fbpx

كاميرات لمراقبة حجاب الإيرانيات في الأماكن العامة: ظل الولي الفقيه يتعقّب النساء

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

الممارسات التأديبية والعدوانية تستهدف صرف الأنظار عن حركة المعارضة التي تتسع يومياً، وتكسب أرضاً جديدة، بينما تشكل تهديدات جمّة على استقرار النظام وفرص الإطاحة به.

تسجل مراكز قياس اتجاهات الرأي العام، الرسمية والحقوقية، في إيران، معارضة شديدة ومستمرة بخصوص فرض الحجاب القسري على النساء، بنسب تفوق 50 في المئة. لكن النظام، في الفترة الأخيرة، يبدو رغبة في تطبيق قيود عنيفة على المسألة من خلال التشريعات وترسانة القوانين.

قبل عامين، كشف استطلاع رأي عن رفض قرابة 70 في المئة من النساء الإيرانيات القوانين التي تفرض الحجاب القسري، وفق وكالة أنباء “فارس” الإيرانية. بينما لم تختلف هذه النسبة كثيراً عما توصل إليه مركز الدراسات الاستراتيجية التابع للرئاسة الإيرانية، عام 2018. وقد ذكر أن 80 في المئة من الإيرانيين (من رجال ونساء) ضد إلزامية الحجاب.

وبالتزامن مع الحراك النسوي الذي حقق انعطافة مؤثرة، في الآونة الأخيرة، من خلال فضح انتهاكات دوريات شرطة الأخلاق التي تتعقب النساء، باغت النظام الإيراني الجميع بمخططاته الجديدة المتشددة بحق النساء، وتطوير تقنيات مراقبتهن، لتطبيق آلياته العقابية على المخالفات.

فقد كشف سكرتير “هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” في إيران، محمد صالح هاشمي كلبايكاني، عن مرسوم قانون جديد وافق عليه الرئيس الإيراني، إبراهيم رئيسي، يتعلق بملابس النساء. 

وقال كلبايكاني في لقاء مع منصة “خبر فوري” الإيرانية: “إذا ما صدرت عن شخص في الأماكن العامة، مثل المترو والباص، تصرفات غير مألوفة وغير متزنة، فالكاميرات تصور ذلك. وتتم مطابقة الصورة مع بطاقة الهوية الشخصية (تلقائياً) وسترسل غرامات إلى بيته”. 

ولم يحدد كلبايكاني حجم الغرامات المقررة والتي وصفها بـ”المؤثرة”. غير أنّه أكد أنّ “التقنيات الحديثة الآن يمكنها التعرف إلى هوية من لا يلتزم بالحجاب في الأماكن العامة”. وتابع: “لم نعلن عن أرقام المبالغ بشكل مؤكد، ولكن بالتأكيد لن يكون المبلغ قليلاً. وهي نحو مليونَي تومان”، أي ما يعادل 66 دولاراً أميركياً.

وبينما ذكر سكرتير “هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” في إيران، أنّ هناك تعقيدات جمّة تحول دون تطبيق القوانين التي تصنف “الحجاب السيئ”، باعتباره “جريمة”، فإنّه شدد على ضرورة تفادي ذلك عبر فرض غرامات هائلة لضبط التجاوزات المتعلقة بالحجاب. 

وقال: “المادة 638 من قوانين البلاد تنص على معاقبة كلّ من لا تلتزم ‏بارتداء الحجاب الإسلامي بالحبس والجلد، مسلمةً كانت أم غير مسلمة، ولكنّ هذا ‏القانون غير قابل للتنفيذ عملياً. فبعد دراسته من جديد توصلت الهيئة إلى تحويل الجريمة إلى مخالفة تُسدّ عبر غرامة مالية”.

وتابع: “يبدو أنّنا قد خفّفنا الجريمة إلى مخالفة، وهذا سيكون ‏مجدياً ومؤثراً وقابلاً للتطبيق. وهناك طرق كثيرة لتنفيذها، منها أنّ اللواتي لا يتلزمن بالحجاب الإسلامي في الساحات أو النقل العام، سوف تقوم الكاميرات بتصويرهن وتغريمهن”.

كلبايكاني يشرح مقاربته الجديدة، يقول: “لنفترض في محطات المترو، مثلاً، إن انتهكت النساء قانون الحجاب، فعبر تقنية التعرف إلى الوجه، ومن خلال الكاميرات التي هناك، يمكن تطبيق الصور مع بطاقات الهوية. ومن ثم، يتم بعث رسالة الغرامة لهن. وهذا ما تسمح به التكنولوجيا اليوم”.

خصص نظام الولي الفقيه قرابة 27 جهة حكومية رسمية إلى جانب مؤسساته القضائية والأمنية والعسكرية، للإشراف على عملية فرض الحجاب الإلزامي على النساء، كما توضح الناشطة الإيرانية وعضو لجنة المرأة‌ في المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، فريدة كريمي.
وتقول كرامي لـ”درج”: “قمع النساء من الأدوات الرئيسية للفاشية الدينية الحاكمة في إيران. وذلك بهدف إسكات المجتمع وضبط أو بالأحرى تأديب أفراده. وهذه الممارسات التأديبية والعدوانية تستهدف صرف الأنظار عن حركة المعارضة التي تتسع يومياً، وتكسب أرضاً جديدة، بينما تشكل تهديدات جمّة على استقرار النظام وفرص الإطاحة به”. 
وبرغم أنّ الحجاب كأي من المظاهر التي تعتبر حوامل أيديولوجية، وتعبر عن هوية “الولي الفقيه” السياسية والأيدولوجية، إلا أنّ ذلك يفرض جملة أعباء أمنية على النظام الحاكم، تقول كريمي.

وأردفت: “كان الحجاب الإجباري من أوائل قرارات الخميني التي صدرت في غضون أيام قليلة، فقط، من انتصار الثورة المناهضة للشاه تحت شعار، إما الحجاب، أو الضرب على الرأس. وهذا القانون موجود منذ 40 عاماً تقريباً من حكم الملالي”.

وترى عضوة المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، أنّه مع ارتفاع وتيرة الاحتجاجات الفئوية في إيران، فإنّ النظام لا يجد أمامه سوى المقاربة الأمنية، ويتجه إلى التوحش من خلال الضغط على الفئات الضعيفة، منها المرأة والأقليات. وبدرجة ارتفاع أرقام المعتقلين والمخفيين قسراً، تزداد موجة الاعتداءات بحق النساء بذريعة فرض الحجاب الإجباري.

وتوضح كريمي أنّه “في صيف 2022، عندما عانى المواطنون من الأزمات الاقتصادية المتفاقمة، وبخاصة في ظل درجات الحرارة المرتفعة التي فاقمها الجفاف في مناطق كثيرة، تمّ خلق المزيد من المبررات الهشّة لرفع المسؤولية عن الحكومة، بينما حاولت المؤسسات الراديكالية تعبئة المواطنين بالقضايا المؤدلجة، مثل الحجاب الذي يعتبر الرئيس الإيراني أنه يواجه حملة من “أعداء إيران والإسلام”.

وفي الاجتماع الأخير للمجلس الأعلى للثورة الثقافية، قال رئيسي: “الترويج للفساد في المجتمع الإسلامي والثوري هو عمل منظم ومخطط. ويتم تنفيذه باستثمارات كبيرة من دول الاستكبار”. 

وتابع: “استهدف أعداء إيران والإسلام المقاومة الثقافية والقيم والأسس الدينية للمجتمع من خلال الترويج للفساد عبر استخدام شبكات فضائية وافتراضية واسعة ومتعددة”.

وفضلاً عن إصدار قانون قديم جديد “للعفة والحجاب”، خلال الشهرين الماضيين، شرع النظام في تحريض أجهزته والمسؤولين وأصحاب المؤسسات المختلفة على “التحرش بالنساء” واستخدام العنف ضدهن تحت مسمى الحجاب الإجباري، وفق كريمي. 

وفي المقابل، يوفر خطباء وأئمة صلاة الجمعة وممثلو المرشد الإيراني، علي خامنئي، الحماية للمسؤولين الذين يتورطون في مثل هذه الخروقات الحقوقية. وقد طالب رجال الدين المتشددون بضرورة اتخاذ إجراءات أكثر صرامة ضد المرأة. 

أحمد خاتمي، إمام الجمعة في طهران، سبق أن وصف النساء الإيرانيات اللواتي يرفضن الحجاب القسري بـ”اللصوص”. وقال قائد قوة الشرطة، حسين أشتري، إنّ قواته تقوم بتوقيف ما لا يقل عن ألفي امرأة إيرانية كل يوم في مختلف المدن الإيرانية على خلفية عدم التزامهن الحجاب الإجباري. 

كما يضع رئيسي قضية الحجاب وزي النساء في قمة أولوياته. فقام بإحياء “استراتيجيات تنمية ثقافة العفة”، والتي تعود إلى عام 2004 في فترة حكومة محمود أحمدي نجاد. 

ويصطف رئيسي مع الخط الولائي ومواقف رجال الدين. إذ قال رسول فلاحتي، ممثل المرشد الإيراني في محافظة جيلان شمال غرب إيران نهاية حزيران (يونيو) الماضي إنّ “الناس المؤمنين والثوريين قد سئموا من عدم مراعاة الحجاب، وكل يوم نلاحظ فتيات يقمن بخلع غطاء الرأس علناً. وتابع: “وفق قوانين البلاد فإنه يُمنع حضور النساء غير المحجبات في الدوائر الحكومية”.

 وفي الأسبوع الأول من الشهر الحالي أيلول (سبتمبر)، نقلت وكالة أنباء “فارس” الإيرانية عن الناطق بلسم هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بإيران، علي خان محمدي، بأنّه قد تمّ توقيف أكثر من 300 شخص ينشطون ضد ارتداء الحجاب. 

اللافت أنّ نادي “المراسلين الشباب” التابع للتلفزيون الإيراني، نقل نفياً على لسان مسؤول إيراني، لم يحدد هويته، بخصوص كاميرات المراقبة في الأماكن العامة، وأنّها لن تكون مزودة بتقنية تحدد هوية الأشخاص بصورة تلقائية. 

وتابع: “الكاميرات داخل القطارات تسجل الصور لكنّها غير قادرة على تحليلها. والحل الوحيد هو تكبير الصورة على وجوه الأشخاص”.

ولطالما بعثت قضية إلزامية الحجاب بردود فعل متفاوتة في الأوساط الرسمية، وتحديداً بين جناحي النظام، الإصلاحي والراديكالي، فضلاً عن الجهات الحقوقية. وعدّ نائب رئيس اللجنة القضائية البرلمانية الإيرانية، حسن نوروزي، تصريحات كلبايكاني بمثابة “تأويل شخصي”. وقال إنّه “ما من مسوغ قانوني لتصريحات كلبايكاني، وأنّها تأويل شخصي غير قابل للتنفيذ”. 

كما سجل النائب في البرلمان الإيراني، غلام رضا نوري، معارضته لتصريحات كلبايكاني. وقال النائب البرلماني إنّ لجنة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر “غير مخولة قانونياً بهذا المجال”. وواصل انتقاداته، وقال: “أحياناً يشك المرء في إن كان هذا القرار في الحقيقة من باب خدمة الإسلام وسعادة الناس في الدنيا والآخرة، أم أنه ناجم عن أفكار منحرفة تسللت من مكان ما”.

ووفق المحلل السياسي والمعارض الإيراني، على رضا اسدزاده، فإنّ إجبار النساء على ارتداء الحجاب يأخذ منحى أكثر راديكالية في عهد رئيسي، والذي ينتقل بالحكم في إيران إلى أقصى درجات التشدد السياسي والديني، موضحاً لـ”درج” أنّ اللحظة الراهنة تبدو مهمة وحساسة بالنسبة إلى الجمهورية الإسلامية، على أكثر من مستوى، وهي تتجه بمؤسساتها كافة إلى الكتل الصلبة ويختفي أيّ وجه إصلاحي.

ويرى رضا اسدزاده أنّ قضية الحجاب، التي رافقت نظام الولي الفقيه، على مدار أربعة عقود، تحولت من كونها قضية ثقافية أو سياسية أيديولوجية إلى مسألة أمنية بامتياز. وهذا يتزامن مع عسكرة النظام الذي يتحول بكليته إلى الحرس الثوري ويتفرع بين مؤسساته.

 وبرغم أنّ أول قرار للإمام الخميني هو تعميم الحجاب على النساء في إيران، إلا أنّه عارض محاولات فرضه بالقوة، وأدان الاعتداء على المخالفات للزي الشرعي بحسب ما تقره الأدبيات الفقهية والدينية. وقال الخميني في لقاء مع طلاب قم: “النساء المسلمات يجب أن يخرجن بالحجاب الإسلامي.. لا تزال المرأة تعمل في المكاتب بالوضع السابق.. يجب على النساء تغيير أوضاعهن الخاصة.. لقد جرى إبلاغي بأنّ النساء في وزاراتنا عاريات، وهذا مخالف للقانون… بإمكان المرأة المشاركة في العمل الاجتماعي، ولكن مع الحجاب الإسلامي”.

وأدان الخميني الاعتداءات بحق النساء في الشوارع، قال: “لا يملك أحد حق التعرض لهؤلاء النساء، وهذا النوع من التدخل حرام على المسلمين، ويجب على قوات الأمن واللجان (الثورية) أن تقف في وجه هذه التيارات”.

لكن اسدزاده يرى أنّ موقف الخميني يعكس ثنائية الخطاب البراغماتي الذي امتاز به النظام، أحياناً، لافتاً إلى أنّه عام 1983 تم إصدار أول قانون يتعلق بزي المرأة، وتضمنت إحدى مواده جملة عقوبات منها: “تجازى النساء اللواتي يظهرن في المعابر والأماكن العامة بدون حجاب شرعي بالتعزير، ويحكم عليهن بـ74 جلدة”.

إقرأوا أيضاً: