fbpx

هل ترغم “قسد” أردوغان على التطبيع مع الأسد؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

التطورات الميدانية في شمال سوريا تقود إلى إمكانية أن تشكل “قسد” القاسم المشترك الذي قد تقوم عليه مصالحة محتملة بين أنقرة ودمشق، اللتين باتتا تتشاركان في الشكل ذاته من الضغوط السياسية والاقتصادية في الداخل والخارج.

تواصل تركيا ومعها الميليشيات السورية التي أسستها تحت مسمّى “الجيش الوطني السوري”، استهداف المناطق الخاضعة لسيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” في أرياف ثلاث محافظاتٍ سوريّة هي حلب والرقة والحسكة، إذ تروّج وسائل إعلامٍ تركّية ممولة من الحكومة وأخرى سوريّة داعمة لها لعملية عسكرية جديدة تعتزم أنقرة شنّها ضد “قوات سوريا الديمقراطية”، المدعومة من الولايات المتّحدة في حربها على “داعش”. فما الحجج التي تستند إليها أنقرة للقيام بمثل هذا التصعيد في منطقة شبه آمنة، وما حقيقة بدء هذه العملية بالفعل؟
تعد تركيا الدولة الوحيدة التي تصنف “قوات سوريا الديمقراطية” كجماعة “إرهابية”، بذريعة أنها تشكل خطراً على أمنها القومي، إذ تجد فيها امتداداً لحزب “العمال الكردستاني” الذي يشنّ تمرّداً مسلّحاً ضدها منذ عام 1984، لكن في الواقع مهمة “قسد” وهي ائتلاف عسكري يضم وحدات كردية مسلّحة وجماعات مسلّحة عربية وأخرى سريانية- آشورية وأرمنية، انحصرت منذ تأسيسها في مواجهة “داعش” والحفاظ على الأمن في مناطق نفوذها، ولم يسبق أن هاجمت الأراضي التركية انطلاقاً من أماكن سيطرتها. أو كان هدفها مواجهة تركيا التي تتهم هذه القوات باستهداف أراضيها دون أن تقدّم أي أدلة تؤكد حصول ذلك.

إضافة إلى عدم استهداف “قسد” الداخل التركي، فإنها أيضاً لا تقتصر على الأكراد، فعناصرها ينحدرون من مناطقٍ سوريّة مختلفة ومن خلفيات عرقية ودينية متعددة، وهم مواطنون سوريون لا يحملون الجنسية التركية، وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار الدعم الأمريكي المقدّم لـ “قسد”، فهذا يعني أن واشنطن تميّز بينها وبين “العمال الكردستاني” الذي تصنفه بدورها كمنظّمة “إرهابية”، وإلا لما كان بإمكانها الدعم لمقاتلين وضعت حزبهم على لوائح “الإرهاب”. وهو ما يتعارض مع منح أنقرة، الحق في محاربة هذه القوات على الأقل لعدم حمل عناصرها الجنسية التركية ولتعاونهم مع حليف أساسي لأنقرة هو واشنطن، ناهيك بوجودهم خارج حدودها، فلا أرضية لمنطق محاربة “قسد” أو اعتبارها إرهابية استناداً إلى وجود تقارب ايديولوجي لفكر بعض عناصرها مع توجهات “العمال الكردستاني”.
ومع ذلك تتخذ تركيا من مسألة محاربة “العمال الكردستاني” ذريعة لاستهداف “قسد”، على خلفية وجود مقاتلين أكراد في صفوفها، انطلاقاً من نظرية اليمين التركي الذي يرى في كلّ كردي عضواً في “العمال الكردستاني”، تجب محاسبته. على سبيل المثال، طالبت أنقرة السويد تسليمها البرلمانية الكردية أمينة كاكاباويه شرطاً لموافقتها على انضمام ستوكهولم لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، برغم أن كاكاباويه هي مواطنة سويدية من أصل إيراني، ولا صلاتٍ بينها وبين تركيا التي لا تحمل جنسيتها والتي اتهمتها بدعم “الإرهاب” والعضوية في “العمال الكردستاني”!


علاوة على مطالبة أنقرة السويد بتسليمها البرلمانية الكردية، كرر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أكثر من مرة منذ نحو ثلاثة أشهر رغبة بلاده بشنّ هجومٍ جديد سيكون الرابع الذي يستهدف “قسد” بعد ثلاث عمليات عسكرية سابقة أطلقت عليها أنقرة اسماء “درع الفرات” و”غصن الزيتون” و”نبع السلام” والتي على إثرها سيطر الجيش التركي والميليشيات التابعة له من المتمرّدين السوريين المعارضين لنظام الرئيس بشار الأسد على مناطق واسعة من شمال سوريا، من ضمنها مدينة عفرين ذات الغالبية الكردية في شمال غربي البلاد، إضافة إلى منطقتين ذات غالبية كردية أيضاً، هما تل أبيض ورأس العين في شمال شرقي البلاد.
وبرغم ذلك لم تعلن وزارة الدفاع التركية حتى الآن بدء هجوم جديد كما جرت العادة، فمثل هذه العمليات تعلن عنها حصراً وزارة الدفاع إلى جانب أن الرئيس التركي يطلع الأحزاب المتحالفة معه والمعارضة له في البلاد على خططه العسكرية عند تنفيذها، باستثناء حزب “الشعوب الديمقراطي” المؤيد للأكراد باعتباره يعارض العمليات العسكرية التركية ليس في سوريا فقط، بل أيضاً في ليبيا والعراق والمنطقة المتنازع عليها بين أرمينيا وآذربيجان في إقليم ناغورني قره باغ.
وتزامنت التهديدات التركية هذه المرة مع استهداف أنقرة والمتمرّدين السوريين مناطقٍ وبلدات سوريّة تخضع لسيطرة “قسد”، كما حصل في مدينة القامشلي أخيراً، ما يوحي بتنفيذ الرئيس التركي تهديداته كما تروّج وسائل الإعلام الحكومية في بلاده وتلك التي تدعم المتمرّدين على حكم الأسد، لكن في الواقع فإن الاستهداف التركي المتكرر لهذه المناطق لم يتوقف منذ الهجوم الأخير الذي أطلقت عليه أنقرة اسم “نبع السلام” في تشرين الأول/ أكتوبر 2019، والذي توقّف بعد حصول اتفاقٍ مزدوج بين أنقرة وواشنطن من جهة وأنقرة وموسكو من جهة أخرى، وقضى بإبعاد “قسد” من الحدود التركية لمسافة تجاوزت 30 كيلومتراً.
ومع أن “قسد” التزمت بالاتفاقيتين وانسحبت بالفعل من الحدود مع تركيا، بعدما أوكلت المهمات الأمنية في المناطق الخاضعة لسيطرتها والواقعة على الحدود التركية إلى قوى الأمن الداخلي والمعروفة بالكردية بـ “الآسايش” إلى جانب المجالس العسكرية المحلية، إلا أن الهجمات التركية لم تتوقف وعاود الرئيس التركي الحديث عن عملية عسكرية جديدة بذريعة مكافحة “الإرهاب” و”حماية الأمن القومي” التركي!
إن المخاوف التركية من “قسد” تكمن ببساطة في وجود الأكراد في صفوفها ضمن تجربتها العسكرية التي تتعارض مع سلوك أنقرة الرافض لكل ما هو كردي، وإلا فلماذا لم يحارب الجيش التركي تنظيم “داعش” حين كان يسيطر على معظم الشريط الحدودي بين سوريا وتركيا؟ وما سر اختباء معظم قادة “داعش” الكبار الذي قُتِلوا في غاراتٍ أميركية في مناطقٍ سورية تخضع لسيطرة أنقرة؟  ففي أرياف إدلب قُتِل أبو بكر البغدادي الزعيم الأسبق للتنظيم ومن ثم خليفته وقادة آخرون!
لقد أُثيرت شكوك كثيرة حول علاقة تركيا بـ”داعش” في السنوات الماضية، وبرغم وجود هذا التنظيم على حدودها، إلا أنها لم تتحرك لمحاربته كما تفعل اليوم مع “قسد” وما تُطلق عليه اسم “الإرهاب الكردي”، حتى إن عمليتها العسكرية المزعومة والتي أطلقتها في صيف 2016 ضد “داعش” في منطقتي جرابلس والباب السوريتين، كانت بحد ذاتها دليلاً على علاقتها بهذا التنظيم، إذ لم نرَ حتى الآن صوراً لأسرى التنظيم أو العناصر الذين قتلوا في غضون تلك العملية التي كانت تهدف بالدرجة الأولى إلى قطع التواصل الجغرافي بين مدنٍ كانت تسيطر عليها “قسد”.


من المؤكد أن تركيا لم تحارب “داعش” كما يجب، حتى إن كبار المسؤولين في هذا التنظيم قتلوا في مناطق سوريّة تخضع لسيطرتها، كما حصل عند مقتل البغدادي وعبدالله قرداش ومسؤول آخر ألقى التحالف الدولي القبض عليه في عمليةٍ مشتركة مع “قسد” في شهر تمّوز/ يوليو الماضي في بلدة جرابلس، التي تخضع لسيطرة الجيش التركي والمتمرّدين السوريين المدعومين منه. وهو ما يؤكد وجود علاقة متواصلة بين الطرفين، ناهيك بانضمام مقاتلين سابقين من “داعش” إلى جماعاتٍ سوريّة مدعومة من أنقرة مثل “الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية” وميليشيات المتمرّدين المعروفة بـ”الجيش الوطني”، وهذا يعني أن هدف تركيا الأساسي في سوريا يكمن في محاربة الأكراد لا سيما أولئك الذين ينتمون لـ “قسد”.
بيد أن المعطيات الحالية تشير إلى أن الوسيلة التركية الأخيرة لمحاربة “قسد” تكمن في نظام الأسد، فقد أعلن الرئيس التركي بعد قمة سوتشي الأخيرة مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين يوم الخامس من اغسطس/آب الجاري  أن التعاون مع نظام الأسد يبدو “حلّاً منطقياً”، وقد سبق ذلك إعلان وزير الخارجية التركي مولود تشاويش أوغلو عن رغبة بلاده في دعم نظام الأسد لمواجهة “قسد”، وبالتالي قد ترغم “قوات سوريا الديمقراطية” أردوغان أخيراً على التطبيع مع دمشق، بعدما فشلت أنقرة في شن عملية عسكرية جديدة ضدها إثر رفض واشنطن وموسكو وطهران لهذا الهجوم.

دأبت موسكو منذ عام 2019، على الإشارة إلى “اتفاقية أضنة”، التي تمنح تركيا “حق مطاردة الإرهابيين بعمق 5 كلم داخل الأراضي السورية”، سبيلاً وحيداً لتبديد “مخاوف أنقرة الأمنية”، مؤكدة للرئيس التركي أن لا حل للقضاء على ما تسمّيه “الإرهاب الكردي”، إلا من خلال التعاون مع الأسد. وعلى رغم أن هذه الفرضية لم تلق حماسة من أنقرة في حينه، إلا أن التغيرات السياسية في المنطقة، وبخاصة بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا، والالتصاق التركي بإيران وروسيا بالتزامن مع ابتعادها من أوروبا، جددت من حظوظ هذا النهج، وهو ما بات واضحاً من توقيت التصريحات التركية غداة اجتماعَي استانة في طهران وسوتشي الأخيرين.

كما أفادت صحيفة “تركيا”، المقرّبة من الحكومة التركية، بإمكانية حصول اتصال هاتفي بين أردوغان وبشار الأسد، وذلك بناءً على النصيحة التي قدمها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للرئيس التركي. وعللت الصحيفة هذه الخطوة بفشل أنقرة في الحصول على ضوء أخضر، من أجل عمليتها العسكرية في سوريا في كل من قمتي طهران وسوتشي، ما دفعها للبحث عن “عملية مشتركة” (مع دمشق) في شمال سوريا.

وقبل أيام، وفي معرض ردّه على سؤال حول نبأ الصحيفة التركية، كشف تشاويش أوغلو عن محادثة أجراها مع نظيره السوري فيصل المقداد في تشرين الأول/ أكتوبر 2021، على هامش اجتماع دول عدم الانحياز. وعلى رغم محاولة وزير الخارجية التركي التقليل من وزن هذه المحادثة التي سماها “الدردشة وقوفاً قبل موعد الغذاء”، إلا أنه أعاد تأكيد استعداد أنقرة للتطبيع، مقابل التزام الأخيرة بمحاربة الإرهاب، الذي يقصد به تركياً “قسد” والمجموعات المسلّحة الأخرى في مناطق شرق الفرات.
التطورات الميدانية في شمال سوريا تقود إلى إمكانية أن تشكل “قسد” القاسم المشترك الذي قد تقوم عليه مصالحة محتملة بين أنقرة ودمشق، اللتين باتتا تتشاركان في الشكل ذاته من الضغوط السياسية والاقتصادية في الداخل والخارج، إضافة إلى التشارك بحليفين قويين هما موسكو وطهران.

إقرأوا أيضاً: