لبنان: ضغوط من نافذين لتبرّئة مغتصبي أطفال وحيوانات

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!
TelegramWhatsApp

يلف القضية الكثير من الغموض، إذ يبدو أن تصاعد دور النفوذ السياسي والأمني والعشائري أحياناً هو أقوى من مسار العدالة وهذا ما يتكرر كثيراً في لبنان.

“(ت) وصديقه (ك) عادا إلى المنزل. أمّا الشاب القاصر فقد خُتِمَ ملفّه وهو بانتظار توقيع قاضي التحقيق لإخراجه”…
هذا ما أكده شاب ناشط من بلدة المحيدثة في راشيا البقاع الغربي، كان تابع قضية اغتصاب شبان أطفالاً لبنانيين وسوريين وحيوانات، وهو خبر ضج به لبنان في الأيام الأخيرة.
لكن عدا فداحة الارتكاب، يبدو أن تدخلات وضغوطات حصلت، ما جعل الغموض يكتنف الجرائم المنسوبة وسياق المحاسبة فيها وصولاً الى اطلاق سراح المشتبه بهم، وهذا كله من دون إعلان رسمي واضح لحجم الارتكابات ومسار التحقيق فيها.
لا نزال نتصفّح يومياً تصريحات المعنيّين ليرمي كل منهم المسؤولية على خصمه، وتعود لعبة السياسة إلى الواجهة. فيما تكمن إشكالية الغموض حول هذه القضية بين التكتّم ومحاولة الإفلات من المحاسبة، يثبت لنا المشهد اللبناني، في كل مرّة نشهد فيها حالات مشابهة، أنّه هشّ وغارق في الفوضى التي باتت تخلف ظواهر اجتماعية بالغة الخطورة.
قضية اغتصاب اطفال وحيوانات ،مرتكبوها بعضهم قصر في منطقة هي من أطراف لبنان في البقاع الغربي حيث وطأة تحلل الدولة وانهيارها تبدو أشد قسوة.
المتّهمون في القضية هم أربعة شبّان: الشقيقان ت.ف. (19 سنة) وأخوه القاصر (17 سنة)، وشريكاهما ك.ج (19 سنة) وس. غ (ثلاثيني).
انتشر خبر الاغتصاب بعدما حرّك والد طفل تعرّض للاغتصاب، وهو نقيب في الجيش اللبناني، الخيوط الأولى للقضية بعد رفعه دعوى على الشبّان. بينما لم يرفع أهالي ضحايا آخرين دعوى، ويحاولون التكتّم لأسباب غير معلنة، لكنها غالباً ما تتكرر في مجتمعات قروية تقليدية تفضل التكتم والصمت على انكشاف انتهاك يرتبط بوصم اجتماعي.
اعتقل الأخوان ش.ف. وشريكهما ك.ج، يوم 16 آب/ أغسطس، إثر الدعوى المذكورة، إلا أن الاعتقال لم يدم طويلاً، وفق معلومات حصل عليها “درج”، فقد تم إطلاق سراح اثنين منهم بسرعة، حتى إن ك.ج استطاع أن يخرج بعد ساعة من القبض عليه، فأي تحقيق يمكن أن ينتهي في ساعة واحدة؟


يلف القضية الكثير من الغموض، إذ يبدو أن تصاعد دور النفوذ السياسي والأمني والعشائري أحياناً هو أقوى من مسار العدالة وهذا ما يتكرر كثيراً في لبنان.
ت.ف وأخوه هما الأصغر بعد سبع بنات في عائلة تُعتبر من الأكثر فقراً في البلدة. تواصل “درج” مع بعض أهالي المحيدثة الذين أكدوا إن جيران العائلة شكوا مراراً من سلوك الفتى القاصر، فالأخير لديه سوابق في السرقة، ومنها أنه كان يبيع أغراض المنزل، فيما لم يتوقّع كثر منهم أن يكون ت.ف متورطاً أيضاً.
تكشف الشهادات التي استطعنا جمعها عن تشابك الاعتداء على الأطفال باعتداء على الحيوانات، “س.غ معروف بأنّه يخطف كلاباً ويغتصبها ويعنّفها حتى مصرعها على يده”، يقول أحد سكّان البلدة. “هذا الشاب الثلاثيني، وهو من خارج البلدة، لديه بطاقة صحية من وزارة الشؤون الاجتماعية تُثبت اضطّرابه العقلي والسلوكي”.
مصادر متابعة للقضية نقلت لـ”درج” أن الحكم القضائي، لربما، أنكر الفيديوهات الموجودة على هاتف المغتصبين. إذ تظهر اغتصاب ك. ج حيوانات (عنزة)، ومشاركة الشقيقين في اغتصاب أطفال.
المفارقة أن القضية أحيلت إلى المحكمة العسكرية، ما يطرح علامات استفهام كثيرة، فلماذا مثلاً يحال التحقيق في قضايا اغتصاب أطفال إلى المحكمة العسكرية المعنية بمحاكمة العسكريين أو لرفع قضايا عسكريين حصراً؟ لماذا لم يصر إلى التحقيق مع الشبان في محكمة الجنايات مثلاً؟


هل المقصود وأد التحقيق في مهده؟


تقول المحامية والناشطة الحقوقية ديالا شحادة، “أغلب الظن أن إحالة القضية إلى المحكمة العسكرية هي محاولة لتطيير الفرصة على أصحاب الحقوق الشخصية لمتابعة التحقيقات ففيها يُعتبر صاحب الحقوق الشخصية شاكياً، وهو ليس لديه أي حق سوى الإدلاء بشهادته إذا قرر القضاء”. وبالتالي عليه أن ينتظر الحكم ولا يملك حق استئناف الحكم، ولا التقدم بطلبات، ولا توجيه الأسئلة.
إذاً، استدعاء الشبّان للتحقيق في المحكمة العسكرية لا يخضع لأيّ أساس قانوني. وهي حيلة أقيمت نظراً لسريّة هذه المحكمة وخصوصيتها أكثر من غيرها.
وفي أثناء التحقيق، أسقط ت.ف. كل التهم على شقيقه القاصر قائلاً إنه كان “يضربه لمساعدته ومشاركته في الاغتصاب وتصويره”، وهذا ما أبقى الأخ الأصغر في السجن. وهو قانونياً، وإن كان قاصراً، ارتكب الجناية يجب أن يلاحق عليها من محكمة الجنايات.
“لا معايير حماية واضحة، وهو ما يؤسس لتفلّت كبير على مستوى إستباحة الأطفال من دون وجود أحكام مشددة”، تقول الخبيرة الدولية في الرعاية البديلة وحماية الأطفال الناشطة الحقوقية زينة علّوش، التي اعتبرت أنّ إسقاط المسؤولية عن الأخ القاصر، هو لعبة قانونية تُستخدم لتخفيف العقوبات.
وتردف أنّ هناك حساباً قانونياً، أي مسؤولية جزائية، يجب أن تكون تحت ما يسمّى “الأحكام البديلة” التي تراعي خصوصية أن يكون أحد المعتدين قاصراً.
كون الارتكابات حصلت في بيئة درزية محافظة وتخضع لنفوذ محلي وسياسي تقول معلومات خاصة لـ”درج” إنّ أحد المقربين من العائلة لجأ إلى منزل النائب الدرزي وائل أبو فاعور عند بداية الاعتقال. إلا أنّ هذا الأخير رفض التدخّل.
في ظل الإرباك الذي عاشته العائلة، تحدثت معلومات غير رسمية عن نفوذ يتمتع به والد ك.ج شريك الشقيقين، وهو ضابط مخابرات في الجيش اللبناني ولديه شبكة معارف كبيرة في السلك العسكري والقضائي إذ يبدو أنّ هذه “المعارف” هي التي “أغلقت ملف الشبّان” وهذا ما دلت عليه سرعة الإفراج عن المشتبه بهم.


تتردّد معلومات بين أهالي المحيدثة أنّ محامياً، مقرّباً من رئيس “حركة النضال العربي اللبناني” طارق الداوود، كان تسلّم ملفاً سابقاً للشقيق القاصر أثناء التحقيق معه. وهو على دراية بمجريات التحقيق الآن، وقد قال في تصريح نشرته صحيفة “النهار”، “انتظر حتى ظهر الغد لأعطيك التفاصيل بحضور الشقيقين، لأنّ هناك احتمالاً كبيراً لخروجهما في هذين اليومين”، مشيراً في حينها إلى أنّه إذا لم يتم الإفراج عن الشبّان، فسيستلم الملف بنفسه.

تقول زينة علّوش إنّ خروج المرتكبين من السجن يمكن أن يعرّضهم وعائلاتهم للخطر إذا قرّرت أطراف من عائلات الضحايا الانتقام منهم في ما بعد مثلاً. كذلك، تجب معاقبة المغتصبين ومتابعتهم نفسياً وتأهيلهم لعدم تكرار هذه الجريمة.
مجتمعياً، فإنّ ثقافة “مش قصّة كبيرة” المنتشرة، بإمكانها تدمير كثيرين، وتحديداً ضحايا الاعتداءات المسكوت عنها، فبسبب هذه الثقافة يتم استسهال انتهاك أجساد الأطفال دون معاقبة الجناة، وفي قصة المحيدثة، يزداد الأمر تعقيداً لا سيما أن أحد المرتكبين قاصر.
هي الحقيقة المضطربة التي تجتاح المجتمع اللبناني، من جريمة سفّاح القاع، الذي اغتصب أكثر من 20 طفلاً، وصولاً إلى جرائم أخرى بحق النساء والأطفال والفئات المهمّشة في المجتمع. اليوم، تضاف “الزوفيليا” إلى “البيدوفيليا”، ليصبح الحيوانات أيضاً عرضةً لشراسة البعض. وهنا الأعمار الصغيرة نسبياً للشبّان المغتصبين تزيد الموضوع تعقيداً وسط تسهيلات قضائية بدعم من الواسطات والعلاقات العامة.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني