fbpx

الألعاب الجنسية: غسيل بنفسجي وتسليع للذة 

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

ما زال العالم يحاول فهم الألعاب الجنسية والاعتياد عليها وتطويرها لتكون آمنة ومتوفرة للجميع. لكن ذلك قلما يحصل إذ ما زالت هذه الألعاب ممنوعة في بلدان كثيرة، لا سيما البلدان العربية حيث لا تباع إلا في السوق السوداء أو تشترى من مواقع أجنبية

يُنظر للألعاب الجنسية  في المجتمعات “الايروتيكوفوبية”، أي التي تهلع من فكرة الجنس، على أنها عار على الجنسين. ولأن أجسادنا هي مشروع شأن عام يتداخل فيه الاقتصاد والسياسة والدين، يخجل كثيرون من الاعتراف باقتنائهم ألعاباً جنسية حتى بعد مطالبة عالمية بوجوب امتلاك المرء جسده وحريته بالتصرف به. فكيف صمد تابو الإمتاع الذاتي بيد تفشي البورنوغرافيا وتطبيع العلاقات المفتوحة أو المتعددة حول العالم؟ 

في الحقيقة، التابو لا يقتصر على الألعاب الجنسية فحسب بل يشمل الهلع الكثير من المنتجات التي تتعلق بالصحة الإنجابية والجنسية لدى الجنسين، كالفوط الصحية والواقيات الذكرية. لكن يتلقى كل جندر أو جنس ردة فعل مختلفة لاقتنائه هذه الألعاب لأن الجنس متعة يحتكرها المغايرون جنسياً من الرجال. وهو ما يدفعون ثمنه إذ تتعلق “الرجولة” بقدرة الرجل على إمتاع المرأة، واقتناؤه ألعاباً جنسية يعني لجوءه إلى خيارات بديلة بعد فشله بالخيار الأول. 

هذا لا يعني أن اقتناء النساء ألعاباً جنسية مقبول. بما أن ذلك يعني أنها “جنسية” الى حد بعيد. ما يعرض من تستخدمها لأن تتهم بالفجور إلا إذا اندرج استخدام الألعاب الجنسية باطار “قدسية” المؤسسة الزوجية بالشكل الاجتماعي المقبول. أما كل حركة تحرر جنسي لا تصب بمصلحة مؤسسة الأسرة فمن المحتمل أن ترفض أو أن تستغل لمصالح شخصية. مثلاً، عندما طالبت النساء بحريتهن الجنسية، كحقهن باختيار الشريك والموافقة على العلاقة الجنسية وحريتهن باختيار شروط هذه العلاقة، استغل الكثير من الرجال موجة المطالبة هذه بتفسير الحرية الجنسية على أن النساء المطالبات بها “متوفرات” أو سهلات المنال.

هكذا، يصبح الموضوع أكثر تعقيداً من أن يتعلق بمجرد لعبة جنسية. اقتناء هذه الألعاب يدل على ما هو أعمق من المتعة، ليبين أن صاحبها يفضل الامتناع الذاتي على العلاقة التي تشمل شخصين فتصبح اللعبة الجنسية مانيفيستو ضد الزواج وضد الإنجاب، أي دور النساء “الطبيعي” وضد “الفخر الذكوري” بأن ينال الرجل زوجة أو حبيبة يثبت معها قدراته الجنسية.

لكن بعيداً من النظرة النمطية والتفسيرات الاجتماعية القائمة على الموروث، تتيح هذه الألعاب للنساء بأن يمتلكن أجسادهن لأنفسهن خارج وطأة استغلال حريتهن الجنسية باعتبارهن أجساداً لاشباع الرغبة الجنسية الذكرية. وتسمح للرجال بأن يكتشفوا أجسادهم ويتعرفوا إليها متحررين من ضغط الذكورية السامة.

يذهب كثيرون إلى ربط اقتناء الألعاب الجنسية بالمثلية الجنسية باعتبار أن الأشخاص يستعيضون عن اللذة الجنسية التي يضمنها الجنس الآخر عبر اللجوء إلى لعبة اذا ما سنحت الفرصة بأن يعترفوا بهويتهم الجندرية. بيد أن الكثير من الممتثلين جنسياً والذين ينجذبون إلى الجنس الآخر يلجأون إلى الألعاب الجنسية كوسيلة لكسر التابوهات أو من أجل إضفاء متعة اضافية لرتابة الروتين الجنسي الاعتيادي والمقبول. ما زال العالم يحاول فهم الألعاب الجنسية والاعتياد عليها وتطويرها لتكون آمنة ومتوفرة للجميع. 

لكن ذلك قلما يحصل إذ ما زالت هذه الألعاب ممنوعة في بلدان كثيرة، لا سيما البلدان العربية حيث لا تباع إلا في السوق السوداء أو تشترى من مواقع أجنبية، بما أن الحكومات تعتبرها “منافية للأخلاق” وتضبطها كما تضبط الممنوعات باعتبارها بضائع مهربة، ما ينعكس على سعرها. 

إقرأوا أيضاً:

في الأردن مثلاً، يبلغ سعر ألعاب من هذا النوع نحو 150 دولاراً في السوق السوداء. يحرم هذا السعر الخيالي كثيرين من اقتناء هذه الألعاب، لذلك قد يلجأون إلى الإنترنت للبحث عنها. وهناك محاولات قليلة ولافتة في العالم العربي لتصنيع الألعاب الجنسية وبيعها على الانترنت واستخدام مواقع التواصل للترويج لها، منها “ديم” وهي شركة عربية تصنع لعباً جنسية للنساء.

وهذا لا  يعني أن التبضع الالكتروني هو الحل الأمثل، فالمشكلة لا تكمن فقط بالحصول على الألعاب الجنسية. بل تتعلق أيضا بمميزات الألعاب الجنسية نفسها وطريقة تصنيعها. حتى وان توفرت في متاجر امنة وسعرت لتلائم الجميع، لا يمكننا إنكار أنها لم تصنع ليستفيد منها جميع الناس. لا يستمتع ذوو الاعاقة بهذه الألعاب بقدر ما يستمتع بها الذين لا اعاقة جسدية لديهم مثلا. يرجع المتخصصون ذلك إلى احتكار الرجال الأثرياء والمغايرين جنسياً سوق تصنيع هذه المنتجات فيصنعونها بحسب رغباتهم ناسين احتياجات بقية أفراد المجتمع الذين قد يشترونها. 

توضح الباحثة والكاتبة الأميركية في جامعة نيفادا في لاس فيغاس، لين كونيلا، أن هذه المعادلة في طور التغير. بخاصة خلال الأربعين سنة الأخيرة إذ تتولى المزيد من النساء مواقع رائدة في عالم تصميم وتصنيع الألعاب الجنسية لتصبح ألعاباً “للجميع”، وتأخذ في الاعتبار الحاجات المختلفة، كيلا تكون مصنوعة لشريحة معينة وحسب، كما كانت من قبل. حتى أنها توضح أن هذه المتاجر لم تعد تقتصر على متجرين فقط كما كانا في سبعينيات القرن الماضي في أميركا بل أصبحا يمثلان قطاعَي مدخوله ما نحو 15 مليار دولار. 

هذا الأمر يطرح مشكلات أخرى متعلقة بالأسباب التي قام عليها احتضان الحرية الجنسية في الغرب وتسليعها لتدخل في مقومات الاقتصاد، ما أدى الى تسليع مستدام للذة وربطها بالقدرة الشرائية وهو استغلال لا يقل ضرراً عن استغلال الموجات النسوية باعتبار النساء “متاحات”. 

هل سيحق للأشخاص التمتع بأجسادهم ان لم ينم ربط التحرر الجنسي بالربح الاقتصادي عبر الألعاب الجنسية؟ من المرجح أن يكون الجواب  نفياً. حتى لم تكن معظم التغيرات التي طرأت على  المجتمع ممكنة ما لم ترتبط بمسائل الربح والخسارة. 

خطورة ذلك تتعدى حرمان البعض من الألعاب الجنسية لأنهم لا يملكون ثمنها لتفتح حيزا أمام الشركات المصنعة لها لتبيع بضاعتها، مسوقة لنفسها كمؤسسة ذات طابع نسوي رافعة الألعاب الجنسية سلاحاً ضد النظام الأبوي. استغلال القضايا النسوية لإرساء صورة جميلة عن مؤسسة ما بهدف تحقيق الأرباح ليس سوى غسيل بنفسجي وردي استغلالي، يسعى إلى تسليع لذتنا وتأطير الموجة النسوية الثانية المنادية بالحرية الجنسية بآليات السوق. 

والتسليع ليس اعترافاً بحقنا بامتلاك أجسادنا ولا يضمن حقنا في الوصول إلى المنتجات التي تؤمن أدنى حقوقنا بالاستمتاع واللذة التي كانت المطالب الأساسية للنسوية في أول السبعينات في الولايات المتحدة الأميركية. نرى أن الألعاب الجنسية ذهبت أبعد بكثير من المطالبات الأولية لها. مع تطور مفهوم النسوية، تصارع الألعاب الجنسية للتطور معها وتتعثر بدأبها بالتطور بين الشركات الذكورية وتلك التي تعتمد الغسيل البنفسجي في عالم يفتقد لدراسات جدية ترمي إلى فهم اختلاف احتياجات مشتري الألعاب الجنسية. 

إقرأوا أيضاً: