الأحذية البيض في دبي تختلف عن تلك التي في دمشق

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!
TelegramWhatsApp

“الأمان العام هو العمل والاستقرار أما الأمان الأكثر خصوصية بالنسبة لي فهو أن أرتدي حذاء أبيض دون أن يتسخ، ودون أن أخشى سعره، أن أرتدي ما أرغب ببساطة! فالأحذية البيض في دبي تختلف عن الأحذية البيض في دمشق، رغم أن أرجلنا ذاتها”

لقد خدعتني هذه البلاد حتماً حين حلمت داخلها، جربت الحياة فيها كما لو كانت حقيقيةً بالفعل، وتصرفت على محمل الجد مبرراً كل ما يحدث بأسباب مستهلكة، اكتشفت أخيراً أن هذه البلاد ليست لي، حين طرحت صديقتي سؤالاً مرعباً:
ما هو الأمانُ بالنسبة إليك؟
ارتعشت حقاً من سؤالها، وبعد صمت دام دقائق حملت أغراضي وعدتُ إلى منزلي مسرعاً، طوال الطريق وأنا أنظر خلفي كالمجنون ممسكاً أغراضي بقوة لحين وصولي إلى الشقة، وبعدما أغلقتُ الباب خلفي عرفت الجواب، لم تخفني عتمة دمشق بسبب انقطاع التيار الكهربائي ولا التواء قدمي إثر تعثري على درج مدخل البناية ولا حتى صراخ امرأة أتى من رأس الحارة ليلاً، ببساطةٍ لأنني قمت بفعل آمن، لقد أقفلت باب الشقة جيداً، ولأمنح نفسي خوفاً أقل دخلت غرفة النوم وأقفلت بابها أيضاً… الأبواب المفتوحة ليست الغريبة في هذا الموضوع، بل المقلق أنني أسكن هذا المنزل وحدي تماماً وسط مدينة دمشق الهائلة.
يختلف الإحساس السوري بالأمان من شخص إلى آخر، تبعاً لظروف كثيرة، أبرزها الحرب، قد تبدو الأمور متشابهة من الخارج، لكن حقيقة الداخل مختلفة تماماً، فالأمان كمصطلح: هو الشعور بالطمأنينة والحماية والسلام، ما شعور السوري اليوم الذي يعيش في مكان نقيض لما ذكر!
نستمد شخصياتنا من الخوف فهو المربي الأول الذي ساهم في تكوين مفاهيمنا عن الحياة وتقييد تصرفاتنا، لم يكن مفهوم عدم الاقتراب أو اللمس كافياً في ردع أفعالنا تجاه الأشياء، ولا حتى لافتات التحذير. يعتمد الأمر برمته على شعورنا، فلا يمكن أن تقول لسوري ألّا يلمس الأجسام الغريبة وهو يعيش وسط الأنقاض!

هل يشعر السوريون بالخوف حقاً؟


غدا للخوف السوري على أنواع، وبأحجام ومقاسات متنوعة وذلك تبعاً لاختلافات كثيرة سببتها الأزمات داخلنا، أخاف من أن يسألني أحدٌ عن أحلامي المستقبلية، وأخاف أن اسأل البقية عن الخارج أيضاً، حين يغادر أحد أصدقائي البلد أطلب منه أن يصف المكان لي! بعضهم يصف لي بلاداً لا أفهمها وبعضهم يكتفي بقول: اخرج من سوريا باكراً.
اسأل صديقي نوار الذي خرج منذ أشهر نحو بلاد الخليج، ما هو الأمان بالنسبة لك؟!
فيقول: “الأمان العام هو العمل والاستقرار أما الأمان الأكثر خصوصية بالنسبة لي فهو أن أرتدي حذاء أبيض دون أن يتسخ، ودون أن أخشى سعره، أن أرتدي ما أرغب ببساطة! فالأحذية البيض في دبي تختلف عن الأحذية البيض في دمشق، رغم أن أرجلنا ذاتها، هناك فارق بين المشي في شوارع واسعة ككائن حي مكتمل والمشي في شارع يتألم من خطواتك، هكذا هو الشعور الذي منحتني إياه طرقات دمشق”.
أما صديقتي التي تقيم هناك أيضاً فالأمان بالنسبة لها هو أن يكون شحن بطارية هاتفها المحمول منخفضاً دون أن تصاب بالذعر، تقول: “أكلمك الآن وشحن جوالي 3% ومو خايفة أبداً، تخيل أنو مقبس الكهرباء حدي ودائما شغال”.. وتضحك.!
دوما ما أتوقف بعد إجابات كهذه، أخاف أن اسأل أكثر، فلا أريد أن أوهَم بحياة قد لا أصلها أبداً، أريد أن أصدق هذه البلد فقط كي اعتاد الأمر دون أن أشعر بالخذلان.

أدوية نفسية مهرّبة


نحن الذين نعيش في الداخل ندرك جيداً أن معركتنا الأساسية ليست في البلاد بل في البقاء، والمغادرة تعني أن تحمل ذاتك بكل انتصاراتها وفشلها وخوفها نحو بلاد ألطف مع حقيبة تحوي حاجاتك المهمة، لكن ماذا سيضع السوريّ في حقيبته اليوم وهو يحتاج لكل شيء تقريباً؟!
جواد (اسم مستعار) لا يملك ثمن حقيبة لأغراضه إن حدث وسافر، يخاف الغربة مثل كثيرين، الأمان بالنسبة له هو أن يؤمّن ثمن دوائه النفسي فقط، يقول: “كان خوفي الوحيد ألا أستطيع الاستمرار في العلاج، لكن خوفي الأكبر اليوم أن ينقطع الدواء باستمرار فلا أريد العودة لشعوري القديم، انقطاع الأدوية غدا أمراً اعتيادياً في سوريا، لا يمكنك حتى السيطرة على ألمك النفسي، حين تكبر المعارك يقلّ معها الشعور بالأمان، العلاقة هذه تدل على شيء واحدٍ فقط، لا نريد العودة لذلك الشعور، العودة تعني الاستسلام، العودة نحو خوفي القديم أصعب من العودة إلى مدينتي التي دمرتها الحرب”.
يكمل جواد: “أكبر شعور أمان قد أحصل عليه عند شراء كمية من دوائي النفسي تكفيني لأيام حتى لو كانت مهرّبة، الشعور الذي يمتلكني حين أضع هذه الأدوية في حقيبتي الجامعية واخبئها جيداً بين الأغراض وأمشي بحرص كما لو كانت معي حقيبة متفجرات… يشبه الانتصار”.

إقرأوا أيضاً:

الخوف… عندما يكبر


يراود السوريون الحلم كما يراودهم الكابوس في الوقت نفسه، يقول العم أبو فراس (50 سنة) والملقب بـ”أبو الشاغور”، أنَّ الكوابيس حين أصبحت حقيقة لم تعد للإحساس قيمة في هذا البلد، فقد أبو الشاغور في الحرب مثل كثيرين منزله، أخاه، وابنه البكر… “عمو لا تشوفني هيك، خدني لعند حلاق صبغلي شعري وذقني ولبسني قميصي الزهري بصير شيخ الشباب، الله وكيلك كانت البنات تلحقني وأنا شب ويتغزلوا بعيوني الزرق”.
وقف أبو فراس بجانبي وفتح حديثه دون مقدمات ودون أن اسأله في حين ننتظر سرفيس على خط جرمانا_ باب توما، وبينما يشكو من الانتظار بصوته المرتفع، وبسبب الازدحام، صدمت سيارة أجرة مسرعة ابنته التي كانت تمسك بيده في خاصرتها، سارع الجميع للاطمئنان. أدار وجهه نحو السائق وتحدث بتمتمة غير مفهومة، عرض السائق أن يوصلهم إلى المستشفى كاعتذار، لكن الأب طلب توصيلة إلى باب توما فقط لعدم توافر السرافيس..
صعد الرجل السيارة ووضع ابنته في حضنه، اقتربتُ من النافذة وسألتها بحنو: (موجوعة شي؟) أجابت: (شوي)، قبل أن تمشي السيارة وهي تشد يدها على خاصرتها.
يحاول أبو شاغور اختصار الخوف، يحاول أن يعيده إلى فقدانه قميصه الزهري، وبدل المستشفى، يغتنم التوصيلة ليذهب إلى باب توما… يحدث ذلك في البلد الأكثر خطورة في العالم، وفق مؤشر السلام العالمي.
نحن الذين لا نستطيع أن نشعر بالأمان، نحاول أن نمنح أنفسنا خوفاً أقل، أفهم أن هذه البلاد غير كافية، وليست محقّة في تقديم الحياة كنسخة سورية، والمقصود بالحياة السورية العادية أن تفعل ما تريد دون خوفٍ من العتمة ولا من الأبواب المفتوحة أو صراخ امرأة من رأس الحارة ليلاً.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني