fbpx

عن عراقيات خبرن ما تعرضت له مهسا أميني

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

ما يحدث في إيران، ليس حرباً ضد الحجاب، بل ضد الوجه الآخر منه، ذلك الذي يمكن ان يقتل ويرجم. انها حرب ضد كل من يحاول أن ينتزع الحرية مثلما ينتزع القلب من الاحشاء بقسوة حيوانية. إنها حرب من أجل أبسط الحقوق الآدمية، أن تقرر المرأة، هي بنفسها، ما ترتديه، من دون ان تقتل، فهل هذا ممكن؟  

لم تكن تعلم، جارتنا التي تحتفظ بركن صغير في منزلها كصالون تجميل، لإيواء النساء وتجميلهن بمساحيق رديئة المنشأ، أن أمراً بسيطاً، سيقتلها مع ابنتها، التي لا يحضرني اسمها الآن، ولكنني، لم أنسَ يوماً جمالها الذي يشبه “الروسيات” كما يقول والدي، حين يريد أن يرتب الجمال في أعلى درجاته. كانت طويلة، ولها خطوات مميزة وبارزة، شعر يشبه الاكسسوارات الذهبية التي تضعها حول عنقها وعلى امتداد اذنها، وثياب ملونة وجريئة، اقول جريئة، لأن أحداً لم يكن يجرؤ في تلك الفترة من عام 2006 على الاصطدام بالعصابات المتشددة في منطقتنا في بغداد التي حاصرت حياتنا وراحت تفرض علينا إيقاعها الرجعي والمتعصّب. 

كانت الفتاة الشقراء ترتدي ما يحلو لها، وتسير بقوة، غير آبهة بالأوامر الذكورية والدينية: ارتدي الحجاب، واتركي عنك هذه الثياب اللصيقة بجسدك. لم تسمعهم، تكررت التهديدات، لها ولوالدتها التي كانت مبتهجة بصغيرتها العشرينية، ومتباهية تسير معها في الحي، قبل أن يقرروا قتلهما معاً، في يوم رمضاني، قبل الإفطار بدقائق، في رسالة دموية لقمع نساء الحي، ومعه نساء العراق.

مهّدت تلك الحادثة لحوادث ستتكرر دون عناء التهديد حتى، فمن يهدد مرة بسلاحه، لن يحتاج أن يتعب نفسه ولسانه، بالطلب مجدداً. مع الوقت تحوّلت الصبايا في صفي المدرسي تدريجياً إلى الحجاب. في أحد الأيام وأثناء عودتي من المدرسة ومروري بـ”مثلّث برمودا” كما كنا نسميه، بسبب اختفاء الكثير من الناس على حواجز تلك المنطقة، تقدّم مني أحد المسلّحين وهمس طالباً مني ارتداء الحجاب، وذهب، ولم أجبه. في المرة الثانية، كان صوته أعلى. كانت قامته طويلة جداً، يضطر “المسكين” إلى ثني ساقه ليوصل صوته بشكل واضح: “ارتدي الحجاب افضل لك انت واخواتك”. 

خفت، فكّرت بوالديّ، خصوصاً والدتي التي لطالما اخبرتنا، حينما نطالع صورها في سبعينات وثمانينات العراق، الشعر المتطاير، والملابس المتنوعة، والحياة المدنية التي تترك هامشاً كبيراً للحرية الشخصية. ثم تتحسر على أن الحياة تغيرت بعد انتشار المتطرفين والدعاوى الاسلامية وخطب الجمعة “المسموعة” والتحريض. وهكذا تسلل الخوف إلينا. كان هذا الشعور الذي جعلني، عند التهديد الثالث، وتخييري بين الحجاب أو قتل أحد أهلي، أختار الحجاب أنا وأخواتي. وخشينا إخبار والدينا بهذا الشيء، لأننا لا نضمن رد فعل أمي، التي كانت بشخصيتها الثورة تقف دائماً  في وجه المسلحين، وتنهرهم في الشارع، ثم تأتي جارة موالية لتيارهم السياسي لتقول لماما: “أرادوا قتلك، لكنهم تذكروا انك انسانة طيبة ولا تقصدين ما تقولينه”. خشينا رد فعل مشابهة من أمنا، ترتّب علينا تبعات لا تحمد عقباها، فإما أن يقتلونا جميعنا، وإما ان يطردونا من بيتنا. أين نذهب؟ لا نملك سوى هذا المكان، وبغداد باكملها بركان مشتعل بحمم من الاقتتال والكراهية والتهجير. فكان الخيار الصعب، ان نرتدي الحجاب عند خروجنا من المنزل سراً ونخلعه عند عودتنا عند الباب، دون معرفة اهلنا. استمر هذا الوضع طويلاً، حتى عرفت أمي بالطبع، عرفت ولطمت وصرخت وبكت من القهر.

ما هو شعور الحرية؟ 

أعاد إليّ مشهد نزع النساء في إيران حجاباتهن، بعد مقتل مهسا أميني، وانتفاضهن على الظلم الإجباري وحكم الدين القمعي، شعور نزع الحجاب على باب البيت بعد المرور بحواجز المسلّحين. 

شعور غريب، مثل قشعريرة قرصة برد، تستمر لفترة من الزمن، تداهم روحك، قبل أن تتخلص من شعور الذنب الذي يواجهك كل يوم، انهم يحشون الذنب الواهم في قلبك دون ان تدري. 

فكرت ان شرطة الأخلاق التي تضرب نساء إيران بالهراوات وتزجّ بهن في المعتقلات، لها نفس وجوه الميليشيات التي سيطرت على أحياء بغداد في العام 2006. لهم الملامح ذاتها. من قتل مهسا أميني يشبه الميليشياوي الذي قتل جارتي وابنتها الجميلة.

أن تنتقم مما يؤذيك

الصدفة، جمعتني بعد سنين من نزعي الحجاب، بابنة عم ذلك الطويل الذي هددني، كان شعرها الطويل ينساب على كتفيها مثل ساعة رملية، اخبرتني انها ما زالت ترتدي الحجاب أمام ابن عمها وعائلتها، لكنها عند خروجها من الحي، تنزعه: “أشعر بفرح الانتقام وانا اقوم بكي شعري بمكوى الثياب واخبئه في حجابي كمن تخبّئ جريمة قبل ان انزعه في التاكسي مع العباءة”.

تتشابه المشاعر عبر الحدود حينما يحكمها فكر متطرف واحد وتبدو المشاهد وكأنها “ديجافو” واقعي مر عليك يوماً. تفكر بأن ما عشته يوماً ما -بشكل مؤقت- ما زالت نساء تعشنه بشكل يومي، في بلدان أخرى. حتى هنا، في العراق، وإن كان الحجاب ليس الزامياً، لم تستطع الدولة منع بعض المهيمنين على فرض قوالبهم الاجرامية، ومازالت مستمرة، وتظهر لنا بشكل مؤسف، بهيئة فيديوات لأساتذة، يمنعون دخول الطالبات بدون حجاب، او يضربونهن. وإذا تعرضت فتاة لتحرش أو قتل، سيكون التبرير للمجرم بـ”تستحق لانها سافرة ولم تحترم نفسها” وكأن السفور، هو محطة لإسقاط الحجة عن الظلم والقبح المجتمعي الذي لا ترممه مئات الأمتار من الحجاب ولو امتدت على طوال خارطة العراق. 

ما يحدث في إيران، ليس حرباً ضد الحجاب، بل ضد الوجه الآخر منه، ذلك الذي يمكن ان يقتل ويرجم. انها حرب ضد كل من يحاول أن ينتزع الحرية مثلما ينتزع القلب من الاحشاء بقسوة حيوانية. إنها حرب من أجل أبسط الحقوق الآدمية، أن تقرر المرأة، هي بنفسها، ما ترتديه، من دون ان تقتل، فهل هذا ممكن؟  

إقرأوا أيضاً: