غزة: عودة الإعدامات من دون توقيع الرئيس!

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!
TelegramWhatsApp

في فلسطين يثار الجدل بشأن جميع القضايا الوطنية والمجتمعية، باستثناء قضايا محدودة، وفي مقدمتها تنفيذ أحكام الإعدام، فهي محل إجماع وطني عام.

قبل أيام وصلتني رسالة نصية عبر الهاتف النقال من وزارة الداخلية في حكومة غزة: “استناداً إلى نصوص القانون الفلسطيني وإحقاقاً للحق، وتحقيقاً للردع العام بما يحقق الأمن المجتمعي، نفذت وزارة الداخلية صباح اليوم، حكم الإعدام بحق 5 مدانين: 2 بتهمة التخابر مع الاحتلال، 3 بأحكام قتل في قضايا جنائية. وذلك بعد استنفاذ درجات التقاضي كافة”. ونفّذت الأحكام في مجمع أنصار الأمني غرب مدينة غزة، عند الخامسة فجراً تقريباً.

بذلك ترتفع أحكام الإعدام التي نفذت منذ تأسيس السلطة الفلسطينية عام 1994 إلى 46 حكماً بالإعدام، منها 44 حكماً في قطاع غزة، وحكمان في الضفة الغربية. ومن بين الأحكام المنفذة في قطاع غزة، 33 حكماً منذ الانقسام عام 2007، دون مصادقة الرئيس الفلسطيني خلافاً للقانون.

العام الحالي شهد ارتفاعاً في إصدار أحكام الإعدام في قطاع غزة، إذ بلغت أحكام الإعدام حتى الآن 17 حكماً جديداً، منها 3 أحكام صادرة عن محاكم عسكرية، و5 أحكام صدرت تشديداً لأحكام سابقة من محكمة الاستئناف، وجميعها في قطاع غزة.  

تبلغ أحكام الإعدام الصادرة في مناطق السلطة الفلسطينية منذ إنشائها 270 حكماً(لم ينفذ منها سوى 46)، منها 240 حكماً في قطاع غزة، و30 حكماً في الضفة الغربية. ومن بين الأحكام الصادرة في قطاع غزة، صدر 181 حكماً منذ الانقسام الفلسطيني عام 2007.

في حين أن عدد من يواجهون تنفيذ عقوبة الإعدام في قطاع غزة تصل إلى نحو 20 شخصاً.

وكانت منظمات حقوق الإنسان قد عبرت عن ارتياحها من وقف تنفيذ أحكام الإعدام في القطاع، والالتزام بالقانون الفلسطيني. ولم نشهد تنفيذ أحكام إعدام منذ عام 2017، عندما نفذت الحكومة 6 إعدامات، 3 منها في 6 نيسان/ أبريل، بينما نفذت 3 أخرى في 23 أيار/ مايو.

وبحسب نشطاء حقوقيين، فإن المسؤولين في حركة “حماس” تعهدوا حينها بالالتزام بعدم تنفيذ أحكام إعدام إضافية، مع الامتناع عن تنفيذ أي حكم إعدام مستقبلاً. وأكدت منظمات حقوقية محلية ودولية رفضها استمرار العمل بعقوبة الإعدام كونها عقوبة قاسية وسالبة للحياة، ومخالفة لالتزامات دولة فلسطين التي وقعت على جملة من المواثيق الدولية التي تناهض عقوبة الإعدام وتعمل على إلغائها من القوانين الفلسطينية.

لكن حركة حماس نكست بعهودها، وتجاهلت حكومة غزة كل التحذيرات التي أطلقها ناشطون ومنظمات ونفذت أحكام الإعدام.

وفق منظمات حقوقية فلسطينية، فإن تنفيذ الإعدام وما سبقه من محاكمات قد شابها الكثير من المخالفات التي مست بشكل جوهري حق الدفاع ومعايير المحاكمة العادلة والحق في التقاضي أمام القاضي الطبيعي، والضمانات التي فرضها القانون الأساسي الفلسطيني.

 وأيضاً، صدرت بعض أحكام الإعدام عن محاكم عسكرية بحق مدنيين، وهو ما يُعد إخلالاً بحق المواطنين في عرضهم على قاض مدني، خلافاً لأحكام القانون الأساسي الفلسطيني. 

كما أن بعض من تم تنفيذ حكم الإعدام بحقهم يوم الأحد 4 أيلول/ سبتمبر 2022، سبق أن قدّموا إفادات وشكاوى لمؤسسات حقوق الإنسان تفيد بتعرضهم للتعذيب أثناء فترة التحقيق والاستجواب. 

واعترضوا على سرعة تنفيذ الأحكام، كما أن الإطار الزمني الخاص بإصدار الحكم على بعض المدانين كان وجيزاً، ما يشير إلى شبهة عدم احترام ضمانات المحاكمة العادلة. 

لم تخضع الأحكام السابقة لمصادقة رئيس دولة فلسطين وفق أحكام القانون الأساسي الفلسطيني. ومن غير الواضح ما هي المعايير التي تم الاستناد إليها في تنفيذ أحكام الإعدام على هؤلاء الأشخاص الخمسة.

بدأت قصة تنفيذ عقوبة الإعدام الجديدة، عندما قُتل رجل وطفلته، في منتصف تموز/ يوليو الماضي، في شجار عائلي وقع في بلدة جباليا شمال قطاع غزة، باستخدام الأسلحة النارية، وإصابة 8 أشخاص آخرين بجروح. وكان المشتبه بارتكابه جريمة القتل هو زوج ابنة القتيل (هو أحد الأشخاص الذي نفذ به حكم الإعدام)، وذلك على إثر خلاف عائلي، إذ أطلق نحو 30 رصاصة، ما أدى لمقتل صهره (والد زوجته) وطفلته. 

في حينه أثارت الجريمة غضب الشارع في قطاع غزة، وتحولت إلى قضية رأي عام، وتمت المطالبة بسرعة المحاكمة والقصاص بتنفيذ عقوبة الإعدام.

في فلسطين يثار الجدل بشأن جميع القضايا الوطنية والمجتمعية، باستثناء قضايا محدودة، وفي مقدمتها تنفيذ أحكام الإعدام، فهي محل إجماع وطني عام، ويتم تهيئة الرأي العام من قبل المسؤولين في حكومة غزة وحركة حماس، وجميع الفصائل الفلسطينية والمخاتير ورجال الإصلاح، حتى حركة “فتح” ألد خصوم حركة “حماس”، تؤيد تنفيذ أحكام الإعدام.

ما يدل على استسهال الحلول، وكأن جريمة القتل في جباليا حركت مياه راكدة، ونبهت حركة حماس إلى تنفيذ أحكام الإعدام.

ويتم تحشيد الشارع من ذوي ضحايا الجرائم، للمطالبة بتنفيذ حكم الإعدام، ويتبارز الخطباء بفصاحة اللغة، مستشهدين بالآيات القرآنية التي تتحدث عن القصاص، فيما يردّد آخرون أن تنفيذ عقوبة الإعدام “يساهم في ترسيخ السلم الأهلي والمجتمعي”. وينضم مشايخ وأعضاء في المجلس التشريعي الذي تم حلّه، للمطالبة بتنفيذ حكم الإعدام.

 ولم نسمع أياً منهم يطالب بالقصاص والثأر من الفقر والبطالة، وفرض الضرائب والرسوم، وارتفاع الأسعار، وتراجع منظومة القيم وقلة الحيلة.

الجميع ينبري في تحريض حكومة غزة، واستعجال التحقيق والمحاكمات وإصدار أحكام الإعدام، التي تستفيد منها حكومة حماس، عبر تحقيق مكاسب سياسية داخلية، وكسب تأييد الشارع الفلسطيني في غزة. وقد لا يكون ذلك من باب الحرص على القانون والاقتصاص من المتهمين، بل كمحاولة لردع الشارع وتخويفه وترميم ما يمكن ترميمه، مقابل عجز السلطة عن توفير الحد الادنى من العيش الكريم للمواطنين، والأمن والأمان، مع ما يرافق ذلك من خطاب كراهية، وتحريض على منظمات حقوق الإنسان، وكل من يعارض تنفيذ العقوبة-“المجزرة”، في غياب الضمانات القانونية لحمايتهم من التنمر والخشية من التعرض لحياتهم، وشنت حملة لا تزال مستمرة من مسؤولين وسياسيين وصحافيين ونشطاء ضد المعترضين على عقوبة الإعدام، واستخدمت فيها أشنع الألفاظ واتهامات الخيانة. 

 خلال السنوات الماضية من عمر السلطة الفلسطينية، تم تنفيذ عقوبة الإعدام تحت ضغط عائلات الضحايا، والتاريخ يعيد نفسه بشكل أسوأ، وكان لقوة بعض العائلات وحجمها في المجتمع تأثير كبير في استجابة السلطة لضغوطها. 

ما أقدمت عليه حكومة “حماس”، أي تنفيذ عقوبة الإعدام هو تجسيد لما يعرف بعدالة الشارع، ولم تتوقف الجريمة وهي ومستمرة حتى الآن، وقد رافقت البشرية منذ الأزل.

الجريمة أياً كانت مبرراتها تبقى مدانة، ويجب عدم التهاون في محاسبة مقترفيها، كما أن البحث في أسباب وقوعها واجب وطني وقانوني، وأخلاقي، على ألا تكون الحلول على حساب العدالة الناجزة.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني