fbpx

الذكاء الاصطناعي يحقّق حلم المتنبي: هل ولى زمن الكتابة البشرية؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

لا نتوقع من العالم ألا يصفق للآلة. لكن، على الأقل، نود لو يحفظ حقنا بالتردد ريثما نحاول ربط الشخصي بالعام كيلا يجول النص بعيداً عنا. نود لو يحفظ حقنا بالارتباك أمام عصف المشاعر. والارتعاش لإيجاد أبعاد جديدة للقصيدة.

استطاعت مبادرة ReRites الكندية أن تنجز، عبر الشاعر الرقمي دايفيد جايف جونسون أكثر من 4500 قصيدة، مؤلفة من نحو 700 سطر خلال سنة واحدة من 2017 حتى 2018. مبتكر الفكرة دقّق الأشعار لساعتين يومياً خلال هذه السنة، ولا يمكننا إنكار أن كاتب هذه الأشعار رقمي تماماً. ذكاء اصطناعي يكتب مستوحياً مما عرض عليه سابقاً من أعمال شعرية. وزعت هذه  القصائد على 12 ديواناً شعرياً أي ما يعادل إنتاج شاعر خلال عقود. فهل تنذر المبادرة بأن زمن الكتابة البشرية قد ولّى؟

“تقوم مجموعة من العلماء بتلقين الآلة وإدخال كميات هائلة من الداتا أو المعلومات اليها كي تستطيع إنتاج معلومات أخرى متعلقة بما تعلمته. كما تبنى خوارزميات لكل ذكاء اصطناعي ليتمرن عليها. مع تغير الخوارزميات والمعلومات المعطاة، يتغير النتاج الذي نحصل عليه”، يشرح خبير الذكاء الاصطناعي يامن رضوان لـ”درج”. 

المضحك أن عقلنا يعمل بالطريقة ذاتها. حتى أن الذكاء الاصطناعي ابتكر بناء على الشبكات العصبية في دماغ الإنسان. إلا أننا نحتاج لحياة كاملة لتعلم ما قد تتعلمه الالة بغضون سنوات أو حتى أيام معدودة. لكن هذا لا يعني أن الالات مثالية وأنها لا ترتكب أخطاء. يشرح رضوان عن هذا الموضوع،”تكمن قوة الذكاء الاصطناعي بالمنطق والسرعة. وهذا ما يميزه عن الدماغ البشري. لكن ذلك لا يعني أن لا نقاط ضعف لديه يتفوق الإنسان بها على الآلة. على سبيل المثال، يحتاج الذكاء الاصطناعي إلى كم هائل من المعلومات ليستطيع التعرف إلى قط. بينما تكفي الإنسان صورة واحدة عن قط ليتعرف إليه”.

عامل الوقت ليس الفارق الوحيد. التمويل أيضاً عقبة مهمة في عالم يستثمر في تعليم الآلة ويروج له أكثر مما يروج لتعليم الانسان. بيد أننا نحتاج لتمويل قد لا يفرق كثيراً عن الذي يحصل عليه تطوير الذكاء الاصطناعي حول العالم. عام 2021 وحده، بينما كان العالم يلملم اقتصاده المتهالك بعد الجائحة، خصص تمويل بما يقارب 39 مليار دولار أميركي لدعم المبادرات المتخصصة بتطوير الذكاء الصناعي حول العالم. 

يشكل الذكاء الإصطناعي عقبة جديدة أمام الكتّاب في عالم يهرول لتحسين الآلة التي أثبتت فعاليتها بأخذ تقريباً جميع أعمالنا متذرعاً بخلق فرص عمل جديدة لأن الآلة تحتاج مجهوداً بشرياً كي تتطور.

في أواخر كانون الأول/ ديسمبر من السنة ذاتها، أعلنت الحكومة الصينية عن مخطط للأعوام الخمسة القادمة تهدف عبره لرقمنة 70 في المئة من أكبر شركات الدولة. بيد أن الصين هي الرائدة عالميا بأكثر من 200 ألف روبوت يعملون بسوق العمل، إلا أنها بالمركز التاسع عالميا بنسبة الروبوتات “الموظفة” مقابل كل شخص. تتربع كوريا الشمالية على عرش هذه الدول بما يعادل “توظيف” ألف روبوت لكل عشرة آلاف موظف من البشر. 

على الرغم من أن معظم الروبوتات من بيجينغ الى وادي السيليكون تعمل بالقطاعات الصناعية إلا أنها سرعان ما ستندمج في الأوساط الثقافية مهددة اللمسة البشرية لريشة رسام وحق امتلاك المترجم لنصه.  ناهيك عن انحراف تام لتاريخيّ الشعر والأدب العالميين عن مسارهما البشري المعتاد معيداً كتابة كل ما لم نجرؤ نحن على كتابته: “خلال تاريخ البشرية، لم يحل التطور التكنولوجي أبدا مكان أي مهنة فنية. ما زال الفنانون يعدلون على عمل الذكاء الاصطناعي. يمكننا أن نقول أن الذكاء الاصطناعي، في وقتنا الحالي على الأقل، يزيد من انتاجية الفنانين ويحسن عملهم. جميع الاحتمالات مفتوحة للمستقبل. لكن أظن أن الذكاء الإصطناعي سيحل مكان الفنانين”، يكمل رضوان. 

يشكل الذكاء الإصطناعي عقبة جديدة أمام الكتّاب في عالم يهرول لتحسين الآلة التي أثبتت فعاليتها بأخذ تقريباً جميع أعمالنا متذرعاً بخلق فرص عمل جديدة لأن الآلة تحتاج مجهوداً بشرياً كي تتطور. لا نتوقع، ككتاب وصحافيين، أن يسير الزمن باتجاه معاكس. لا نتوقع أن يستعاض عن آلة سريعة ودقيقة ببطء. حفظُنا أبيات الشعر وارتباكُنا في مواجهة بياض الصفحة العارم واحتمال وقوعنا في الأخطاء، لا نريد للتطور أن يتوقف أو يبطئ قليلاً. من نحن حتى نطلب هكذا طلب؟ 

لا نتوقع من العالم ألا يصفق للآلة. لكن، على الأقل، نود لو يحفظ حقنا بالتردد ريثما نحاول ربط الشخصي بالعام كيلا يجول النص بعيداً عنا. نود لو يحفظ حقنا بالارتباك أمام عصف المشاعر. والارتعاش لإيجاد أبعاد جديدة للقصيدة. لن يهرع الذكاء الاصطناعي الى عائلته حاملاً ديوانه الأخير. لن يحتفل مع الأصدقاء بنشر مادة للمرة الأولى ولن يصفّق لنفسه عندما يُقبل المحرّر موضوع اقترحه. يهندم جملته وينتقي بعناية كل كلمة حفظها من المعجم، على الأرجح يعرفه كله عن ظهر قلب. سيتمكن من كتابة النص المثالي المتفلت من الزمان والمكان. عما قريب، سيعرف كل قصائد العصر العباسي ويكتب مثلها أو أفضل منها بينما نعلق نحن بمهزلة العقل البشري التي تقضي بألا نتمكن من كتابة الا ما يدور في فلكنا الضيق وما قد نفهمه من قراءات قديمة. 

هنا، تبرز ثنائية ساخرة بعض الشيء بين الروبوت الذي يكتب لزمن غير زمانه والمتنبي الذي “أراد من زمنه ذا أن يبلغه ما ليس يبلغه من نفسه الزمن”. بينما سعى أبو الطيب لتنفلت قصيدته من الزمان والمكان، بقي ديوانه حياً إلى أيامنا هذه. ومن يدري؟ ربما يكون المتنبي الجديد روبوتاً تتيح الداتا التي يتلقاها أن يعيش لغة سابقة تنتمي إلى زمان غير هذا الزمان، بينما يعيد الروبوت احياءها. لا أعتقد أن المتنبي تنبأ برجل آلي يحمل اسما أجنبيا أن يحقق حلمه. وتبرز أيضا مخاوف جديدة حول استمرار الإنتاج الثقافي بالكثافة ذاتها التي هي عليه اليوم. وان لم يستمر، ماذا سنلقن الذكاء الاصطناعي؟ 

يجيب رضوان: “المعلومات الموجودة محدودة الى حد ما، إلا أن الخوارزميات غير محدودة. نبتكر كل يوم خوارزميات جديدة. حتى أن الذكاء الاصطناعي لن يحتاج مدقق لغوي في المستقبل. وقد نستعيض عن المعلومات البشرية بأخرى من صنع الالة. لذاك، لا أعتقد أن النقص بالمعلومات سيكون مشكلة للذكاء الاصطناعي بالمستقبل”. 

لكن ذلك الجواب ليس الوحيد. قد يكون الأكثر عقلانية لكنه ليس الجواب الوحيد. خاصة في فني يقتات على المشاعر ينذر العلم أنه لن يتقدم الا على أيدي آلات تكمن نقطة قوتها المنطق المنزوع من العاطفة. من منظار شعري، كما كتب محمد ناصر الدين، في القرن الثلاثين، يقدح الرجال الآليون جماجمنا العتيقة متوسلين: 

“أيها الحمقى

أخبرونا 

كيف اخترعتم الحب 

وكيف وصفتم الوردة

يا هوميروس 

ويا بودلير 

ويا أيها البدو التائهون 

في صحراء العرب 

قولوا كلاماً مكسراً 

فوق الحديد 

خذوا الأرض إذا شئتم 

لكن بربكم 

أعيدوا لنا البكاء”. 

إقرأوا أيضاً: