الاحتجاجات تلاحق رئيسي في نيويورك…
الاتفاق النووي كرهان إيران الأخير! 

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!
TelegramWhatsApp

التظاهرات التي وجدت تضامناً هائلاً في خارج إيران، بالتزامن مع حضور الرئيس الإيراني اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، تجعل أطرافاً داخل النظام يسعون لتهدئة الأوضاع، برغم الموقف، الصلب والراديكالي، الذي يعبر عنه الأصوليون، من خلال قياداتهم، وكذا الصحف المعبرة عنهم.

تخطت الاحتجاجات الإيرانية المتنامية، قاعدتها التي انطلقت في كردستان إيران، لتمتد عدوى الانتفاضة إلى أكثر من 20 مدينة إيرانية، بما فيها العاصمة طهران.

على مدار أيام برزت على متن الأحداث المحتدمة مشاهد تؤكد انتقال التظاهرات من حيز الاحتجاج على مقتل الفتاة الكردية الإيرانية، مهسا أميني، إلى نطاق أوسع، يطاول النظام السياسي برمته، بدءاً من رفض قانون الحجاب الإجباري إلى رفض النظام برمته.

هذا ما كشفته الصور التي نقلت تحطيماً وإحراقاً لرموز النظام كحرق صور المرشد علي خامنئي وقائد فيلق القدس قاسم سليماني.

تلاحق النظام الإيراني في هذه التظاهرات موجات غضب شعبي، في لحظة اصطفاف قصوى تكاد لا تماثل غيرها، وهي تتجاوز كونها رد فعل، غاضب وموقت، على مقتل الفتاة الكردية الإيرانية بذريعة “الحجاب السيئ” لتصبح حركة احتجاج واسعة، واللافت أنّ التمرد الذي تقوده النسويات في إيران، لا يتردد في استعمال مختلف الوسائل، الرمزية والمادية، لتحطيم صورة آيات الله، وسلطاتهم. فضلاً عن الاصطدام المباشر، حتى النهاية، مع الجهاز الأمني القامع.

ومثلما عمدت المحتجات في إيران إلى قص شعورهن، وإحراق الحجاب، وكذا الانخراط في مسيرات عامة من دون ارتدائه، للتعبير عن رفضهن ممارسات شرطة الأخلاق وفرض الحجاب القسري عليهن، فإنّ مشاهد عدة وثقت مواجهات حادة مع عناصر الشرطة التي عمدت إلى إطلاق الرصاص الحي على المسيرات، كما حدث في مدينة شيراز.

كما وثقت منظمة “هيومن رايتس ووتش” استخدام “الغاز المسيل للدموع لتفريق المحتجين”. وذكرت أنّ الشرطة الإيرانية “استخدمت على ما يبدو عنفاً قاتلاً في محافظة كردستان”.

وبلغت الصدامات بين المتظاهرين ورجال الشرطة محطات غير مسبوقة. فتعرض أحد رجال الشرطة في مدينة مشهد، شرق طهران، إلى الحرق بعد إشعال النار في جسده بـ”شكل مريب”، كما نقل مقطع فيديو بثته وكالة “تسنيم” الإيرانية. 

وهذه ليست الحالة الوحيدة أو الاستثنائية التي تعرضت للعنف المضاد من المحتجين، وفق وكالة الأنباء الإيرانية. إذ ذكرت أنّ هناك آخرين “تعرضوا للاعتداء” في مناطق أخرى في البلاد. بينما “الحالة الصحية لبعضهم ليست مناسبة”.

كما أزال المحتجون صورة للإمام الخميني والمرشد الإيراني علي خامنئي من فوق مبنى حكومي في مدينة ساري الإيرانية. ورددوا هتافات من بينها: “الرحيل للديكتاتور” و”الموت لخامنئي”.

وامتدت الاحتجاجات إلى مناطق متفاوتة، منها مشهد في شمال شرقي البلاد، وتبريز في الشمال الغربي، وأصفهان في الوسط وشيراز في الجنوب، بحسب وكالة الأنباء الإيرانية “إرنا”. وقضى قرابة ثمانية أشخاص في هذه التظاهرات، حتى نهاية اليوم الخامس من الاحتجاجات.

وحاولت وكالة “الأنباء” الإيرانية التخفيف من وطأة الأحداث. واتهمت “المندسين” وسط المتظاهرين، يبحسب وصفها، بأنهم وراء التصعيد المتعمد عبر تعميم “سلوك تخريبي” و”إثارة الشغب”. وتابعت: “أغلقوا (أي المتظاهرين) معابر وسط المدينة وأحرقوا مستوعبات النفايات ورموا الحجارة تجاه قوات الشرطة”. 

وكما هي العادة، هدد وزير الاتصالات الإيراني، عيسى زاربور، بحجب شبكات ومواقع التواصل الاجتماعي “لاعتبارات أمنية”. وهي الحيلة التقليدية التي تعتمد عليها الحكومة الإيرانية للتعتيم على الانتهاكات الحقوقية، ومنع التواصل بين المتظاهرين، وفرض سيطرة على احتجاجاتهم. الأمر الذي حدث في كل المرات السابقة منذ احتجاجات الحركة الخضراء عام 2009 وحتى اللحظة.

ولطالما كانت الجامعات الإيرانية البيئة التي تتشكل داخلها أي حراك مجتمعي وسياسي في إيران. فانخرط طلبة جامعة إيران للعلوم والتكنولوجيا “علم وصنعت” في الاحتجاجات، بينما رددوا هتافات ضد قوات “الباسيج”، ومنها: “عديم الشرف… عديم الشرف”. كما هتف طلاب جامعة الخوارزمي في مدينة كرج، شمال إيران: “سنوات من الجرائم… الموت لولاية الفقيه”.

إقرأوا أيضاً:

إذاً، ارتفعت وتيرة الانتهاكات الحقوقية في إيران، وبخاصة ضد النساء والشعوب غير الفارسية، بشكل كبير، في الأعوام الأخيرة، كما يوضح كميل البوشوكه، الباحث في القانون الدولي في مؤسسة الحوار للدراسات والابحاث، مقرها واشنطن. 

وأصبحت هذه الأنواع من الانتهاكات جزءاً من أجندة النظام الإيراني لمواجهة الاحتجاجات الشعبية، كما يشير البوشوكه لـ”درج”، مشدداً على معاناة الفئات الضعيفة مثل النساء والأقليات، رغم التنديد الدولي من قبل منظمات حقوقية، محلية وأجنبية. 

على سبيل المثال، قتل الحرس الثوري الإيراني 140 أحوازياً في مدينة معشور، جنوب غربي إيران، في احتجاجات تشرين الثاني/ نوفمبر 2019. وبلغ إجمالي القتلى 1500 شخص في أنحاء إيران خلال أسبوع واحد. ولهذا تعتبر الشابة مهسا أميني مجرد رقم إضافي في سجل جرائم الملالي. يقول البوشوكه.

ويرى الباحث في القانون الدولي في مؤسسة الحوار للدراسات والابحاث كميل البوشوكه، أنّ الوضع، حالياً، يذكر باحتجاجات عامي 2009 و2016 في طهران، حينث وفرت إدارة باراك أوباما، من أجل المصالح الضيقة المرتبطة بالاتفاق النووي، مساحة أكبر للنظام الإيراني لانتهاك حقوق المواطنين.

ويمكن القول إن الإدارة الديمقراطية الحالية بقيادة جو بايدن تعتمد المقاربة ذاتها التي سبق أن التزمت بها إدارة أوباما. وفق المصدر ذاته.

ويتابع: “برغم الاحتجاجات في نيويورك ضد ابراهيم رئيسي واعتباره مجرم حرب، على خلفية دوره الرئيسي في مذبحة الإعدامات بحق المعارضة، نهاية ثمانينات القرن الماضي، فقد نجح في ما أخفق فيه العام الماضي، بالوصول إلى مقر الجمعية العامة للأمم المتحدة”. 

مع حضور الرئيس الإيراني إلى نيويورك، رفع عدد من السجناء السابقين في إيران شكوى ضد رئيسي في محكمة نيويورك الفيدرالية. ومن بين هؤلاء مهدي حاجتي، عضو سابق في مجلس مدينة شيراز، وكايلي مور جيلبرت، وهي أكاديمية بريطانية أسترالية، متخصصة بسياسات الشرق الأوسط ومحاضرة في جامعة ملبورن. وقد اعتقلتها إيران، عام 2018، بين ثلاثة أستراليين آخرين. بينما حكم عليها بالسجن عشرة أعوام بتهمة “التجسس”.

التظاهرات التي وجدت تضامناً هائلاً في خارج إيران، بالتزامن مع حضور الرئيس الإيراني اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، تجعل أطرافاً داخل النظام يسعون لتهدئة الأوضاع، برغم الموقف، الصلب والراديكالي، الذي يعبر عنه الأصوليون، من خلال قياداتهم، وكذا الصحف المعبرة عنهم.

ووصفت وسائل إعلام إيرانية متشددة وقريبة من الحرس الثوري التظاهرات بأنّها “فتنة”. ومن بين هذه الصحف “كيهان” و”وطن امروز”. بينما طالبت، هذه الصحف، المسؤولين بضرورة إيجاد حلول نهائية للفضاء الإلكتروني الذي بات يهدد “أمن” إيران. 

غير أنّ صحيفة “اعتماد” الإصلاحية، لمحت إلى تخوفها من تكرار مثل هذه الحوادث التي ستؤدي، حتماً، إلى تصفية “رأس المال الاجتماعي” الذي يفترض أن يحوزه الشرطي. وذلك بعد متلازمة القمع والعنف المرتبطين بجهاز الشرطة وعناصره الأمنية.

ثنائية الخطاب الرسمي في إيران، تواصل تحقيق أغراضها على أكثر من مستوى. وتكشف عن حجم الاهتزازات العنيفة التي تطاول النظام. وبينما أوضح عضو لجنة تقصي الحقائق البرلمانية، النائب جلال رشيدي كوجي، بأن تقرير الطب الشرعي وصل إلى نتيجة مفادها أن أميني “لم تتعرض لأي ضرب أو عنف جسدي”، فإن وزير الثقافة والإرشاد الإسلامي، محمد مهدي إسماعيلي، قال إن هناك مشروع قرار يتعلق بـ”إصلاح أسلوب شرطة الآداب”. 

وإلى ذلك، عمد الرئيس الإيراني ابراهيم رئيسي، أمام المنصة الدولية بنيويورك، إلى الاستعانة بخطاب سياسي براغماتي، للتعمية على الوقائع التي تفضح سياساته، وكذا للتشويش على الحقائق المتزايدة بشأن التجاوزات الحقوقية. 

وفي خطابه الشعبوي، اتهم رئيسي الغرب بـ”الكيل بمكيالين” في ما يخص قضايا النساء. كما عرج بمقولاته المفخخة الذرائع على وفاة النساء من “السكان الأصليين في كندا، وممارسات إسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة”.

ويكاد لا يختلف موقف النظام في خطابه الرسمي، عن اعتبار الأحداث تحركها عدة أطراف وجهات أجنبية، على حد تعبير الناطق بلسان وزارة الخارجية الإيرانية ناصر كنعاني. وطالب “بعض الدول” (لم يسمها) أن “تتجنب الانتهازية واستخدام مصلحي لمقولة حقوق الإنسان”، مشيراً إلى أنّ هذه الدول لديها “سجل طويل في إثارة الحروب والعنف في أنحاء العالم ولا تتمتع بشرعية لوعظ الآخرين بشأن حقوق الإنسان”. 

محافظ طهران، محسن منصوري، الذي اتفق والرأي ذاته، كشف عن وجود تقارير أمنية “تظهر بوضوح مؤشرات على تدخل بعض السفارات والأجهزة الأجنبية (الاستخباراتية) في القضايا الأخيرة في طهران”. وقال: “خلال الاعتقالات في تجمعات طهران الليلة الماضية اعتُقل رعايا من ثلاث دول”. 

ولم يذكر المحافظ الدول التي تعرض مواطنوها للاعتقال أو أي تفاصيل أخرى. ويمثل مزدوجو الجنسية المقبوض عليهم في إيران ورقة ضغط وابتزاز تستغلها إيران في التفاوض مع الغرب والولايات المتحدة. بينما تلاحقهم جميعاً تهمة “التجسس”. ويتراوح عدد المعتقلين الأجانب من أصول إيرانية 30:50 شخصاً، وفق تقارير حقوقية أممية.

وعلى هامش اجتماعات الجمعية العامة، عقّبت وزيرة الخارجية الألمانية، أنالينا بيربوك، على الاحتجاجات، مشيرة إلى أن المتظاهرين بأنهم يدافعون عن حقوق الإنسان.

وقال مستشار الأمن القومي الأميركي جيك سوليفان، إنّ “هذا الحادث (مقتل مهسا أميني) يظهر قمع ووحشية نظام أن تفقد امرأة روحها لأجل حقوقها الأساسية. لا نستغرب نزول المواطنين إلى الشارع للاحتجاج على الوضع الذي يعيشون فيه والذي لا يليق بهم”. 

غير أن الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، الذي التقى نظيره الإيراني، وامتد اجتماعهم الذي كان مقرراً أن يستغرق 45 دقيقة إلى 90 دقيقة، بحسب وكالة أنباء “فارس” الإيرانية، تحدث بشكل فضفاض عن أوضاع النساء، وتفادى أيّ إشارة  مباشرة إزاء الواقعة الأخيرة بإيران. وهيمن على اللقاء بين الرئيسين ملف المفاوضات النووية، وضرورة إحداث اختراق في الاتفاق النووي.

وبحسب وكالة “الأنباء” الإيرانية، فإن رئيسي أجاب على تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بدعوته لزيارة طهران، والتعرف إلى “الحقائق بشأن تقدم حققته النساء بعد الثورة”. وتابع: “قضايا إيران تخص الإيرانيين وحدهم، والاتحاد الأوروبي إذا أراد أن يصدر بياناً حول النساء، فعليه أن يصدره حول عنف الشرطة ضد النساء في أميركا والغرب”.  

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني