fbpx

غرق زورق طرابلس… البحر والفاسدون والديكتاتورية فعلوا ذلك!

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

بينما يحلم الآلاف بلحظة الوصول إلى أي أرض يجدون فيها أقل الشروط الإنسانية، يغرق آخرون معتقدين أنهم اقتربوا من تلك البلاد، بلاد الحلم المستحيل.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

مع جثة طفل طفت على سطح الماء، أعلنت الكارثة عن نفسها، لتبدأ عشرات الجثث بالظهور. بعد إبلاغ ميناء جزيرة أرواد السورية مديريةَ الموانئ عن وجود حالة غرق لشابٍ، بالقرب من إحدى السفن الراسية، لترسل المديرية زورقاً لاستكشاف الأمر، عثُر على جثة طفل وبدأت جثث الضحايا بالظهور شيئاً فشيئاً، إنها الحكاية التي لا تنتهي، حكاية الغرق والهجرة والموت قبل الوصول، جثث آلاف الغرقى الهائمة في مياه البحار، المستقرة في قعره أو في أحشاء أسماكه، قصة المهاجرين غير الشرعيين من دول العالم الثالث، لا تتوقف عن تصدر نشرات الأخبار لتكون في أعلى قائمة المآسي المستمرة. 

الزورق الذي حمل مهاجرين لبنانيين وسوريين وفلسطينيين، لم تغرقه مياه البحر وحسب، بل أغرقه فساد السياسيين في لبنان وديكتاتورية النظام في سوريا. قبل أن نتهم البحر يجب أن نشير إلى القاتل الرئيسي، اللبنانيون والسوريون هم ضحايا حكوماتهم، التي ما فتئت تحاول تأجيج الصراع العنصري بين الشعبين، في محاولة لتغطية فشلها الذريع، وهما شعبان للمصادفة غارقان في مياه الفساد السياسي والطائفي والمصالح الشخصية.

وبحسب شهادات الناجين، انطلق الزورق يوم الثلاثاء الماضي، من شاطئ المنية في شمال لبنان، متجهاً إلى إيطاليا، وعلى متنه حوالى 150 شخصاً من بينهم أطفال، وبسبب الحمولة التي تفوق قدرته الاستيعابية دخلت المياه إلى الزورق وفقد توازنه، ومن ثم غرق فجرفته المياه إلى السواحل السورية، ليسارع الجانب السوري في محاولات البحث عن ناجين وانتشال الجثث،.وشارك في عمليات الإنقاذ صيادون سوريون والدفاع المدني وأهالي محافظة طرطوس، ونُقِل الناجون إلى مستشفى الباسل في مدينة طرطوس، حيث تم تقديم الإسعافات اللازمة، بينما وضِع البعض في العناية المشددة. وبحسب وزارة النقل السورية فإن غالبية الضحايا والناجين عُثر عليهم قرب جزيرة أرواد، ومنهم وُجِد عند شواطئ عمريت والمنطار وغيرهما. يذكر أن عمليات البحث توقفت بسبب سوء الأحوال الجوية، والخطر على طواقم الإنقاذ، وقد أعلن مدير عام الموانئ البحرية العميد سامر قبرصي لإذاعة “شام أف أم” أن عدد الضحايا وصل إلى 43 شخصاً، بينما تم العثور على 19 ناجياً، ولا تزال عمليات البحث مستمرة، أي أنه لا يزال أكثر من 70 رجل وامرأة وطفل بحكم المفقودين، والذين قد لا يحصلون على فرصة لانتشال جثثهم حتى.

تأتي هذه الكارثة فيما لم ينسَ اللبنانيون حادثة غرق الزورق قبال سواحل طرابلس، في نيسان/ أبريل الفائت وسقوط ضحايا، وكان اتهم الجيش اللبناني في إغراقه، لتأتي هذه الكارثة الجديدة لاستكمال حالة العجز وفقدان الأمل التي يعيشها اللبنانيون ويعتقدون، مخطئين، أن البحر أكثر رحمة، ليتواطأ البحر مع حكومتهم والسياسيين الذين يتفرجون على أرواح الأطفال والعائلات وهي تخرج من أجسادهم، ملقين اللوم على المياه والجهل والناس، دون أن يأتوا على ذكر أنفسهم. إنه الخوف ذاته يربط السوريين واللبنانيين ويعري كذب المنظومتين السياسيتين، الزورقين خرجا من مدينة طرابلس، مدينة على شفى الانهيار وناسها من لبنانيين ولاجئين يعيش معظمهم تحت خط الفقر، فيما أعنياؤها ينأون بأنفسهم عن وجعها وعن مأساة القوارب غير الشرعية.

في الكارثة الأولى حاول الجيش اللبناني تحميل الزورق سبب الغرق، واليوم سيحصل الأمر ذاته، سيقولون، كيف تخرجون بأطفال لم يتجاوزوا بضع سنوات إلى عرض البحر؟ كيف تقبلون ركوب زورق يحمل أضعاف حمولته؟ سيسأل المنظّرون والسياسيون: كيف تركبون قوارب الموت؟ وكأن لدى هؤلاء خياراً آخر! 

في الحقيقة، إن الحكومات هي المسؤولة عن تهجير  هؤلاء الضحايا وسقوطها في لحظة الفرار الخائبة، فكما تقول الشاعرة وارسان شاير “لا أحد يغادر وطنه، إلّا إذا صار الوطن فك قرش قاتل”، والمهاجرون جربوا كيف يغرس قرشٌ أسنانه في لحم أجسادهم وهم في منازلهم، إنه قرش الخوف والجوع والفقر، يشاهدون السياسيين يتبجحون بوعود عن مستقبل أفضل وحياة كريمة، نعم لقد صار الوطن فك قرش، وجهنم تحرق نارها أرواح سكانها، والبحر ما هو إلا محاولة لإطفاء هذه النيران لولا أنه يخذل الملتجئين إليه أيضاً.

إلقاء اللوم على الضحايا، وتحميلهم مسؤولية موتهم وعائلاتهم، هو تحايل على الاعتراف بما يحصل على أرض الواقع، من تجويع للشعبين الجارين، إذ لا فرق بين مهاجر سوري وآخر لبناني يحاول كل منهما عيش حياة كريمة وانتشال أبنائه من مستنقع الفقر والطائفية والديكتاتورية. 

حادثة غرق الزورق تعرّي كل التصريحات العنصرية التي تبجح بها سياسيون لبنانيون ضد اللاجئين السوريين، إذ أن سياستهم ذاتها هي التي دفعت اللبنانيين ليتحولوا إلى مهاجرين ولاجئين، وبحسب التصريحات الرسمية السورية لم يبلّغ الجانب اللبناني الحكومة السورية عن فقدان القارب، إنما أجريت اتصالات لاحقاً بين الجانبين بعد الحادثة، في بلاد لا تكترث لشعوبها إلا إذا مات أفرادها بطريقة مأساوية تستوجب تبرير موت بهذا الحجم.

يعلم اللبنانيون والسوريون اليوم، أن هذه الكارثة لن تكون الأخيرة، ففي الوقت ذاته، تعطل محرك قارب قبالة سواحل اليونان، على متنه 55 مهاجراً سورياً ولبنانياً وفلسطينياً، وفُقِد الاتصال به منذ ثلاثة أيام، فهل غرق أيضاً ذلك المركب أم أنه وصل إلى بر الأمان المفترض؟ وبينما يحلم الآلاف بلحظة الوصول إلى أي أرض يجدون فيها أقل الشروط الإنسانية، يغرق آخرون معتقدين أنهم اقتربوا من تلك البلاد، بلاد الحلم المستحيل.

إقرأوا أيضاً: