fbpx

وليد دماج… رحيل الروائي اليمني المُبعد من مدينته

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

بسيط حتى في مغادرته المباغتة، تلك المغادرة التي فجع بها الأديب اليمني وليد دماج رفاقه وقراءه.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

اكتظت وسائل التواصل بصوره، بعدما رحل بسكتة قلبية باغتته وهو في مدينة عدن بعيداً من منزله كمعظم الأدباء والكتاب اليمنيين، مذ اجتاح الحوثيون العاصمة صنعاء.

يعد وليد دماج أحد أبرز الروائيين اليمنيين الذين استطاعوا فرض مكانة لهم بين اليمنيين من خلال أربع روايات فازت إحداهن بجائزة، وترشحت أخرى للبوكر، وثالثة تعد إحدى عبقريات الأدب اليمني، وخامسة كان يكتبها حالياً ويبدو أننا سنفقد أثرها بعد رحيله قبل إنهائها، وكان ينوي أن يسميها “دار التلة”.

الروائي اليمني وليد دماج

يأتي وليد من أسرة تضم شخصيات ثقافية وأدبية كثيرة، بدءاً من الراحل الشاعر أحمد قاسم دماج والروائي الراحل البارز زيد مطيع دماج صاحب إحدى أيقونات الرواية اليمنية “الرهينة”، وانتهاء بجيل شاب يعمل في مجال الأدب والصحافة.

ظهر وليد دماج في الساحة الأدبية شاعراً، نشر نصوصاً في أواخر التسعينيات وبداية الألفية الجديدة، لكن اسمه برز حين تولى منصب المدير التنفيذي لمشروع “صنعاء عاصمة الثقافة العربية 2004″، وقد نجح في تنظيم فعاليات ثقافية وأدبية مهمة في اليمن.

ثم انتقل إلى الرواية برواية “ظلال الجفر”، التي حصدت جائزة دبي الثقافية للإبداع في دورة 2010-2011.

“ظلال الجفر” رواية متقنة السرد “لعوالم ظِلالية يتداخل فيها الخيال بالواقع بالسحر، في لغة رصينة جذابة يظهر مستواها من الصفحة الأولى للرواية… لغة فلسفية تطرح الكثير من الآراء والأفكار والأحداث، متمازجة مع حكايات شخصيات يقابلها البطل في أصقاع الأرض المختلفة” كما تقول الكاتبة سيرين حسن.

يعد وليد دماج أحد أبرز الروائيين اليمنيين الذين استطاعوا فرض مكانة لهم بين اليمنيين من خلال أربع روايات فازت إحداهن بجائزة، وترشحت أخرى للبوكر، وثالثة تعد إحدى عبقريات الأدب اليمني.

وفي قراءة منشورة للناقد عبدالرقيب الوصابي يقول “إن أحداث الرواية تكشف لنا الكثير عن الحياة والناس، وتجعلنا أجدر بمعرفة ذواتنا، وأقدر على مواجهة مشاكلنا كلما تسارع إيقاعها، كما تمنحنا الحكمة والإشراق كلما تباطئ إيقاعها، وهي سرد غرائبي عجائبي لعوالم ظِلالية يتداخل فيها الخيال بالواقع بالسحر بالمعرفة، بقصد معرفة السري والمتخفي في العالم الماورائي الذي ليس بالمقدور أن يتكشف إلا لشخصية رسمت ملامح حياتها بعناية فائقة، ووفق مسارات في غاية الدقة والإتقان، كل ذلك تمَّ توظيفه عبر لغة أنيقة مشرقة قادرة على الإفصاح والتعبير، إلى حد وصف أدق المواقف والانفعالات والعلاقات، بل والظواهر البشرية، والطبيعية”.

بعد خمسة أعوام أو أقل صدرت روايته الثانية “هُم”، والتي يقول عنها الصحافي والكاتب نبيل الأسيدي عضو مجلس نقابة الصحافيين إنها “ليست رواية فقط، بل هي فلسفة عميقة للجنون العاقل المتحاذق، ونقد ذكي لعوارضنا الاجتماعية وانفلاتنا السياسي”.. يضيف: “يكون الروائي بديعاً حينما يجعلك تعيش مع أبطاله وشخوصه كأنك شاهد عيان على تلك الحبكة والأحداث، وهذا مافعله معي هذا الروائي المجنون”.

بعد ذلك، كان وليد قد بلغ ذروة الجمال وذلك من خلال عمله الأكثر تألقاً، في رواية “وقَش”، التي صُنفت بأنها واحدة من أيقونات الأدب اليمني الذي ينير الزوايا المظلمة على أسوأ حقبة عرفها اليمن.

“وقش” هو اسم للمنطقة التي احتمى بها أصحاب الفكر المطرفي، وهي جماعة دينية معتزلة رفضت شرط الإمامة بالنسب إلى البيت الهاشمي، وقالوا إن الإمامة للأصلح وليس لصاحب نسب.

تتبع دماج مسار الصراع، ونقل جل المناظرات التي دارت بين المطرفية والرافضين لفكرهم، وهي مناظرات على أجمل صورة من صور الصراع قبل أن يتحول إلى إبادة جماعية للجماعة وكل منتسبيها في مجازر أبرزها مجزرة قاعة في منطقة عيال يزيد شمال صنعاء، والتي تبعها سبي واغتصاب للنساء، ثم الإبادة الثانية والأخيرة للجماعة في منطقة (وقش) القريبة من صنعاء غربا، وذلك على يد الإمام عبدالله بن الحمزة عام 1214، إلى أن اختفى ذكرهم إلى الأبد.

كنت قد ناقشتُ الروائي الراحل عن هذه الرواية في حوار سابق حيث قال: “حينما قرأت أواخر تسعينيات القرن المنصرم وبداية الألفية الثانية عن مأساة فرقة المطرفية إحدى أهم الفرق، وراعني الجهل بهذه المأساة حتى بين الكثير من المثقفين والمهتمين بالتاريخ بل وحتى الدارسين له، فبدأت أفتش عما كتب عنهم فلم أجد الا القليل القليل من الكتب التي ذكرتهم، أغلبها ذكرا عابرا، حتى عثرت على كتاب تيارات معتزلة اليمن في القرن الخامس الهجري للدكتور علي محمد زيد الذي أورد الكثير عنهم”.

وأضاف في سياق حديثه عن المطرفية: “تخيل معي، فرقة فكرية كالمطرفية يلوذون بهِجر علمية يتخصص كل شخص فيها للدارسة والبحث والتفكير والتأمل والتأليف والمناظرة ونشر المحبة والتدريس طوال حياته، لا يملك شيء وإن ملك أوقفها للهجرة، يعيش كبيرهم وصغيرهم حياة مساواة يزهدون فيها عن كل ما هو مادي، ولا تمييز لأحدهم إلا إن تميز بعلمه وعمله وتقواه، وسط محيط يتفشى فيه الجهل والتسلط والظلم والطمع والتمايز بالأنساب وبالأملاك وما يتسببه ذلك من حروب عبثية سواء بين القبائل وبعضها البعض بسبب الثارات، أو بتحشيدها لتكون وقيدا لكل طالب ملك وسلطان”.

لم يبع وليد أرضه، ووجد نفسه باحثاً عن أرض ليوارى فيها بعيداً من أهله وترابه، وستبقى أيقوناته الأربع شاهدة على إبداع فقدناه باكراً، إذ لم يتجاوز عمر الراحل التاسعة والأربعين.

من أبرز الصور البهيجة التي أبرزها الروائي في “وقش”، هو الدور الريادي للمرأة المطرفية، والتي كانت صاحبة علم وفكر وقيادة، إذ قال إن “ظهور الكثير من الشيخات المطرفيات اللواتي ذاع صيتهن، ومشاركتهن في مجلس شورى الهجر بالثلث من الأعضاء، فمن المؤكد أن للمرأة في حياة المطرفية حضوراً طاغياً، فالهِجر كانت مجتمعات مختلطة وقرى يعرف الجميع فيها الجميع رجالاً ونساء، والكثير من أعمال الهجرة كانت منوطة بالمرأة، فإذا أضفنا لها حقهن بالتعليم فحتماً سنصل إلى النتيجة ذاتها”.

ظل الروائي وليد دماج يبحث عن تكاليف لطباعة تلك الرواية، وصعب عليه الأمر، وتعسرت طباعتها أكثر من مرة، وطبعت في القاهرة عبر مؤسسة أروقة بأعداد محدودة، لكنه قال وفي حديث خاص عبر تطبيق “واتساب”: “سأبيع أرضاً كي أطبعها ويقرأها الناس في اليمن”، قاصداً هنا الأرض التي ورثها عن والده في الريف.

لم يبع وليد أرضه، ووجد نفسه باحثاً عن أرض ليوارى فيها بعيداً من أهله وترابه، وستبقى أيقوناته الأربع شاهدة على إبداع فقدناه باكراً، إذ لم يتجاوز عمر الراحل التاسعة والأربعين.

إقرأوا أيضاً: