fbpx

طعن سلمان رشدي:
هل ولد “الذئب المنفرد” الشيعي؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

لا نملك الكثير من وقائع حياة هادي في أميركا تتيح لنا استنتاجات دقيقة حول خيباته من نظام الحياة في الغرب، لكن علينا أن نتقصى هنا أي هوية شيعية بديلة تعرضها وسائل التواصل الاجتماعي في حال افترضنا أن هادي قرر العودة إلى تشيع أهله البعيد؟ 

 إذا كان صحيحاً أن هادي مطر أقدم على طعن الروائي سلمان رشدي في نيويورك من دون تكليف ومن دون علاقة تنظيمية مع أصحاب فتوى القتل التي أصدرها روح الله الخميني في العام 1989، فعلينا أن نسأل عما إذا كان “الذئب المنفرد” الشيعي قد ولد؟ لا سيما وأننا في مرحلة احتضار “الذئب المنفرد” السني، وأننا نشهد أفولاً وهزيمة للجماعات التكفيرية السنية تُوّجت مؤخراً بمقتل زعيم “داعش”  أبو إبراهيم القرشي على الحدود السورية التركية وزعيم “القاعدة” أيمن الظواهري في العاصمة الأفغانية كابول في غارتين أمريكيتين. 

و”الذئب المنفرد” مصطلح اتفق عليه لتعريف الإرهابي المبادر من نفسه لتنفيذ عمليات من دون تكليف مباشر من تنظيم أو جماعة، وهو غالباً ما يقيم في الغرب.

شروط ولادة “الذئب المنفرد” الشيعي متوفرة، وهي، وإن تقاطعت مع شروط الولادة الأولى في محطات وصور، إلا أنها أيضاً تفترق عنها في محطات أخرى. فـ”الذئب المنفرد” السني الذي نفّذ عمليات في بروكسيل ولندن وفرنسا وعدد من الولايات الأميركية، كان غالباً من جيل المهاجرين الثاني أو الثالث، وكثيرون ممن تحولوا ذئاباً تكفيرية منفردة، كانوا لا يجيدون العربية أو لغات أهلهم الأصلية، وعلاقتهم بالإسلام مستجدة، وهم من أبناء النظام التعليمي الغربي، أو من ضحاياه. كما أنهم في الكثير من الأحيان أبناء اضطرابات عائلية وتوترات مع الأهل، وغالباً ما جرت أدلجتهم عبر شبكة الإنترنت. يحملون ملامح أبناء الطبقات المتوسطة لجهة جنوحها نحو الارتقاء، ويصطدمون بمصاعب الصعود وعقبات الاندماج. ولعبت وسائل التواصل الاجتماعي دوراً مركزياً في ردهم إلى هويات أولى كان أهلهم قد شرعوا بالتخفف منها.

في القليل الذي عرفناه عن هادي مطر الكثير من هذه الشروط، فأول ما شرع أبناء بلدة أهله يارون في جنوب لبنان قوله عنه أنهم لا يعرفونه وأنه ولد في أميركا لوالدين منفصلين الآن، ولم يسبق له أن زار البلدة التي يبدو أن الكثير من أهلها غادروا إلى المغترب الأميركي. والد هادي عاد إلى القرية منذ أكثر من عشر سنوات على ما يبدو، إلا أن علاقته بالعائلة في أميركا ضعيفة بحسب أبناء البلدة، في وقت تعيش العائلة مع الأم في أميركا.

الأرجح أن هادي يجيد اللغة العربية، ذاك أن المغتربات الشيعية، لا سيما في أميركا، تعيش في غيتوهات اجتماعية تتوارث فيها الأجيال الجديدة لغة الأهل، إلا أنها غيتوهات يجري اختراقها من قبل المجتمعات الأوسع عبر استمالة الأجيال الجديدة إلى مغريات الحياة الغربية وما تمثله من احتمالات انشقاق عن بيئة الأهل الأولى. وغالباً ما يترافق ذلك مع اضطرابات جيلية ومع طلاقات ومع انشقاقات. وكثيراً أيضاً ما تثمر هذه المواجهات خيبات تفرضها صعوبات العيش في الغرب وإخفاقات نظام الدمج، ويُرد عليها بعودة عنيفة إلى الهوية الأصلية. و”الهوية الأولى” التي كانت تغري “الذئب المنفرد” السني والتي تمثلت بالحرب على “الغرب”، المسؤول عن الخيبة الخاصة والفشل الخاص، وجدت نفسها في “داعش” وقبلها “القاعدة”، وهما ما كانت تحفل بهما الهوية السنية على وسائل التواصل الاجتماعي.

وهنا لا نملك الكثير من وقائع حياة هادي في أميركا تتيح لنا استنتاجات دقيقة حول خيباته من نظام الحياة في الغرب، لكن علينا أن نتقصى هنا أي هوية شيعية بديلة تعرضها وسائل التواصل الاجتماعي في حال افترضنا أن هادي قرر العودة إلى تشيع أهله البعيد؟ 

سيحضر طبعاً الكثير من مواد التحشيد البصرية والصوتية التي تحفل بها “الغرف الألكترونية” الشيعية، وما تناهى لنا من صفحاتها عن صور قاسم سليماني وفتوى الخميني وأشرطة انتصارات “حزب الله”، لن تكون بمنأى عن طاعن سلمان رشدي في نيويورك. وهذا على كل حال ما كشفته صفحات هادي مطر والصور التي نشرها على “فيسبوك”.

مسارعة وسائل الإعلام الأميركية إلى تعريف هادي بأنه لبناني الأصل تنطوي مجدداً على تخفف من المسؤولية عن ولادة “الذئب المنفرد” الشيعي، تماماً مثلما فعلت في مرحلة “الذئب المنفرد” السني. 

هادي أميركي. ولد ونشأ في أميركا، وطعنُه سلمان رشدي هو أيضاً امتداد لإخفاق في علاقته بهويته الأميركية. تحديد المسؤوليات هنا يفيد في تعقب الظاهرة وفي حصارها. الفتوى موجودة منذ 33 سنة، والمشكلة مع مصدرها ومع ثقافتها مشتغلة منذ ما قبلها، لكن لحظة الطعن لها سياق أكثر تعقيداً. 

هذا بما يتعلق بـأميركية هادي، أما ما قدمناه له نحن في بلاد أهله، في صدامه مع أميركيته، فهذا بحث مواز، لا سيما في ظل صعود المشهدية الشيعية المترافقة مع احتقان بعلاقتها مع الغرب ومع أميركا تحديداً. هذا يمثل النصف الثاني من الجريمة، لا سيما وأن الواقعة جرت بعد أيام قليلة من مناسبة عاشوراء التي شهدت هذه السنة ذروة في نقل الشعائر إلى مستواها السياسي، ومناسبة لتظهير المواجهة مع أميركا بوصفها قضية الطائفة المركزية. فقد اختصرت الشعيرة الشيعية بالمواجهة مع أميركا، جرى ذلك في ظل الحاجة السياسية لهذا الفعل، في ايران وفي العراق وفي لبنان. 

كي نفترض أن هادي استقبل هذا الاحتقان ووظفه في فعلته، يجب علينا أن لا نبقيه بعيداً عن ما تجره احتمالات العيش في أميركا في ظل أزمات الدمج التي تعيشها حتى الأجيال الثالثة من المهاجرين، وهي للمناسبة أقل من قرينتها الأوروبية، على رغم أن “الترامبية” عادت وزخمتها.

هادي ليس ابننا وحدنا. هادي أيضاً أميركي. 

“الذئب المنفرد” ليس جزءاً من قطيع، وهذا لا يقلل من مسؤولية الفتوى، ولا من فظاعة التوظيف السياسي والمذهبي للشعائر المذهبية.  

إقرأوا أيضاً: