fbpx

بعد 47 عاماً على مجابهتها عبدالناصر ثم انتحارها: 
عن جدوى ما فعلته النسوية الرائدة درّية شفيق 

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

” قصتها تشكّل قصة كفاح امرأة وحدها في وجه قوى الرجعية في مجتمعها، ثقافية كانت أو دينية أو سياسية تلك التي تعارض مساواة المرأة مساواة كاملة”.

“هل ما أفعله له جدوى؟”

سؤال وجودي لاحق درية شفيق طيلة حياتها حتى قررت ذات يوم في العام 1975 أن تلقي بنفسها من شرفة منزلها في القاهرة.

 درية شفيق هي إحدى رائدات الحركة النسائية في القرن العشرين، والتي حوربت بشراسة وجرى اقصاؤها من الساحة العامة في عهد جمال عبد الناصر، لكنها سجلت في التاريخ كواحدة من أبرز نسويات مصر.

شكّل قرار درية شفيق الانتحار لحظة انكسار قصوى، وفي لحظات الهزيمة كثيراً ما تسأل الشخصيات الجريئة عن جدوى نضالها، خاصةً إذا كان قد كلفها الكثير، والمحزن أن هذه الشخصيات لم تعش لترى أنها مهدت الطريق لأجيال أخرى، وكانت السبب في الحصول على حقوق نراها الآن بديهية.

قصة درية شفيق هي قصة كل امرأة لا تشبه من حولها، امرأة غريبة الاهتمامات، والتطلعات بالنسبة إلى مجتمعها الضيق والرجعي. امرأة تقرر خوض الصراع الأبدي وهو اقتحام النساء للمجال العام، في مجتمع يحجّم النساء في المجال الخاص، ويحصرهن دائماً وأبداً في الدور الإنجابي. 

تتشابه ملامح قصتها مع قصص نساء أخريات جئن في فترات زمنية متعاقبة، انتهت حياتهن نهاية مأساوية بالوحدة والاكتئاب والانتحار. من أروى صالح وهي من جيل الحركة الطلابية في سبعينيات القرن الماضي،  إلى سارة حجازي وهي من جيل ثورة يناير. كلهن كانوا شخصيات مقاومة لكن الظرف التاريخي كان اقوى من احتمالهن.

ولدت درية شفيق في العام 1908 في مدينة طنطا، إحدى مدن الدلتا في مصر، وتعلمت في مدارس فرنسية، ثم سافرت إلى باريس، لتدرس الفلسفة، وحصلت على دكتوراه الدولة من جامعة السوربون عام 1940. 

لم تكن شفيق أول مصرية تحصل على تلك الشهادة لكنها كانت أصغر الحاصلات عليها سناً، وبالبحث في سيرة شفيق سنجد أنها شخصية غنية جداً، من سفرها للخارج للدراسة، وإلقاء المحاضرات عن المرأة المصرية، والقتال ضد الاستعمار البريطاني، وإصدارها مجلتين وعدة كتب ودواوين شعرية وإنشاء حزب سياسي،  واقتحام البرلمان المصري بصحبة 1500 امرأة للمطالبة بحضور النساء في التشريع، وقد كان لها دور أساسي في حصول النساء على حق الانتخاب والترشح للبرلمان. درية أيضاً شخصية متعددة الاهتمامات، فقد اشتركت في مسابقة جمال، وأصدرت مجلة للأطفال بعنوان “الكتكوت”. 

تقول عنها سينثيا ويلسون في كتاب “امرأة مختلفة” “إن قصتها تشكّل قصة كفاح امرأة وحدها في وجه قوى الرجعية في مجتمعها، ثقافية كانت أو دينية أو سياسية تلك التي تعارض مساواة المرأة مساواة كاملة”.

على الرغم من نضالها ضد الاستعمار، لم تعبأ حركة العام 1952 كثيراً بحقوق النساء كما تراها درية، ولأن حقوق النساء ليست أولوية في هذه الفترة، ولا في أي فترة أخرى، أضربت درية عن الطعام في نقابة الصحفيين مع مجموعة من السيدات كي تدخل النساء إلى اللجنة التأسيسية للدستور.

راوية صادق مترجمة، وفنانة بصرية، قررت الغوص في الماضي، لتكتشف حياة درية شفيق، تقول صادق لـ”درج إن أنور المغيث، مدير المركز القومي للترجمة آنذاك،عرض عليها  في أوائل عام 2016  ترجمة مختارات من قصائد درية شفيق، وفي خضم رحلتها لاختيار قصائد من دواوينها الخمسة لترجمتها،  بدأت في البحث في حياة درية، والقراءة عن قصتها التراجيدية، من المعلومات الشحيحة الموجودة عنها على الإنترنت بالإنجليزية والفرنسية. وقد تتبعت حياتها من مدينة طنطا، وانتقالها إلى المنصورة، ثم إلى الإسكندرية، لتدرس البكالوريا، إلى باريس، انتهاءً بالقاهرة، حيث أصدرت مجلة “بنت النيل”.

تلخص ابنتها عزيزة حياتها بكلمة واحدة: “حرية”. هذا ما تذكره وتضيف أنها كانت شخصية مختلفة عن محيطها، تعلّمت، في وقت لم يكن شائعاً أن تكمل الفتيات تعليمهن، واشتغلت في الصحافة، في حين أن العمل في هذه الفترة كان للفقراء فقط، كان يعتبر عيباً بمعنى أصح،  وتعلمت الإيطالية، وقرأت دانتي، وترجمت، وتزوجت من شخص أصغر منها بسبع سنوات واهتمت بالسياسة، وتعرفت على هدى شعراوي. 

تقول درية في كتاب “رحلتي حول العالم” إن “خروج المرأة إلى الميادين العامة يعتبر في رأيي أقوى أحداث القرن العشرين بعد حادث اختراع القنبلة الذرية”.

انجذبت راوية صادق إلى القصائد النثرية القصيرة لدرية، وبسبب حماستها لشخصيتها نصحها أصدقاؤها بعمل كتاب عنها، وبعد تفكير قررت عمل ورشة بعنوان “رجوع بالزمن إلى الوراء”، حاولت فيها مع المشاركين/ات التعرف إلى الجوانب الإنسانية في شخصية درية، وتسجيل انطباعاتهم عن حياتها، ومسيرتها، ورحلتها، اعتماداً على المراجع الأكاديمية، وعن القصص الشفوية المتناقلة عنها. ونتج عن الورشة مطبوعة، تجمع نصوصاً دونها المشاركون عن علاقتهم بدرّية، أو بما ذكرتهم به شخصيتها.

 اهتمام صادق بدرّية  ارتبط بشكل اساسي بعيشها فترة مهمة في تاريخ مصر، من 1908 إلى 1975، فترة ظهور مجلات تترأسها نساء، وانتعاش الصالونات الأدبية، واندلاع الحربين العالميتين الأولى والثانية، وحركة العام 1952. وكذلك كونها فترة تمثل المرحلة الأولى في الحركة النسوية، وقد حاولت راوية البحث عنها كإنسانة، والبحث في سبب انتحارها. ففي عام 1957 كان الوضع قد تأزم كثيراً، بعد وصفها لعبد الناصر بـ”الديكتاتور”، فُرضت عليها الإقامة الجبرية في بيتها لمدة 3 سنوات، انتهت بعد عامين، وفي فبراير 1967 قُبض على زوجها بتهمة الاشتراك في مؤامرة ضد عبد الناصر. ولم تعلم درية أنه في سجن طرة إلا في أيار/ مايو من العام ذاته، وتقول ابنتها عزيزة إن أبيها قد أُفرج عنه بعد حرب الأيام الستة، بعدما تعرض البوليس السري للانتقاد العنيف، لأن النظام يحبس المصريين في الوقت الذي يجب فيه الكشف عما يدور في إسرائيل. ثم تطلقت سنة 68 بعد 30 عاماً من الزواج، ثم عاشت في عزلة لمدة 18 عاماً، وأنهت حياتها في 20 أيلول/ سبتمبر سنة 1975. 

كتب عنها محمد زكي عبد القادر: شاء القدر أن تكون نهايتها مأساوية، ليتعمق شعورنا بفقدانها، فدرية شفيق، في حياتها وفي كفاحها، لم تكن حدثاً عادياً على مسرح الأحداث المصرية.

أما صادق فتتحدث عن تقاطعات وتشابكات بين قصة درية وزمننا الحالي، من انتحار لشابات بعد ثورة يناير، وحالات الاكتئاب واليأس الجماعي.  صادق أرادت أن تتعرف إلى شخصية شفيق، وتبحث عن السبب الذي جعلها تنهي حياتها بيدها، وهي تعتقد أنها كانت مصابة بالاكتئاب طوال حياتها، بعد وفاة والدتها وهي فتاة صغيرة في عمر الثانية عشرة. وهو ما تؤكده نيلسون في كتابها “امرأة مختلفة” إذ تقول إن وفاة والدتها مثلت صدمة قوية في حياتها. لا أحد يستطيع بالطبع أن يجزم بسبب انتحار درية، لكن كما تقول نيلسون  على لسان بيير رفردي  “أنه لا يوجد منتحرين، ولكن هناك قتلة”. 

حسام جاد باحث، وأحد المشاركين في ورشة “رجوع بالزمن إلى الوراء” يقول لـ”درج” إنه انضم إلى الورشة انطلاقاً من اهتمامه كباحث بقراءة التاريخ عموماً، وتاريخ القرن العشرين خصوصاً؛  تاريخ المدينة، والسيرة الذاتية، والتاريخ الشفوي. لكن تجربة الورشة، والتعرف إلى حياة درية شفيق عن قرب، حوّل الأمر إلى شيء شخصي تماماً. وجعله يشتبك مع حياتها، وأفكارها، وصراعاتها، وقد تبلور اشتباكه مع درية وأفكارها، وتقلبات حياتها في 3 أسئلة أساسية، أو 3 أحلام: حلم الانتماء إلى المدينة، ولماذا نبحث عن مكانتنا الحقيقة في المدينة، وحلم الخلاص الجماعي أو لماذا ننضم إلى جماعة نضالية؟ وحلم العودة إلى بيت الجدة، أو لماذا لا نتخلص من الحنين إلى بيوت جدّاتنا؟

قلما تُذكر حكايات النساء ودورهن في التاريخ، فدائماً الفاعلون في كل المعارك هم الرجال وحدهم، وربما من المهم استحضار شخصيات النساء المنسيات، والبحث في  السرديات غير الرسمية عن التاريخ، وربما يكون البحث في الماضي رغم حكاياته الحزينة، وسيلة كي لا نعيش أحداثه مرة أخرى.

إقرأوا أيضاً: