fbpx

“مو”: حين تبتذل “نتفليكس” زيت الزيتون باسم فلسطين

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

استثمار رمزية زيت الزيتون ضمن سيناريو مؤدلج لا يعد أكثر من نسج موجّه، يحاول عبره صناع المسلسل استهداف العاطفة الجمعية للشعب الفلسطيني.

يحمل الكوميديان الفلسطيني محمد عامر زجاجة مليئة بزيت الزيتون. هذه الزجاجة حاضرة دائمًا معه في مسلسله الجديد “مو” الذي طرحته منصة “نتفليكس” الأميركية قبل أيام.

يذكرنا هذا السلوك بالجزرة التي يحملها الممثل البريطاني كلايف أوين في فيلمه shoot’em up (2007). فنراها في مهمّاته وجلساته ومعاركه طوال مدة الشريط. وبالنسبة للكوميديان؛ حاضرة في آلامه وذاكرته ومشاكله ونقاشاته. ترتبط هذه الأدوات عادة بحالة عاطفية تعكس الطبيعة النفسية والثقافية للممثل، وغالبًا ما تمتثل لماضٍ أو حادثٍ أو قضيةٍ. وهذا من شانه أن يعزز حالة التماهي والتوثيق مع البطل وقصته، لتغدو هذه المكملات الوظيفية، في النسيج الدرامي والسينمائي، محفزات إدراكية وحسّية تنشط معها عملية التواصل البصري والدرامي بشكل شخصي بينه وبين المشاهد. إلا أن عملية التواصل هذه قد لا تمنح بالضرورة أثراً مستداماً. ربما يكون آنياً، أو متقلباً، أو مركباً كما في حالة عامر الذي يؤدي دور محمد النجار الملقب بـ”مو”. 

لماذا هو أثر مركب؟ لأن الوظيفة السردية في نص العمل تحتكم إلى خلل عاطفي فرِضَ بشكل ساذج على المشاهد من جهة، ولأن الخطاب الأخلاقي فيه من التسطيح ما يكفي لكي ننتبه إلى بعض المفردات المطروحة في المسلسل من جهة أخرى. وفي كلتا الحالتين نتيجة ظاهرة تعصرها ايدولوجيا عميقة لا تشبه طعم زيت الزيتون أو لونه. 

يصارع مو للحصول على حياة أكثر استقراراً اجتماعياً وعاطفياً ونفسياً. طلب لجوئه هو وأسرته قيد الدراسة منذ أكثر من اثنين وعشرين عامًا. لذا، الشعور بالاندماج والانتماء في بلاد العم سام له نتائج سلبية. لا تأمين ولا وظائف أو خدمات حكومية قانونية. نظام هامشي تعيش فيه أسرة النجار. المعمم لدى الأسرة مجموعة عادات وتقاليد من الثقافة الفلسطينية والإسلامية. المخصص في النص يبدو أكثر وضوحاً أمام حياة يومية نتابعها مع الاسرة عن كثب، من دون أن يكون هناك فجوات واسعة. المواقف الكوميدية غير مقنعة. شرط التجاوب معها يعتمد على سذاجةٍ وتسخيف. ليس بسبب الطرف والنكات التي يطرحها لسان مو. اختيار ثقافة التهجين هو أكثر ما يضحك. وزيت الزيتون هو أكثر ما يثير السخط عندما يوضع إلى جوار طاولة يجري حولها نقاش ساخر وحميمي عن هزيمة العرب في حرب ال67  بين إسرائيلي وصديقه الفلسطيني اللذان يتشاركان جولات اللعب على طاولة النرد. تبدو إشارة موفقة، قد تكون خجولة، لكنها واضحة درجةً تجعلنا ندرك أن جولات التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي مستمرة. ليس في السياسة فحسب. بل في الدراما أيضًا. 

وقد نظن بتجنب مؤلفي العمل التطرق إلى أي حديث أو طرح سياسي يمسّ بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي، تسجيل نقطة إيجابية تحسب لصالح العمل. إلا أن طروحات أخرى ستفسد هذه النقطة. ولعلنا ندرك من خلالها حجم التسطيح المستخدم في شأنها. فيما مضى، أوكلت العائلة طلبات اللجوء إلى محامية فلسطينية تدعى روندا موداد (شيرين دعيبس). يعلم مو أنها امرأة مهملة ومتصنّعة، تفتقر إلى روح المسؤولية وحس الاهتمام والمواظبة. وأن الاعتناء بملفات اللجوء وقضايا أبناء جلدتها العالقة منذ عقدين من الزمن هو أولى من توظيفها مساعدة روحانية للتخلص من الطاقة السلبية. وبالتالي لدينا صراع فلسطيني-فلسطيني. حكم القوي على الضعيف في حسابات السياسة الفلسطينية وفصائلها. نموذج مناسب في هذه المشهدية القائمة بين مو وروندا. إلا أن اللافت في هذا الشأن قرار البطل انتزاع حقه باللجوء بطرد روندا وتوكيل محامٍ آخر. وقد شاءت الأقدار أن يقترح الإسرائيلي صديق عم البطل الاستفادة من خدمات اليهودية ليزي هورتيز التي نجحت في كسب قضايا سابقة متعلقة بملفات المهجرين وطالبي اللجوء. وبالفعل ستحقق هورتيز تقدمًا في الحصول على موعد مقابلة من المحكمة القضائية للاطلاع على القضية. وهذا تقدم ما كان لعائلة النجار الحصول عليه لو بقي الأمر في عهدة روندا. أي أن بارقة الأمل للفلسطينيين بالنجاة والحرية والعدل ما كان ليتم لولا تدخل اليهود في القضية. 

يصارع مو للحصول على حياة أكثر استقراراً اجتماعياً وعاطفياً ونفسياً.

لا شك أن رمزية زيت الزيتون تعني هوية وانتماء بالنسبة إلى الفلسطينيين، وبالتالي لعائلة النجار، التي هاجرت من الكويت إلى ولاية هيوستن الأميركية بعد اندلاع حرب الخليج عام 1990. وهو العامل العاطفي الوحيد المتبقي لهذه الاسرة، علماً أننا لم نشاهد مثلًا علم فلسطين أو الكوفية الفلسطينية بين الكادر الخاص لمنزل العائلة. كان يمكن أن نصدق أكثر لو رأينا مثل هذه العوامل، لا أن يكتفي رامي يوسف ومحمد عامر – مؤلفيّ العمل – برمزية زيت الزيتون وطريقة تحضير الأم (فرح بسيسو) لهذا الزيت. علمًا أن زراعة الزيتون وحصده وعصره تجري على أرض أميركية. 

استثمار رمزية زيت الزيتون ضمن سيناريو مؤدلج لا يعد أكثر من نسج موجّه، يحاول عبره صناع المسلسل استهداف العاطفة الجمعية للشعب الفلسطيني. ولو أن الأمر بقي على هذا الشكل دون تعليبٍ وتسطيحٍ لأمكننا، وفق هذه السردية، الشعور ببعض الانسجام والاهتمام بظروف العائلة وتفاصيل حياتها بكل رحابة صدر. ولكان العمل مرَّ بكل سلاسة ومنطقية لولا الخوض في قالب معد ومجهز ليناسب عقلية المجتمع الأمريكي وثقافته ودعايته الفكرية والأخلاقية أمام الرأي العام العالمي. وليس غريبًا على منصة أميركية مثل “نتفليكس”، احتضان مثل هذه الأعمال التي تراوغ من خلالها على نشر مفهوم الحريات الفنية واستقطابها وتسويقها مهما اختلفت شكل الأسواق والبيئات الحاضنة لأعمالها ومنتجاتها، طالما أنها تعمل على معايير مزدوجة ترضي من خلالها جميع الأطراف.

إقرأوا أيضاً: