قضية يتيمات خميس مشيط: وجه الإصلاحات السعودية بلا “مكياج”

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!
TelegramWhatsApp

لعلها المرة الأولى التي توثّق فيها الكاميرات اعتداءً صارخاً وواضحاً لـ”جيش” من الرجال على نساء تجرأن على الاعتراض.

مقاطع الفيديو التي تسربت قاسية ومؤلمة. 

الصور تظهر مجموعة من رجال الأمن إضافة إلى رجال مدنيين بالزي السعودي، بعضهم ملثم، يهاجمون فتيات متشحات بالسواد في دار التربية الإجتماعية الخاصة برعاية الأيتام في منطقة “خميس مشيط” في السعودية. مسلحين بالعصي والهراوات وأحزمة جلدية، انهال الرجال التابعون لأكثر من جهاز أمني سعودي على الفتيات بالضرب المبرّح في باحة الدار، بهدف فض اعتصام قامت به الفتيات للمطالبة بحقوق تحرمهن منها إدارة الدار.

تظهر الفيديوات الصادمة وجهاً آخر لمسيرة “الانفتاح” التي يواظب ولي العهد محمد بن سلمان على الترويج لها. وتكشف أن النساء ما زلن الحلقة الأضعف في السعودية، حيث تعطي المنظومة الدينية والأمنية الذكورية لنفسها الحق بتأديبهن عند أي خروج على الظلم اللاحق بهن.

لعلها المرة الأولى التي توثّق فيها الكاميرات اعتداءً صارخاً وواضحاً لـ”جيش” من الرجال على نساء تجرأن على الاعتراض. حتى حينما حاولت بعض الفتيات توثيق ما تتعرض له زميلاتهن من عنف غير مبرر بالعصي والهراوات، طاولهن الضرب والأذى وصودرت أجهزة الهاتف منهن، وتم مسح عدد من مقاطع الفيديو التي وثقتها الفتيات. لكن يبدو أن الأمن السعودي لم يتمكن من محو كل الفيديوات، إذ تسرّبت مقاطع فيديو، تشكّل على قسوتها، إثباتاً لا يقبل الشك، على وقوع العنف والتعذيب بحق اليتيمات الثائرات على أوضاعهن المزرية في دار الأيتام. 

عنف لفظي وجسدي

إدارة الدار هي من طلبت تدخل رجال الأمن بحسب نشطاء سعوديين على وسائل التواصل الإجتماعي، بعدما فشلت في فضّ الاعتصام وإقناع الفتيات بالرضوخ والعودة إلى غرفهن. وكما هي الحال مع اي قضية تتعلق بالنساء، حاول بعض النشطاء الموالين، إلقاء اللوم على الفتيات واتهامهن بإرتكاب أفعال مشينة لمحاولة تبرير الانتهاكات التي طالتهن، برغم أن ما أقدم عليه رجال الأمن، يخالف قانون نظام الإجراءات الجزائية  الذي تخضع له المملكة، حيث  ينص القانون على حظر إيذاء المقبوض عليه جسدياً أو معنويّاً، ويُحْظَر كذلك تعريضه للتعذيب أو المعاملة المهينة للكرامة”. وينص أيضاً على أن “للأشخاص ومساكنهم ومكاتبهم ومراكبهم حرمة تجب صيانتها. وحرمة الشخص تحمي جسده وملابسه وماله وما معه من أمتعة”. و”إذا لم يكن في المسكن المراد تفتيشه إلا المرأة المتهمة، وجب أن يكون مع القائمين بالتفتيش امرأة”. 

عندما تصدر هاشتاغ #ايتام_خميس_مشيط وسائل التواصل الإجتماعي، تصدى البعض له. ظهرت مقاطع فيديو لفتيات زعمن أنهن منتسبات لدور رعاية وأنهن يتلقين رعاية استثنائية ويعشن في رخاء، في رواية مضادة تحاول التعمية على ما تسرب. 

بدت الحملة بمثابة جهد منسق لمحاولة احتواء ما تسرب من مشاهد صادمة مع استخدام النظرية التقليدية عن عدم إعطاء الفرصة “لأعداء الوطن” بالإساءة إلى الحكومة السعودية. 

في المقابل برز دعم عبر وسائل التواصل الاجتماعي للتعنيف الذي مورس بحق فتيات دار الرعاية بوصفهن “يستحقن التأديب” وليكن عبرة لمن يفكر بالإعتراض أو الإعتصام السلمي!

إمارة منطقة عسير أصدرت بياناً أكدت فيه “تشكيل لجنة للوقوف على الحادثة والتحقيق مع كافة الأطراف وإحالة القضية لجهة الإختصاص”، إلا أن نشطاء يخشون أن تتعرض الفتيات لمضايقات ومخاطر بسبب كشفهن ما حصل وتوثيقه عبر فيديوات. 

بدا أيضاً من خلال النقاشات التي تلت الحادثة على مواقع التواصل الاجتماعي، أن الشكوك حول ممارسات إدارة الدار كانت ملحوظة قبل هذه الحادثة، ففي تعليق نُشر منذ شهرين على موقع الدار كتبت إحداهن: “هذا الدار يثير شكي، طلبنا منهم أن نقدم دورات من جهة حكومية ومقدمين الدورات دكاتره كل هذا لاجل بناتهم ان كانوا فعلا يشعرون انهم بناتهم و يهتمون لأجلهم، ظللنا نراجعهم أشهراً طويلة ولكننا قوبلنا بالمماطلة و المنع من زيارة الدار  بحجة أن لديهم من يقوم بالمهام، حتى اليوم لم يصلنا أي رد، هنالك تقصير كبير والحالة النفسية للفتيات صعبة للغاية… أين المسؤولين؟!”.

سجل أسود في الإنتهاكات

في تفاصيل القضية، يكشف الناشط الحقوقي ومدير ديوان لندن عبدالله الجريوي لـ”درج” أن “الخدمات وتعامل الموظفات مع الفتيات في غاية السوء ومنذ سنوات والفتيات يشتكين من ذلك، كان آخرها حين قامت المسؤولة بإخفاء جزء من مكافأة  مالية وأوراق رسمية تتعلق بنقل إحدى الفتيات، بهدف إبقائها في الدار والاستفادة من المكاسب المادية التي تحصل عليها من خلال الفتيات، فقامت مجموعة بالاعتصام والإضراب عن الطعام، تضامناً مع صديقتهن التي قامت بمداهمة مكتب المسؤولة وتمزيق الأوراق، وهو ما دفع المسؤولة إلى طلب التدخل العاجل من شرطة عسير”. 

هذه الحادثة ليست الأولى من نوعها، كما يؤكد الجريوي، بل سبق أن حدث أمر مشابه حين اعتصمت طالبات في جامعة الملك خالد  بسبب سوء الخدمات عام 2012 وقامت قوات الأمن بمداهمة الجامعة وضرب المحتجات لفض الاعتصام وتم اعتقال عدد من الطالبات. لكن هذه الحادثة لم توثق بالصوت والصورة كما حدث مع حادثة “خميس مشيط”، ويبدو أن هذا الأمر يحدث عادة عند مداهمة النشطاء والناشطات أثناء الإعتقال، وعام 2013  نفذت نساء محتشدات اعتصاماً برفقة أطفالهن الصغار في مدينة بريدة عاصمة منطقة القصيم، وحملن لافتات تطالب بإطلاق سراح أزواجهنّ وأبنائهنّ المعتقلين منذ سنوات بدون محاكمات من قِبل السلطات السعودية. وقلن إنهن تعرضن للضرب والشتم أثناء الاعتقال وفي أعقاب انتشار خبر اعتقال النساء، حينذاك، تظاهر مئات الرجال في العاصمة الرياض مطالبين بالافراج عن النساء، وحملوا لافتة كبيرة كتب عليها “النساء خط أحمر”. وحذرت وقتها منظمة “هيومن رايتس ووتش” ومنظمات أخرى من أن ظلماً واسع النطاق يمارس من قبل السلطات السعودية ضد المتظاهرين والنشطاء السياسيين، مشيرة إلى أن الاعتقالات تطاول الرجال والنساء لمجرد التعبير عن الرأي. وما يخرج للعلن ما هو سوى غيض من فيض، إذ شهدت مساحة حرية الرأي والتعبير في السعودية خلال السنوات الأخيرة تقلصاً كبيراً، خصوصاً عام 2021. 

وكانت السلطات السعودية قد أعلنت في شباط/ فبراير من العام 2021 أن إصلاحات العدالة، بما فيها أول قانون عقوبات مكتوب في البلاد لجرائم التعزير – جرائم بموجب الشريعة الإسلامية غير محددة كتابةً ولا تنطوي على عقوبات محددة مسبقا – سيتم إدخالها خلال العام المذكور، لكنها لم تنشر أي تفاصيل. 

سبق لـ”هيومن رايتس ووتش” أن انتقدت سابقاً القوانين الفضفاضة وغير الواضحة التي تعتمدها المملكة. وفي ظل عدم وجود قانون عقوبات مكتوب، يشرع بعض القضاة السعوديين في إثبات أن المتهم قد تورط في فعل معين، ثم يصنفون فعله بعد ذلك كجريمة، بدلاً من إثبات أن المتهم ارتكب جريمة محددة ينص عليها القانون. أحكام المحاكم السابقة لا تُلزم القضاة السعوديين، وليس هناك ما يشير إلى أن القضاة يسعون إلى توحيد الإدانة أو تحديد الأحكام على الجرائم المماثلة. 

تشمل القوانين الحالية، بما فيها “نظام مكافحة جرائم الإرهاب” سيئ الصيت و”نظام مكافحة جرائم المعلوماتية”، أحكاماً غامضة وفضفاضة للغاية تم تفسيرها وإساءة استخدامها على نطاق واسع، لتشتيت الحقيقة وتأجيل العدالة.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني