحرض على الفسق”.

تربط دعبيس لجوء المنصات الإعلامية إلى تلك العناوين، بالنظام الأبوي الذي يمتد أيضاً إلى قطاع الإعلام، “قضايا العنف ضد النساء تتحول إلى قضايا رأي عام وأحياناً تصدر قرارات بحظر النشر حولها، في مقابل عدم صدور أي قرارات لوقف الانتهاكات الإعلامية في تلك الجرائم، كما أنه لا توجد أي تحركات لوضع أسس للتعامل الصحافي مع جرائم العنف ضد النساء ومراعاة خصوصية الناجيات التي يكشف الإعلام في كثير من الأحيان عن هوياتهن وأسمائهن وصورهن”.

وبالعودة إلى قضية مقتل نيرة، فأصدرت مؤسسة “بنت النيل” تقريراً حول التغطية الإعلامية لجريمة قتل نيرة من خلال 396 مادة إخبارية من 20 إلى 26 حزيران/ يونيو 2022.

تمثلت المخالفات والانتهاكات في التغطيات بالتشكيك في سلوك الضحية في 10 مواد صحافية، ونشر بيانات شخصية لها في 42 مادة صحافية، إلى 47 مادة نشرت صورة لعائلة الضحية، و49 مادة نشرت تفاصيل شخصية عن الضحية، إضافة إلى 50 عنواناً يهدف للإثارة وتقويض التعاطف مع الضحية.

قدمت الدكتورة ندى جمال رسالة الدكتوراة الخاصة بها في قسم الصحافة والإعلام، حول النساء في المواقع الصحافية، وتحدثت فيها عن سمات واتجاهات وأطر التغطية الخبرية للنساء الفاعلات في المجالين السياسي والاجتماعي، في ضوء الاختلافات التحريرية للصحف.

وقالت جمال لـ”درج”، إنها استعانت في رسالتها بتحليل ما قدمته الصحيفتان المصريتان “المصري اليوم” و”الجمهورية”، في خلال الفترة من 2012 وحتى 2014، وأثرت التغيرات السياسية على التغطية لا سيما في أخبار النساء، وكانت التقارير الإخبارية الأكثر ظهوراً، ثم الخبر القصير، وكانت أخبار السيدات في المناصب القيادية في المقدمة كالوزيرات، ثم جاءت الفنانات والرياضيات، وفي المرتبة الأخيرة النساء في المجتمع المدني والوقائع المختلفة الخاصة بالنساء. ووجدت الباحثة أن الإعلام تجاهل خبرات المرأة ونشاطاتها، وركز على حياتها الشخصية.

ومع الأخبار المستمرة التي تتحدث عن النساء وحياتهن الخاصة وليس عن قضاياهن، يعود أحمد إلى منزله بعد يوم عمل طويل، وقبل أن يغمض عينيه، ترده رسالة من مدير التحرير على واتساب، “الترافيك واقع، لازم ندور على التريند أكتر”. ويغرق في النوم لساعات قليلة، قبل العودة للبحث  عن عنوان يجذب القارئ.

إقرأوا أيضاً: