fbpx

في موت المُلحّن  وخلود المُغنّيـ/ـة

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

يتحرر الفنان المُلحن من غياهب النسيان فقط عندما يموت، وتختفي المسافة بينه وبين الجمهور. وعندها فقط يُكشف عن إرثه الفني المعروف وغير المعروف، ليستوي تحت دائرة النقد والبحث.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

يحدث في الأيام الأولى بعد رحيل موسيقي عمِل في مجال التلحين ان نكتشف، انّه منْ لحّن هذه الاغنية او تلك من الأغاني المشهورة والمعروفة. نتفاجأ بما اكتشفناه، ونسائل أنفسنا حول سبب هذه المعرفة المتأخرة، ثم نأسف لظُلمنا له، مرةً اولى، بسبب جهلنا به كمؤلف مُلحن يملك رصيداً من الألحان الجيدة، ومرة ثانية بسبب لأننا ننسب أغانيه وألحانه إلى شخص المؤدي-المُغنّي/ة.

وفي معرض هذا الاكتشاف المتأخر تبرز أسئلة كثيرة تدور حول علاقة  جمهور المستمعين بالاغنية، وحول علاقة المُلحن بالمُغنّي. وأيهما دوره أهمّ في عملية صناعة الأغنية وانتشارها؟ وأسئلة اُخرى حول الأسباب التي تجعل  جمهور المستمعين يحصر اهتمامه فقط بالمُغنّي/ة الى درجة تحويله الى أيقونة، في الوقت الذي يُغيَّب مؤلف الاغنية مُلحّنا كان ام شاعراً.         

في رحيل المُلحّن المنْسيّ وتحرر ابداعه من سطوة المُغنّي الايقونة دليل إضافي على انّ التجدد في الحياة لا يكتمل إلا بالموت. فيما يعْلق المُغنّي/الإله في خلوده بعد موته داخل ايقونته  مستمراً في حركة دائرية مغلقة تكرر نفسها آلاف المرات الى ان تمحوه ذاكرات قادمة، ويتوارى خلف الزمن من دون أثر.

أيهما أهم؛ المُلحّن أم المُغنّي؟

قد يبدو هذا السؤال للكثيرين مُستغرب، وليس في محله على الإطلاق، ولا يُشكّل مُنطلقاً لأي نقاش. ذلك لأن أكثرية الجمهور تنظر إلى المُغني/ة كمحور أساس ووحيد لكل ما يحيط بالأغنية من صناعة، فتنسبها إليه/إليها وتُعيد الفضل إليه في نجاح الاغنية وانتشارها. أمّا جواب البعض الآخر فيُعطي المُلحن الدور الأهم والاساس الذي تنطلق  منه مبدئياً مجمل العملية الإبداعية التي من دونها لا وجود للمُغنّين أصلاً.

إلا أن ثمة رأي ثالث ينسب الفضل في نجاح الاغنية وانتشارها، الى دائرة متكاملة من المهام تبدأ من التأليف (الملحن والشاعر) وتمر في الأداء (عازفون ومغنّون) وتنتهي في التسويق والإنتاج.

ويعتبر هؤلاء انّ من الطبيعي أن يكون دور المُغني أساسياً في إنجاح الأغنية وإطلاق شهرتها، إنطلاقاً من قدراته الأدائية الصوتية والنفسية في الإيحاء والتأويل، إلا انّ هذا الدور يأتي بالدرجة الثانية بعد المُلحّن. فمهما كانت قدرات المؤدي-المُغني عظيمة لن يستطيع أن يفعل شيئاً يُذكر في أداء أغنية ضعيفة التركيب لحناً وكلاماً. لنفترض مثلاً انّ المغنية نهاد حدّاد(فيروز) قررت يوماً ولسبب مجهول أن تؤدي أغنية “بوس الواوا” التي اشتهرت بها هيفا وهبي. وفي نفس الوقت قررت هيفا  أن تؤدي اغنية من لحن فيلمون وهبي “من عز النوم”. النتيجة ستكون، وبلا ادنى شك، كارثية على المُغنيتين كما على الاغنيتين سواء بسواء.                 

يظل السؤال مطروحاً انطلاقاً من طغيان واقع فعليّ يضع المُغنّي في مرتبة أعلى وأهم شأناً من المُلحّن. وهو واقع يشكّل ظاهرة عالمية، قد يتقلص تأثيرها في بلدان تحمي القوانين فيها الملكية الفكرية والفنية وتُطبقها بصرامة، في حين تتسع في بلدان لا وجود لمثل تلك الحماية أو يكون تطبيقها مجرد إجراءات شكلية لا يُزيل اللبس ولا يُعطي كل جهة حقّها. 

قد يكمن تفسير تلك الظاهرة في كشف العلاقة المباشرة للجمهور بالاغنية وما تتضمن من رموز متنوعة سواء كانت عاطفية رومانسية ام مشاعر قومية ملحمية أو بطولات وطنية. ينسج الجمهور علاقات مُعقدة مع هذه الرموز من خلال المُغنّي/ة ويُقيم معها ولها طقوساً خاصة.

في واقع هذا المشهد الطقوسي يضطر المُلحّن على التراجع الى كواليس المسرح او الى بيته حيث ينكب على تأليف ألحانه. في حين يتقدم المُغني إلى الصف الأمامي على خشبة المسرح ليواجه جمهور المستمعين وجها لوجه. 

في المسافة الفاصلة بين الجمهور من جهة وبين المُلحن والمُغني من جهة اُخرى، يكون المُلحّن بعيداً وغير مرئي للجمهور، على عكس المُغني الذي لا يكون فقط مرئياً وعلى تفاعل مباشر معه، بل وحتى انه يصير متماهياً في الاغنية، لحناً وكلاماً، إذا توفَرت لديه قدرة مميزة على الأداء والمحاكاة، مُقلصاً بذلك المسافة بينه وبينهم وموحياً لهم بأنه هو والاغنية واحد لا ينفصلان.        

 تُشبه المسافة بين حال المُغنّي المتقدم إلى الواجهة وبين المُلحّن المتراجع إلى خلفية غير مرئية، كالمسافة بين المُبشّر بالدين وبين الإله (الخالق).

قد تصغر المسافة لتختفي كلما كان أداء المُبشّر فذاً ومُقنعاً لجمهور المؤمنين ليُصبح التماهي بالإله تاماً وكاملاً، مُصيِّراً نفسه في وعيهم إلهاً مقدساً ومعصوماً.

إقرأوا أيضاً:

المُغنّيـ/ـة- الأيقونة

ظاهرة المُغنّيـ/ـة الإله او الأيقونة الخالدة التي يُحرَّم المس بها، عادة ما تتفشى في المجتمعات التي مازالت تعيش في مرحلة ما قبل تشكّل الدولة الحديثة والقائمة على قاعدة فصل الدين عن الدولة، وحرية التعبير في السياسة والفن.

يتعاظم دور المُغنّيـ/ـة الإله في مجتمعات قبليّة مزّقتها الحروب والنزاعات على أنواعها، وحيث لا يوجد فصل واضح بين مفهوميّ الجميل والمُقدس. في مثل تلك المجتمعات تكون الحاجة ضرورية للمُغنّيـ/ـة الايقونة، تماماً كما الحاجة للمُبشر/الإله، أو للزعيم المُفدّى بالروح والدم، أو القائد الذي لا يُخطئ، وإن أخطأ فلا يُنتقد ولا يُحاسَب.

في تحول المُغنّي الى رمز وأيقونة يكتسب مناعة وعِصمة، فلا يُنتقد لسوء أدائه، أو لضعفٍ أصاب تقنيات صوته او لوقوع غناءه في النشاز. لا يُنتقد المُغنّي/ة الإله على أي شيء حتى في مواقفه في السياسة والشأن العام. أمّا الجمهور المُبجِّل لهذا النوع من المُغنين فهو جمهور غفور لا يحاسب، وحالم نسّاء، ورومنطيقي يعيش حنيناً منقطع النظير في انتظار عودة “الزمن الجميل”… لا يكتفي معظم هذا الجمهور بعدم الاكتراث بالمُلحّن ونسيانه، بل ويعمل جاهداً على تجهيله ونفيه من الوجود عبر نسب الاغنية للمُغنّي/ة. في هذا النفي ظلم كبير للمُلحّن.

في معظم الحالات، يتحرر الفنان المُلحن من غياهب النسيان فقط عندما يموت، وتختفي المسافة بينه وبين الجمهور. وعندها فقط يُكشف عن إرثه الفني المعروف وغير المعروف، ليستوي تحت دائرة النقد والبحث. وقد ينطوي البحث على احتمالات التجدد في جذوة الإبداع للمؤلفين الجدد القادمين بعده. 

في رحيل المُلحّن المنْسيّ وتحرر ابداعه من سطوة المُغنّي الايقونة دليل إضافي على انّ التجدد في الحياة لا يكتمل إلا بالموت. فيما يعْلق المُغنّي/الإله في خلوده بعد موته داخل ايقونته  مستمراً في حركة دائرية مغلقة تكرر نفسها آلاف المرات الى ان تمحوه ذاكرات قادمة، ويتوارى خلف الزمن من دون أثر.

إقرأوا أيضاً: