fbpx

من التعبئة الجزئية إلى الحرب الشاملة:
هل يضغط بوتين على الزرّ المحرّم؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

كشفت الحرب في أوكرانيا عن عورات الجيش الروسي، إن على صعيد التدريب أو سلسلة القيادة أو الدعم اللوجستي أو القصور التكنولوجي أو غيرها، وعن آفتيّ الفساد وانعدام الكفاءة اللتين سبّبتا كوارث مروعة في حرب الشيشان الأولى.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

ماذا يعني مرسوم التعبئة الجزئية وعلامَ ينصّ تحديداً؟

ربما الوحيد الذي يملك الإجابة هو الذي وقّع على المرسوم، الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

البند السابع من المرسوم (بالروسية Ukaz) سرّي، وبحسب صحيفة نوفايا غازيتا المستقلة (توقّفت نسختها الورقية بُعيد بدء “العملية العسكرية الخاصة”، ثم هاجر صحافيوها وأعيد إطلاقها كموقع إلكتروني من العاصمة اللاتفية ريغا، وسحبت السلطات الروسية رخصتها في أوائل أيلول/ سبتمبر الحالي)، يلحظ البند السابع تجنيد مليون شخص في الجيش الروسي.

لا أحد يمكنه التأكد من دقة الرقم. على جاري العادة، الكرملين ينفي، وعلى جاري العادة الروسية أيضاً، المرسوم فيه نقاط مبهمة مفتوحة على التأويلات، وكذلك خطاب موقِّع المرسوم، حين أعلن التعبئة الجزئية، وأعطى مواصفات مَن تشملهم هذه التعبئة، من جنود الاحتياط ممن خدموا في القوات المسلحة، ولديهم بعض الاختصاصات العسكرية والخبرة ذات الصلة، فيما قال وزير الدفاع إن العدد المطلوب سيكون 300 ألف.

هل يقصدون بالاحتياط مَن كان جندياً محترفاً وقّع عقداً لمدة زمنية ثم ترك الجيش، أم أيضاً من كان في الخدمة العسكرية الإجبارية (مدتها سنة) ثم سُرِّح؟

على وسائل التواصل الاجتماعي، كتيليغرام، يمكن إيجاد فيديوهات من داخل الباصات التي تحمل المطلوبين إلى الخدمة، يظهر فيها المستدعون مستندات تؤكد إنهم لم يخدموا قطّ في الجيش.

كما أن نواباً في الدوما، من الحزب الحاكم، تحدثوا عن أخطاء في عملية الاستدعاء، منها استدعاء آباء لأطفال قاصرين في جمهورية ساخا في الشرق الأقصى السيبيري.

من الواضح أن كثيرين يرفضون التعبئة الجزئية، لكن القانون بات يعاقبهم بقسوة.

ثم ما المقصود ببعض الاختصاصات العسكرية والخبرة ذات الصلة؟

في العادة ذوو الاختصاصات يكونون من الضباط، فيما من المفترض أن تكون أعداد الجنود المطلوب منهم الالتحاق أكثر من أعداد الضباط والرتباء.

بكل الأحوال، وبعد يوم واحد من خطاب الرئيس الذي أعلن فيه التعبئة، وصلت أوراق الاستدعاء إلى الطيارين والموظفين في شركات طيران مثل Aeroflot وPobeda وS7 وNordwind، وعادةً في روسيا طيارو الشركات التجارية هم من احتياطي سلاح الجو، وكذلك تلقّى أوراق الاستدعاء موظفون في المطارات ومراقبو الملاحة الجوية.

والمعلوم أن شركات الطيران الروسية أوقفت رحلاتها الدولية، ومنذ تاريخ بدء الحرب في شباط/فبراير إلى اليوم، تم التركيز على الطيران والسياحة الداخليَّين، فأضيفت رحلات جوية وجرى إنشاء خطوط جديدة بين مختلف المدن والمناطق الروسية. ولكن الآن، مع اقتراب الشتاء، ستنخفض السياحة الداخلية كثيراً، ولن يعود هناك حاجة إلى كل هؤلاء الطيارين، وهذه الحجة ليست في صالح شركات الطيران، التي تحاول تحضير قوائم بأسماء من يمكن إعفاؤهم من الالتحاق.

أما مسألة الخبرة، فهذه أكثر إشكالية. الأعمال العسكرية التي شارك فيها جنود روس في السنين الماضية هي: الحرب في سوريا، منذ عام 2014، والحرب في جورجيا عام 2008، والتي استمرت أياماً قليلة، وقبل ذلك حربا الشيشان الأولى (1994-1996) والثانية (1999-2000) ثم الاضطرابات المختلفة في القوقاز (2000-2017) من دون أن ننسى مهام “حفظ السلام” في مناطق نزاع إقليم قره باغ وجمهوريتي أبخازيا وترانسنيستريا.

فهل أعطت هذه الأعمال العسكرية خبرة قتالية لـ300 ألف ممن يمكن استدعاؤهم؟؟ ناهيك عن قِدم بعض هذه الأعمال العسكرية، ما يعني التقدم في السن لمن شاركوا فيها.

يبدو أن التعبئة ستطال سكان المناطق (أو مَن بقي فيها) التي ستُضم الى الاتحاد الروسي بعد نجاح “الاستفتاء”، وكذلك سكان شبه جزيرة القرم، ومنهم التتار، الذين أبعدهم ستالين عنها الى آسيا الوسطى عام 1944، ولم يُسمح لهم بالعودة إلا عام 1989 (فيما باقي الأقليات التي اضطهدها ونفاها ستالين، كالشيشان والإنغوش وغيرها، سُمح لها بالعودة الى ديارها أيام نيكيتا خروتشوف).

ومع الحديث عن استدعاء نسب غير متفاوتة من أبناء الأقليات العرقية مقارنةً بالروس، فإن هذه الأقليات، التي تعيش عادةً في مناطق مهملة اقتصادياً وتنموياً، يشكّل الالتحاق بالجيش مورد رزق لأبنائها. والكثير من المجندين من الأقليات العرقية يوقّعون عقداً احترافياً مع الجيش الروسي إثر انتهاء خدمتهم العسكرية الالزامية، والملفت لمن يطّلع على أسماء الجنود القتلى في أوكرانيا على وسائل التواصل الاجتماعي (لم تعد وزارة الدفاع الروسية تنشر أعداد القتلى منذ آذار/مارس الماضي) أن من ضمن هذه الأسماء نسبة من الأقليات العرقية، مثل البوريات والقلميق والبشكير، أكبر من نسبتهم من عدد سكان الاتحاد الروسي.

من الواضح أن كثيرين يرفضون التعبئة الجزئية، لكن القانون بات يعاقبهم بقسوة. قبل ذلك، كان بإمكان الضابط في الجيش أن يرفض الخدمة في “العملية العسكرية الخاصة” ويرسل كتاباً خطياً الى قائد وحدته يشرح فيه رفضه. بعض الضباط أُبعدوا عن الجبهة ووُضعوا في السجن الإفرادي، وتعرضوا لضغوط لسحب رسائلهم. كذلك رفع جنود في الحرس الوطني، Rossgvardia، دعوى بداعي أن مهامهم تقتصر على الأراضي الروسية، وذهابهم الى أوكرانيا مخالف للقانون، لكن القضاء حكم ضدهم.

والمسألة أيضاً أبعد من طوابير السيارات على المعابر الحدودية مع فنلندا (لمن لديه تأشيرة) أو جورجيا وكازاخستان، أو تذاكر السفر الى اسطنبول أو دبي بخمسة آلاف دولار للوجهة الواحدة على الدرجة السياحية، وروسيا خسرت الكثير من الطاقات الشبابية منذ 24 شباط/ فبراير الماضي، ممن لجأوا الى تبيليسي ويريفان واسطنبول ودبي، خاصة في المجالات الابداعية والشركات الناشئة startups، ممن يمكنهم العمل من أي مكان في العالم، وكانوا نواة الاقتصاد الجديد في روسيا.

خسارة الأدمغة والطاقات يقابلها خسائر في ميدان المعركة.

لن ندخل في إحصاء هذه الخسائر، ولكن كانت هناك محاولة لتعويضها عبر تشكيل كتائب من المتطوعين من الجمهوريات والأقاليم المشكّلة للاتحاد الروسي، ثم بتقديم إغراءات للسجناء للالتحاق بـ”المرتزقة”، مقابل إعفائهم من محكومياتهم بعد ستة أشهر وبدلات مالية عالية، لكن الأكيد أن محاولات تعويض الخسائر لم تنجح، فهل تنجح عملية التعبئة “الجزئية”؟

كشفت الحرب في أوكرانيا عن عورات الجيش الروسي، إن على صعيد التدريب أو سلسلة القيادة أو الدعم اللوجستي أو القصور التكنولوجي أو غيرها، وعن آفتيّ الفساد وانعدام الكفاءة اللتين سبّبتا كوارث مروعة في حرب الشيشان الأولى.

فهل يمكن أن تنجح عملية التعبئة؟ كيف سيتم نقل من جرى استدعاؤهم وتدريبهم وتجهيزهم وإطعامهم وتسليحهم، قبل إرسالهم إلى الجبهة؟ وهل سيتم ارسالهم الى وحدات عسكرية موجودة على الجبهة، لسدّ النقص الناجم عن الاصابات، أم تشكيل وحدات عسكرية جديدة، وهذا أمر أصعب؟ وكم من الوقت ستستغرق هذه العملية، لتفادي أن يكونوا فقط لحماً للمَدافع puchechnoe miassa كما يقولون بالروسية، أو لتفادي تراجع مضطرد في المعنويات؟

في هذا الوقت، يزداد الجيش الأوكراني خبرة. يقوم هو أيضاً باستدعاء جنوده ويرسلهم إلى التدريب في بولونيا وانكلترا وغيرها، يتلقى المزيد من المدرعات الغربية والصواريخ عالية الدقة وأنظمة الدفاع الجوي المتطورة، وفي النهاية يقاتل على أرضه، فيما يقول خبراء أن مفاعيل التعبئة، إن جرت بشكل إحترافي ومدروس، لن تظهر على أرض المعركة قبل شباط/ فبراير 2023، أي بعد عام على بدء الحرب، فيما لا يمكن التكهن بتداعيات استدعاء 300 ألف (أو مليون) على الداخل الروسي.

فهل يملك فلاديمير فلاديميروفيتش بوتين ترف الوقت، أم ينفذ تهديده ويضغط على الزر المحرّم؟