“عدنا للعيش مع أهلنا” : الانهيار الاقتصادي يُفقد شابات وشبان لبنان استقلالهم عن عائلاتهم.

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

يصعب على النساء المستقلات العودة إلى منزل العائلة، بعدما ناضلن لسنوات للحصول على استقلاليتهن، لكن البطالة والوضع الاقتصادي المتردي أجبرا كثيرات على العودة للعيش تحت السلطة الأبوية من جديد.

مرّ عامان على تخرج أمير (25 سنة) من قسم إدارة الأعمال في الجامعة اللبنانية الدولية، وبرغم حصوله على تدريبات، إلا أنه لم يحظ بفرصة للعمل في تخصصه، فراح يتنقل من عمل إلى آخر خارج مجال تخصصه. استمر على هذا الحال حتى شباط/ فبراير الماضي، بعدما قرر ترك عمله في أحد المحلات التجارية في قسم المبيعات لعدم قدرته على تغطية تكاليف النقل. “أصحاب العمل بيقبضوا بالدولار بس بعدهم مصرين يعطوا موظفينهم على اللبناني”. آخر راتب حصل عليه أمير لم يتخط المليوني ليرة في ظل ارتفاع سعر صرف الدولار مقابل الليرة اللبنانية التي فقدت 90 في المئة من قيمتها إلى جانب ارتفاع أسعار الغذاء والوقود. 

يسكن أمير  مع أفراد أسرته الخمسة الذين يعتاشون من راتب أخيه الأصغر (17 سنة) الذي يبلغ مليونين ونصف المليون فقط، يحصل عليه من عمله في خدمة التوصيل “دليفري”. “مرات بيمر إيام ما بيكون في أكل بالبيت” يقول أمير، وهو يحاول العمل في مجالات غير ثابتة، أحياناً يعمل في توصيل الطلبات، و في السابق كان قد سجل على تطبيق “بولت” للعمل سائق أجرة على دراجة نارية يستخدمها في الدليفري والنقل، ولكن مع ارتفاع أسعار الوقود، أجبر على التخلي عن الفكرة”. “بلاقي شغل مرات بس برواتب كتير قليلة، شو بتعمل بين تكاليف المواصلات والأكل، منوصل لآخر الشهر علينا ديون منقبض بدنا نسد ديوننا وهيك، ما عم يبقى معنا فرنك، إذا مرضنا ما معنا نطبب حالنا وإذا فكرنا نضهر ننبسط ما عاد قادرين، يعني اذا بدي روح اشتغل بدي إدفع زيادة، فقعدت بالبيت بانتظار أول فرصة لفل من البلد”، يقول أمير.

يبحث اللبنانيون اليوم  عن فرص عمل خارج بقعة باتت مقبرة لطموحاتهم ومستقبلهم، فيسعى معظمهم للحصول على فرص عمل في الخارج تؤمن لهم الحد الأدنى للعيش الكريم. وتشير منظمة “اليونيسيف”، التابعة للأمم المتحدة في تقرير لها، إن 3 من بين كل 10 شبان وشابات في لبنان، توقفوا عن التعليم للبحث عن فرص عمل، فيما يشعر نحو 41 في المئة من الشباب، أن فرصتهم الوحيدة هي البحث عن فرص في الخارج ومنهم من دفعتهم الظروف القاسية إلى خيار الهجرة اللاشرعية التي تحفها المخاطر. ويعلق الخبير الاقتصادي محمود جباعي في حديث لــ”درج”، “أن اللبناني يبحث عن الهجرة لأن المدخول الذي يحصل عليه في لبنان لم يعد كافياً، لذلك يجب إيجاد حلول لمواجهة أزمة البطالة التي كان معدلها في ارتفاع أساساً قبل بداية الانهيار في 2018 قد وصل إلى 11.5 في المئة، وإلا فنحن أمام عواقب وخيمة قد تؤدي إلى زيادة الهجرة وتهديد السلم الأهلي وتفاقم نسب الفقر المدقع”.

يمر لبنان بأزمة اقتصادية صنفها البنك الدولي من بين أصعب ثلاث أزمات اقتصادية واجتماعية سُجلت في التاريخ الحديث منذ عام 1850، وبحسب تقرير للأمم المتحدة، يجد تسعة من كل عشرة أشخاص صعوبة في الحصول على دخل، إضافة إلى أن أكثر من ستة أشخاص من بين كل عشرة سيغادرون البلد لو استطاعوا إلى ذلك سبيلاً. 

وبسبب تدهور الوضع الاقتصادي الذي بدأ منذ خريف 2019 وانفجار مرفأ بيروت عام 2020، وعدم تحسن الوضع على المستوى السياسي في ما يتعلق بوضع حلول اقتصادية، تشهد البلاد ارتفاعاً كبيراً بمعدل البطالة. وذكر المسح الذي أجرته إدارة الإحصاء المركزي في لبنان ومنظمة العمل الدولية، أن معدل البطالة في لبنان ارتفع من 11.4 في المئة في فترة 2018-2019 إلى 29.6 في المئة في كانون الثاني/ يناير 2022، ما يشير إلى أن ما نحو ثلث القوى العاملة الناشطة كانت عاطلة من العمل في كانون الثاني/ 2022. دون الأخذ في الاعتبار  العمال الذين ينشطون بالأعمال غير النظامية  والتي وصلت إلى حوالى 55 في المئة بحسب  المرصد اللبناني لحقوق العمال والموظفين، وهي أعمال  ذات الأجور  المتدنية وساعات العمل الطويلة، دون الحصول على بدل نقل أو  ضمان أو معاشات تناسب الحد الأدنى للأجور وهذا أيضاً يعد شكلاً من أشكال البطالة غير المعترف فيها حتى الآن.

انتقلت زينة للسكن وحدها في بيروت قبل بداية الأزمة  للعمل مع إحدى الشركات في صناعة المحتوى، بعد أعوام من اختبار الحياة المستقلة يصعب عليها العودة إلى منزل العائلة بعدما خسرت عملها إثر إفلاس الشركة العاملة في لبنان بسبب سوء الوضع الاقتصادي. تحاول زينة العمل الحر لكن ذلك لا يكفيها لتغطية مصاريف السكن والطعام والمواصلات. “عم فتش عشغل براتب ثابت من سنة تقريباً ما عم لاقي او بلاقي بس الرواتب باللبناني، وكل شي فواتير عم ندفعها بالدولار كيف بدو يكفيني”. يصعب على النساء المستقلات العودة إلى منزل العائلة، بعدما ناضلن لسنوات للحصول على استقلاليتهن، لكن البطالة والوضع الاقتصادي المتردي أجبرا كثيرات على العودة للعيش تحت السلطة الأبوية من جديد.

“عم عيش كل يوم بيومه، ومرات ما بكون عارفة اذا رح آكل هاليوم. صار عليي كتير ديون، وهيداك الشهر اتدينت إيجار البيت بس ما قدرت أمنه وهو بس 100 دولار. الوضع مأساوي بس بفضل نام بالشارع وما ارجع عيش تحت سلطة أهلي”، تقول زينة.

 وفق نتائج مسح أجرته إدارة الإحصاء المركزي في لبنان ومنظمة العمل الدولية، كانت نسبة النساء العاطلات من العمل أكثر من الرجال، إذ بلغ معدل بطالة النساء 32.7 في المئة، مقارنة بمعدل الرجال 28.4 في المئة، في حين بلغ معدل الشباب 47.8 في المئة، وهو ضعف معدل البالغين 25.6 في المئة.

أحمد (55 سنة) هو أيضاً ممن أفقدتهم الأزمة عملهم الحر، وهو المعيل الوحيد لعائلته المؤلفة من 4 أفراد ,منذ أشهر وهو عاطل عن العمل , هو يجول في المناطق ويجمع الخردة والحديد ليبيعها لشركة تعنى بتجميع الحديد والألمنيوم والخردة لبيعها إلى الخارج، لكنه اضطر إلى بيع سيارته منذ شهرين بعدما تعطلت ولم يكن يملك مبلغاً  كافياً لتصليحها. “معتمدين على الله وعلى 300 دولار بيبعتلنا هني خيي من بلجيكا كل شهر”، مبلغ لا يكفي لدفع فواتير الكهرباء والمولد والانترنت إضافة إلى تأمين حاجات الأولاد الأولية، “يعني بهالشوب ما فينا نقعد بلا موتور وأكيد بلا انترنت ما فينا، لنتواصل مع بعض وكمان الأولاد بيحتاجوه ليدرسوا، صرنا نتدين لنكمل الشهر. يلي بيبتعن أخي ما بيكفونا بس ما في حل تاني”.  يحاول أحمد تدين مبلغ من أحد أصدقائه، أحياناً ينزل الى الشارع ومعه كيس يجمع فيه التنك وقطع الحديد التي يجدها على قارعة الطريق ويبيعها لصديقه، لتأمين وجبة الغداء.

الاقتصاد  الريعي الذي يقوم عليه لبنان والذي يعتمد على  الخدمات المالية والمصرفية والعقارية والخدمات السياحية، يعد سبباً رئيسياً وراء ارتفاع نسب  البطالة في البلاد، لعدم خلقه فرص كافية، كما في الدول المنتجة التي تهتم بالزراعة والصناعة والقطاعات الإنتاجية المحلية. في هذا الإطار، يرى مدير الإعلام والتواصل في “المرصد اللبناني لحقوق العمال والموظفين” أسعد سمور أن  تحركات 2019 هي تعبير عن انفجار اجتماعي  لأننا نفتفر إلى بديل سياسي واقتصادي يطرح حلولاً تنقذ البلد وتحدث تغييراً في النظام الاقتصادي وتحويله من بلد يُصدر أبناءه بعد تعليمهم إلى الخارج إلى بلاد قادر على الإنتاج وتقليل الاستيراد، ويبني صناعات تكنولوجية حديثة وإنتاج زراعي، “وهذا لن يحدث دون إحداث تغيير كامل في نظام البلد السياسي، لأن النظام الريعي والمالي والمضاربات العقارية ترتبط بالنظام السياسي الحالي”.

رفع مرسوم حديث الحد الأدنى للأجور من 675 ألف ليرة لبنانية إلى مليوني ليرة،  مع عدم احتساب أي زيادة أخرى على الشطور أي للذين يتقاضون أكثر من مليونين في الأساس. وبحسب  سمور  في السابق كانت تحدد زيادة على الشطور ولكن هذه المرة ضرب مبدأ الزيادة من قبل أصحاب العمل في الاجتماع و الاتحاد العمالي العام لم يبد أي اعتراض،  ويضيف سمور “إن عدم زيادة الأجور من قبل أصحاب العمل  غير مبرر لأن جميعنا يعلم أن  جميعهم يحصل على أرباحه بالدولار. وعلى تحسين الأجور أن يحمل بعداً اجتماعياً من ناحية التعليم والسكن والرعاية الصحية، وبدل النقل بما يتناسب مع الغلاء الاقتصادي”. كما يؤكد الخبير الاقتصادي محمود جباعي أن  الزيادات غير كافية ولم تحسن القيمة الشرائية أكثر من 10 في المئة، نظراً إلى ارتفاع الأسعار القياسي وارتفاع السلة الغذائية نحو 3250 في المئة، كما أن معدل التضخم تخطى 1000 في المئة، كمعدل وسطي، إضافة إلى ارتفاع أسعار الاتصالات والدولار الجمركي. فاللبناني يحتاج يومياً إلى نحو 400 ألف لتأمين حاجاته الاساسية”.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني