السويد: كيف ستُحكم المملكة الاسكندنافية
بعد فوز الكتلة اليمينية في الانتخابات العامة؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!
TelegramWhatsApp

تمكن ديمقراطيو السويد من زيادة حصيلتهم من الأصوات بسبب تركيزهم أثناء حملتهم على ملفات جرائم العنف، وشؤون إنفاذ القانون وفرض النظام، وتحديات الفصل الاجتماعي.

أفرزت الانتخابات العامة في السويد في 11 أيلول/ سبتمبر أغلبية ضئيلة للكتلة اليمينية المعارضة. ما الذي يعنيه ذلك بالنسبة لسياسة المملكة الاسكندنافية المستقبلية؟

خطف حزب ديمقراطيي السويد أضواء الانتخابات البرلمانية السويدية التي أجريت في 11 أيلول  2022. فقد تنامت شعبية الحزب اليميني المتطرف المناهض للهجرة من من 5.7 في المئة عام 2010 من الأصوات إلى 20.5 في المئة عام 2022.

وعلى مدى 12 عاماً تقريباً، ومنذ دخوله البرلمان عام 2010 خاض حزب ديمقراطيي السويد أربع دورات انتخابية. استطاع الحزب فيها أن يتحول فيها من “حزب منبوذ” في مراحل تشكيل الائتلافات إلى ثاني أكبر حزب في السويد وأكبر حزب في الكتلة اليمينية.

وذهب أكبر عدد من الأصوات إلى حزب العمال الديمقراطي الاجتماعي السويدي (أو الاشتراكي الديمقراطي)، وهو الحزب الذي قاد الحكومات منذ عام 2014. إلا أنه لم يتمكن من رفع حصيلته من الأصوات بأكثر من نقطتين مئويتين زيادة عن الانتخابات السابقة عام 2018 بواقع 30.3 في المئة.

غير أن الفرصة لتشكيل الحكومة سانحة أمام ثالث الأحزاب حجماً، وهو حزب التجمع المعتدل الذي يتبنّى السياسة اليمينية المعتدلة. وهو ما سيأتي شرحه لاحقاً.

أفرزت الانتخابات العامة في السويد في 11 أيلول/ سبتمبر أغلبية ضئيلة للكتلة اليمينية المعارضة. ما الذي يعنيه ذلك بالنسبة لسياسة المملكة الاسكندنافية المستقبلية؟

لمن رجحت الكفة؟

استطاعت 8 أحزاب سياسية تجاوز العتبة الانتخابية للتمثيل في الدور التشريعي المقبل. أربعة منها، وهي المسماة كتلة “الحمر- الخضر” اليسارية، تؤيد استمرار زعيمة الاشتراكيين الديمقراطيين، ماغدالينا أندرسون، رئيسة للوزراء. وتضم الكتلة إلى جانب الاشتراكيين الديمقراطيين، أحزاب الوسط، اليسار، والخضر.

في المقابل، تشكل الأحزاب الأربعة الأخرى كتلة معروفة باسم “التحالف” اليمينية المعارضة. ويضم “التحالف حزب ديمقراطيي السويد، حزب الديمقراطيين المسيحيين، حزب الشعب الليبرالي، وحزب التجمع المعتدل الذي شكل، بقيادة أولف كريسترسون، أكبر أحزاب الكتلة اليمينية حتى ما قبل انتخابات هذا العام.

وحتى قبل الفراع من فرز الأصوات وإعلان النتائج النهائية، أعلنت أندرسون تنحيها عن منصب رئاسة الوزراء، واستمرارها برئاسة حكومة لتصريف الأعمال.

وشكل فقدان حزبي الوسط واليسار دعم الناخبين مقارنة بعام 2018 حرماناً لكتلة “الحمر-الخضر” من حيازة الأغلبية. ولم يساعد الكتلة زيادة حصص أصوات حزبي الاشتراكيين الديمقراطيين والخضر.

ويتطلب الفوز بأغلبية برلمانية الحصول على 175 مقعداً من أصل 349. وفيما حصل “الخضر-الحمر” على 173 مقعداً، حاز “التحالف” على 176 مقعداً وسيؤلف بموجب ذلك الحكومة المقبلة.

وعود انتخابية

وتمكن ديمقراطيو السويد من زيادة حصيلتهم من الأصوات بسبب تركيزهم أثناء حملتهم على ملفات جرائم العنف، وشؤون إنفاذ القانون وفرض النظام، وتحديات الفصل الاجتماعي.

وكان من الملفت ارتفاع نسبة التصويت لصالح الاشتراكيين الديمقراطيين في عام 2022 مقارنة بعام 2018. فقد قاد حزبهم حكومتين متعاقبتين انتهتا بمستويات عالية في التضخم وارتفاع في أسعار الكهرباء. إلى جانب تركيز حملتهم الانتخابية على أمور شدد عليها اليمين السياسي في حملاته. فقد أكد الاشتراكيون الديمقراطيون والمعتدلون على ضرورة “التشدد” في التعامل مع الجريمة. وتبنى الحزبان مواقف أكثر تحفظاً بشأن المسائل المتعلقة بالقانون والنظام وإدماج المهاجرين. لكن ذلك لم يؤثر كثيراً على تمدد ديمقراطيي السويد. 

ومع فقدان الاشتراكيين الديمقراطيين والمعتدلين ناخبيهم لصالح ديمقراطيي السويد، وسيكون لذلك آثار ستُعقّد مفاوضات تشكيل الحكومة اليمينية.

تشكيل الحكومة

من الراجح أن يحظى حزب التجمع المعتدل، بقيادة أولف كريسترسون، بالفرصة الأولى لتشكيل الحكومة برغم حصولهم على أصوات أقل من ديمقراطيي السويد. ومردّ ذلك إلى استمرار تردد الأحزاب البرلمانية الأخرى تجاه الجذور المتطرفة لحزب ديمقراطيي السويد، وهو حزب له تاريخ فاشي وقومي أبيض نشط أول رئيس له في صفوف “حزب الشمال الاسكندنافي” النازي.

وقبيل الانتخابات ألمحت أحزاب في “التحالف” المعارض (المعتدلين، الديمقراطيين المسيحيين، والليبراليين) إلى استعدادها للاعتماد على دعم حزب ديمقراطيي السويد لتشكيل حكومة أقلية. لكنها  أشارت إلى عدم رغبتها في إدخال ديمقراطيي السويد رسمياً في الحكومة وفي تخصيص حقائب وزارية لهم. وسيتضح لاحقاً إذا كانت الأحزاب الثلاثة ستستمر في التمسك بموقفها. وترفض أحزاب كتلة “الخضر-الحمر” دعم زعيم ديمقراطيي السويد، جيمي أوكيسون، ليتبوأ منصب رئيس الوزراء.

وسيكون المجال واسعاً أمام أوكيسون لفرض تنازلات سياسية، مدعوماً بقوة حزبه الانتخابية المتزايدة في حال قبول حزبه بمجرد لعب دور الحزب المؤازر لحكومة أقلية يمينية بقيادة المعتدلين. لكن تنازلات كتلك ستُسفر بدورها عن توتر داخل الكتلة اليمينية، لا سيما بالنسبة إلى الليبراليين، أصغر الأحزاب البرلمانية، والذين بالكاد تجاوزوا شرط عتبة الأربعة بالمئة لدخول البرلمان.

توتر مشابه كان سبباً في حل كتلة “التحالف” اليمينية مطلع عام 2019. فقد اختلفت أحزاب الكتلة الأربع حول قبول التعاون من ديمقراطيي السويد. فبينما رحّب المسيحيون الديمقراطيون والمعتدلون بالعمل مع ديمقراطيي السويد لتشكيل حكومة يمينية قبل عام 2022، رفض ذلك حزب الليبراليين وحزب الوسط الذي انتقل على إثر القرار إلى الكتلة “الحمر-الخضر” مُفضّلاً دعم حكومة ديمقراطية اجتماعية بقيادة أندرسون.

وعلى مدار السنوات الثلاث الماضية، جرت مداولات مصيرية داخل الحزب الليبرالي حول توجهاتهم المستقبلية. فقد تدهورت شعبية الحزب إلى أقل من أربعة في المئة في استطلاعات الرأي؛ قبل أن يحسم أمره بالانضمام إلى المعتدلين والمسيحيين الديمقراطيين في الحشد لتشكيل حكومة يمينية مدعومة من ديمقراطيي السويد. وقد أدى القرار إلى انقسام في صفوف الليبراليين. ولذلك لن تكون لدى كريسترسون مساحة كافية، إن توفرت، بهامش مقعد أو اثنين، في ائتلاف حاكم كهذا ليمنحها للمخالفين لذلك القرار. ومع أن عملية تشكيل الحكومة قد لا تستغرق 134 يوماً، على غرار ما حدث بعد انتخابات 2018، وهي مدة طويلة وغير معتادة في السويد، يبقى من المحتمل أن تكون تشكيل الحكومة معقداً وصعباً هذه المرة.

وعلى إثر تدهور شعبية حزب الليبراليين إلى أقل من أربعة في المئة في استطلاعات الرأي، جرت مداولات مصيرية داخلية على مدار السنوات الثلاث الماضية حول توجهاتهم المستقبلية. وحسم الحزب أمره بالانضمام إلى المعتدلين والمسيحيين الديمقراطيين في الحشد لتشكيل حكومة يمينية مدعومة من ديمقراطيي السويد، وهو ما أدى إلى انقسام في صفوف الليبراليين. ولا يبدو أن المخالفين لهذا القرار سيحظون بأكثر من مقعد أو اثنين في الحكومة المقبلة. وقد يكون ذلك من بين الأسباب التي تجعل من تشكيل الحكومة أمراً صعباً ومعقداً ربما يزيد على مدة الـ 134 يوماً التي استغرقها تشكيل الحكومة بعد انتخابات 2018.

إقرأوا أيضاً:

كيف يبدو مستقبل الحكومة؟

سيكون سياسيو حزب الليبراليين وحزب الوسط وحزب ديمقراطيي السويد في البرلمان الأكثر تأثيراً في الدور التشريعي المقبل. إذ سيكون بإمكان عضو أو عضوين في البرلمان عن الليبراليين، الذي لا يزال منقسماً بخصوص التعاون مع ديمقراطيي السويد، أن يُحدثوا فرقاً لجهة النجاح التشريعي أو فشل الحكومة اليمينية. إلا أنه من المرجح بالنسبة إلى الليبراليين، الذين بالكاد تجاوزوا عتبة الأربعة في المئة لدخول البرلمان، أن يحرصوا على تجنّب الدعوة إلى انتخابات مبكرة ما قد يشكل عقبة أمام الأصوات المعارضة داخل الحزب في الوقت الراهن.

وعلى عكس الليبراليين، الذين انشقوا باتجاه اليمين، رفض حزب الوسط، وهو أيضاً عضو سابق في كتلة “التحالف”العمل مع ديمقراطيي السويد. وفضّل أن يذهب باتجاه كتلة “الحمر-الخضر” بالرغم مما سببه القرار من توترات داخل الجناح اليميني للحزب. وتمثل نسبة 6.7 بالمئة التي حصل عليها حزب الوسط في انتخابات 2022 انخفاضاً بنحو نقطتين مئويتين. ويبقى أن نترقّب فيما إذا كان أداء حزب الوسط المخيب في استطلاعات عام 2022 سيدفع به إلى سلوك اتجاه مختلف. وستكون رحلة الحزب الطويلة إلى أن غدا حزباً ليبرالياً اجتماعياً وثقافياً قوياً على مدار العشرين عاماً الماضية أحد العوامل التي ستزيد  الأمور تعقيداً، ما يجعل أي تعاون محتمل لهم مع ديمقراطيي السويد تحدياً كبيراً يبدو أن الليبراليين ماضون في خوضه بالرغم من كل ذلك.

أخيراً، قد تكون للسلوك الفردي لممثلي ديمقراطيي السويد في البرلمان عواقب وخيمة. فقد طرد الحزب في السابق أعضاء أظهروا تطرفاً وعنصرية بشكل علني. وسيكون من المثير مراقبة ما إذا كان الحزب وممثلوه في البرلمان قادرين على تجنب الانخراط في فضائح أو أفعال قد تُضعف قدرة الحزب على تنفيذ سياساته.

لقد أنهكت الاختلافات الأيديولوجية بين أحزاب كتلة “الحمر-الخضر” الحكومات التي قادها الحزب الديمقراطي الاجتماعي عقب انتخابات 2018. ومن المحتمل أن تشهد الحكومة المقبلة تسويات هشة بوجود حزب قومي مناهض للمؤسسة الحاكمة بشكل صارم، مثل ديمقراطيي السويد، كأكبر قوة برلمانية في أي كتلة يمينية. وربما تزداد التسويات هشاشة في ظل الانقسامات في صفوف بعض أحزاب “التحالف” بشأن التعاون مع ديمقراطيي السويد.

ولربما تشهد الحكومة المقبلة توطيداً للنبرة القومية التي تبناها اليمين في حملة 2022 الانتخابية. وسيؤثر ذلك في خطاب الحكومة والتعبير عن الأيديولوجيا التي تتبناها وأسلوب صوغها وتطبيقها للسياسات. وستكون لذلك عواقب على القارة العجوز اعتباراً من مطلع عام 2023 حيث تتولى المملكة الاسكندنافية رئاسة مجلس الاتحاد الأوروبي.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني