fbpx

عن عاشقٍ مرّ قرب غرف الملح في سجن صيدنايا

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

طوال عام، كنت أفضّل تناول الكحول والبكاء على تصديق أنه معتقل، لذلك تابعت حياتي وكأنه سافر حقاً، ندمت على ترددي وعلى تأخري في الاعتراف بحبي له، والآن وبيننا كل المسافات القاسية، أفكر بباب شرقي وببار “أم الزلف” وبحبنا الذي بقي متردداً على أبواب مقهى.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

غاب عاماً كاملاً، قالوا لي إنه سافر، لم يخبروني إلى أين أو متى سيعود أو لماذا سافر فجأة. هل يفعل ذلك من يحبوننا؟ هل يسافرون دون إخبارنا أو ترك رسالة يودعوننا فيها؟ ولأنني خشيت تصديق عكس ذلك كنت أعودُ كلّ شهر لأسأل عائلته عنه، فأسمع الإجابة ذاتها، كنت أعلم عميقاً أنه اعتُقِل، لكن كنت أفضل أن يكون مسافراً وقاسياً على أن يكون معتقلاً في أحد سجون نظام الأسد.

كنا نحبُّ البلد، لذلك اعتقلوه ولذلك غادرتُ، لأنني كنت أفضل الكتابة قربه، عن الحرية والديكتاتورية والثورة، لأنني كنت أعتقد أني بمأمن. لم يكن اعتقاله كل ما أخافني، خشيت أن يشي بي، أعلم أن كلمة “الوشاية” لا تليق برجل يحبني، لكن من عاش داخل تلك البلاد يدرك أن حجم التعذيب قد يحولك إلى شخص آخر تماماً، ألم ينسَ سجناء حياتهم بطولها! وحين سافرَ إلى المعتقل، مسحتُ كل شيء عن حاسوبي، وفكرت إن كان سيخبرهم عني. هل سيضعف تحت التعذيب، هل سيسألونه من التقيت من الصحافيين والكتاب؟ وكنت أخاف أن يكون الحب أضعف من سوط الجلاد وأن تكون الكهرباء التي تسري في جسده أقوى من خوفه عليَّ، وكنت سأسامحه لو فعل ذلك، لو فكر للحظة بأن يخفف من آلامه بأن يشي باسم ما، لربما يرضون عنه ويقللون ساعات التعذيب. أمضيت عاماً مرعباً، أتخيل كل حاجز لحظة حريّة أخيرة، وكل طرقة على الباب صوتاً لرجال الأمن، كان باب منزلي الحديدي يجعل الطرق أكثر رعباً كأنني في سجن حقاً، كنت أعلم أن كل يوم يمضيه في المعتقل يعني يأساً أكبر ورغبة في الخلاص. 

اعتدنا في سوريا، تسمية اعتقال “سفراً”، حين اعتقلوا عمي، بقيت عمتي تقول: “لقد سافر إلى اليمن”، حتى لا تقول “اعتقلوه”. لا أعلم لماذا اختارت اليمن، ربما لأنه بلد حزين مثل سوريا، يعيش سكانه الخوف والرعب والجوع كأنهم في معتقل، وهكذا باتت عبارة “سافر إلى هناك” مرادفاً للاعتقال والخوف.

غاب عاماً كاملاً، قالوا لي إنه سافر، لم يخبروني إلى أين أو متى سيعود أو لماذا سافر فجأة. هل يفعل ذلك من يحبوننا؟ هل يسافرون دون إخبارنا أو ترك رسالة يودعوننا فيها؟

بعد عامٍ رأيت أول منشور له على “فيسبوك”، لقد خرج، كان المنشور مقتضباً، يُطمْئِن الأصدقاء فيه بأنه بخير، حتى من دون أن يقول أين كان، لكننا جميعاً كنّا نعلم، ولم نحتج أن يدخل في أي تفصيل، وضعتُ قلباً صغيراً ولم أجرؤ على الاتصال به أو الذهاب للقائه، وكان مثلي خائفاً، فالجلاد لن يتركنا حقاً، سيلاحق كلَّ من يظن أنه يكره الأسد والديكتاتورية، حتى إننا لم نلتقِ، لقد حرمنا النظام من أبسط حقوقنا ولحظاتنا، حرمني من الابتسام لرجل أحبه خرج من المعتقل.

بعد خروجه شعرتُ ببعض الطمأنينة، لقد عاد بالفعل من رحلة طويلة، حاملاً حقائب سفره المحشوّة بالظلم والتعذيب والخوف. لم يكن لقاؤه بعد المعتقل أمراً مطروحاً، كنا نعلم، من دون أن نتكلم، أنه يجب البقاء بعيدين، لأبقى بأمان وكيلا يشعر بالذنب لو اعتقلت، مرت بعض الأشهر من دون أي لقاء، نكتفي بأحاديث مقتضبة على “واتس أب”، وحين رأيته صدفة في باب شرقي منتصف الليل، لم أعرفه بادئ الأمر. لقد فقد نصف وزنه تقريباً، ربما لذلك كنت أؤجل لقاءه، كنت أخشى رؤية ماذا يفعل المعتقل بأحبتنا، جريت نحوه وعانقته وسط الطريق المستقيم، قريباً من بوابة باب شرقي، مجبرةً السيارات على التوقف، بانتظار أن أفرغ من عناقه، وحمل بعض الألم والسياط والجوع عنه. عانقته بقوة ووشوشته: “لا تسافر مرة أخرى دون أن تخبرني”، بينما كان ضوء سيارة ينعكس علينا وصوت الأبواق تتعالى من حولنا، كان نحيلاً ومتعباً وأنا أيضاً.

طوال عام، كنت أفضّل تناول الكحول والبكاء على تصديق أنه معتقل، لذلك تابعت حياتي وكأنه سافر حقاً، ندمت على ترددي وعلى تأخري في الاعتراف بحبي له، والآن وبيننا كل المسافات القاسية، أفكر بباب شرقي وببار “أم الزلف” وبحبنا الذي بقي متردداً على أبواب مقهى.

وحين طلبتُ أن يخبرني بما حدث، أجّل الحديث، وقال: “سأخبركِ لاحقاً”، وتأخر ذلك اليوم، ورحلتُ من دون أن يخبرني بما فعلوه به في المعتقل، اكتفى بالقول إن تهمته تنظيم تجمعات ثقافية. لما لم تخبرني بما حدث؟ لما لم تمنحني ولو بعض التفاصيل عن شكل أيامك هناك؟ والآن لا تستطيع إخباري عبر “تشات”، ليس بسبب الخوف من المراقبة وحسب، بل لأنني أحتاج إلى وجهك بينما تخبرني عن ألمك وخوفك وعما فعلوه بك، لماذا لم تخبرني بنفسك وتركتني أركّب الحكاية من حكايات الآخرين، متخيلة كل يوم مرَّ عليك في ذلك المكان؟ لمَ كان سفرك غامضاً وبعيداً هكذا؟

إقرأوا أيضاً:

أفكر بكل هذا بعدما كتبتُ مقالة عن “غرف الملح” التي استخدمها النظام السوري في حفظ جثث السجناء في سجن صيدنايا، انتابتني مشاعر الحب والخوف والقلق وكأنني هناك، في غرفة الملح، ربما لأننا كنا في لحظة ما مرشحين لرؤيتها، أنا وأنت، كما كل سوريّ، كما عمّي الذي توقف قلبه للحظات تحت التعذيب ثم عاد.

متعبة من كوني سورية، متعبة من الكوابيس التي أعود فيها إلى سوريا وأعلق هناك وأعجز مرة أخرى عن الخروج، وأشعر بأن هذا مجرد كابوس لكنني لا أستطيع مغادرته، لأن الظلم والخوف يسكنانني كما تسكن اليراعات الشجر الوحيد، متعبة من استيقاظي في بلد غريب دون أن أنسى للحظة ما حدث طوال تلك السنوات، دون أن أنسى آثار التعذيب على أجساد من أحب وفي عيونهم.

في لقائنا المؤجل بعد خروجه، قال لي: “سأترك البلد هذه المرة”، فقلتُ: “أفعل ذلك، لا تبقى في بلد اعتقلوك فيه لأنك تحب الشعر والموسيقى والغناء، بلد يتهمونك فيها بأنك مثقف وخطير”. وعدني بأن يخبرني يوماً بما حدث، حتى أوثّق قصته، لكننا مضينا، وقصة السجن ظلت ناقصة في رأسي وغائبة عن الورق. ولأنه بقي هناك، في سوريا، ولأنني بعيدة بقدر لن يكفي لأخرج من فكرة الألم، لقد تبادلنا الأدوار بالفعل. بقي هو في سوريا، ورحلتُ أنا، أراقب يومياته من بعيد، فيما يكتب ويستمع إلى الموسيقى، التي لم يفقد إيمانه بها برغم كل تلك القسوة. أتذكّر قبلة سرقناها في أحياء دمشق القديمة وبمرورٍ عابر قرب غرف الملح.

إقرأوا أيضاً: