مخيّم نهر البارد… حيث يموت الفلسطينيون جوعاً وقهراً وبمراكب الهجرة!

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

"لماذا هاجرت؟ لأنني عاطل من العمل منذ 5 سنوات، علمت بأمر الرحلة من شخص في المخيم يدعى أسامة النافذ عن طريق رجل يدعى أبو علي نديم. لقد مات أسامة مع زوجته وأولاده. لقد كان يقودنا جميعاً إلى الموت دون أن يدري".

أنهى أهالي مخيم نهر البارد تشييع أول جثمانين من ضحايا قارب طرطوس وأعلنوا إقامة عزاء مفتوح، إلى حين وصول آخر جثمان فلسطيني ممن كانوا على متن القارب. وتوزّعت الأدوار بين من اتخذ من معبر العريضة الحدودي مسكناً له إلى حين وصول الضحايا، وبين من يزور الناجين لتقديم المساعدة، فيما يحضّر آخرون لترتيبات التشييع والدفن.

يلفّ الحزن المخيّم، فإضافة إلى الأوضاع الإنسانية الصعبة يضطر أهله إلى اللجوء إلى مراكب هشّة ويموتون في عرض البحر. فالمركب الأخير الذي انطلق من طرابلس وغرق في بحر طرطوس كان يحمل على متنه نحو 160 راكباً من لبنانيين وسوريين وفلسطينيين، لجأوا إلى البحر لعلّه ينقذهم من الفقر والنسيان، إلا أن أكثر من 100 شخص منهم قضوا بالفعل.

يقع مخيم نهر البارد على مسافة 16 كيلومتراً من طرابلس بالقرب من الطريق الساحلي في شمال لبنان. وكانت أسسته عصبة جمعيات الصليب الأحمر عام 1949 لإيواء اللاجئين الفلسطينيين من منطقة بحيرة الحولة شمال فلسطين. 

أدى موقع نهر البارد القريب من الحدود السورية مع لبنان، إلى جعل المخيم مركزاً اقتصادياً للبنانيين في منطقة عكار حيث يقع. 

في منتصف عام 2007، ونتيجة النزاع الذي دار بين الجيش اللبناني ومجموعة فتح الإسلام، التي اتخذت المخيم مقراً لها، تمّ تشريد ما يقارب 27000 لاجئ فلسطيني من مخيم نهر البارد ومن المناطق المحيطة به في شمال لبنان.

تعرّض المخيم للقصف بالمدفعية الثقيلة والقنابل الجوية خلال حصار امتد ثلاثة أشهر. ونحو 95 في المئة من المباني والبنية التحتية قد دمّرت تماماً أو تضررت بشكل يتعذر إصلاحه، ما أجبر السكان على النزوح إلى مخيم البداوي المجاور.

أعادت حادثة مركب طرطوس الذي كان على متنه ما لا يقل عن 150 مهاجراً غير شرعي من بينهم حوالى 50 فلسطينياً من مخيم نهر البارد، هذا المخيم  إلى الواجهة، ووجد أهله في ذلك فرصة للصراخ بصوت عال بسبب كل ما مروا به منذ معركة نهر البارد عام 2007 إلى اليوم . وهذا ما حاول أن يقوله قريب أحد ضحايا القارب غير الشرعي الذي غرق في طرطوس، “نحن بشر، نحن مش ارقام، صرلنا سنين ساكتين بس هالمرة ما رح نسكت”.  

يقول ابراهيم منصور وهو أحد أبناء المخيم الناجين من القارب: “لماذا هاجرت؟ لأنني عاطل من العمل منذ 5 سنوات، أريد أن أتزوج ولا أستطيع لأنني بلا عمل، لم أجد خياراً آخر. علمت  بأمر الرحلة  من شخص في المخيم يدعى أسامة النافذ عن طريق رجل يدعى أبو علي نديم. لقد مات أسامة مع زوجته وأولاده .لقد كان يقودنا جميعاً إلى الموت دون أن يدري. بقيت في المياه 46 ساعة، كنت أفكر بأمي أتخيلها أمامي حين أفقد الأمل. لقد نجوت من الموت وعدت إلى السجن الكبير الذي ولدت فيه، عدت إلى نهر البارد مجدداً، لطالما كنت أنظر إلى المخيم على أنه مقبرة للاحلام، لكنني حين كنت في المياه لم أكن أريد شيئاً سوى العودة إليه”.

من البدهي أن يتأثر سكان المخيم بالأحوال الاقتصادية الصعبة التي يمر بها لبنان لكنهم يشتكون أيضاً من معاملة منظمة الانروا معهم ويتهمونها بالإجحاف في حقهم مادياً وصحياً وتربوياً، ويشكون من بطش الفصائل الفلسطينية في الداخل وأسلوب التعالي الذي يمارسه قياديو هذه الفصائل داخل المخيم على عامة الفلسطينيين، ناهيك بتضييق السلطات اللبنانية الخناق على المخيم بعد معركة الـ2007، عبر الحواجز الأمنية على أبوابه وخضوع الداخلين إليه والخارجين منه للتفتيش. وهي عوامل اجتمعت كلها لتشجّع العشرات على اللجوء إلى المراكب غير الشرعية، بحثاً عن أمل أو حياة أفضل. 

يقول أحد سكان المخيم، “كل شيء تغير في المخيم بعد الـ2007، منازلنا وشوارعنا وحياتنا الخاصة وحقنا في التنقل بحرية، حتى أزقة المخيم تغيرت، لقد انتهى نهر البارد مع أول طلقة نار أطلقت في حرب 2007، دفعنا ثمن حرب لا ناقة لنا فيها ولا جمل، واليوم وبعد مرور 15 عاماً على تهجيرنا من المخيم بسبب الحرب ها نحن اليوم نهاجر مع أطفالنا وزوجاتنا في البحر إلى غير رجعة. لا أريد المال في أوروبا ولا أريد الجنسية الأوروبية  كل ما أريده أن أستطيع تأمين حبة دواء لابني إذا ارتفعت حرارته”. ويضيف: “مراكب الهجرة تنطلق بشكل يومي من الشمال وكل مركب يحمل على متنه يومياً ما لا يقل عن 10 فلسطينيين من البارد وطوال هذه المدة لم ألتقِ أياً من أبناء قياديي الفصائل الفلسطينية في المخيمات من بين المهاجرين”.

“يحبون الرتب والاحتفالات والمناصب ويبيعوننا كلاماً معسولاً عن تحرير فلسطين والعودة إليها، نحن نحب فلسطين أكثر منهم ونحن من يتجرع السم في قفص اسمه المخيم، الفصائل متآمرة علينا والانروا أيضاً. نحمل بطاقة زرقاء لنستفيد من مساعداتها ولا نرى من هذه المساعدات إلا القليل فيا مرحباً بالموت في عرض البحر أمام المأساة التي نعيشها هنا”.

معظم سكان المخيم يعيشون في منازل مستأجرة، فيما يعاني شبابه من ظاهرة البطالة، برغم أن غالبيتهم جامعيون وبعضهم متفوق.. ويعاني كثيرون من السرطان وأمراض مستعصية أخرى ويواجهون صعوبة في تأمين العلاج، فضلاً عن انتشار الإدمان على المخدرات، لا سيما بين القصّر بسبب اليأس.

كما أن المياه التي تصل إلى البيوت مالحة، والكهرباء لا تأتي، إذ تنقطع شهوراً متتالية في بعض الأحيان، فيما تفوق تكلفة الاشتراك في المولد الكهربائي قدرة الأهالي.

قبل عام 2007، كان أهالي مخيم نهر البارد يشتهرون بنشاطهم التجاري، وكان المخيم عبارة عن سوق ضخم للخضار، المواد الغذائية، مواد البناء، محلات الذهب، الثياب وغيرها، وكان محطة لأهل المنية والضنية وعكار والبداوي وغيرها من المناطق. غير أن هذا كله، لم يعد موجوداً، وسكان المخيم الأصليون، تقلصوا إلى النصف، فيما يُمنع الدخول اليه لغير أهله، ما قلل الحركة التجارية، وزاد تردي الوضع الاقتصادي فيه، في ظل تقصير المعنيين وتتقلّص المساعدات.

وعن دور الدولة اللبنانية في النظر إلى حال المخيم تقول الكاتبة الصحافية الفلسطينية لجين العبسي: “الدولة اللبنانية خنقت اللاجئين الفلسطينيين مع منعهم منذ عام 1948 من العمل في عشرات المهن، إلى منعهم من التملك وشراء العقارات. ضيقت على الفلسطينيين سبل العيش الكريم وحصرتهم في مخيمات غير صالحة للعيش. تتعامل السلطات اللبنانية مع المخيمات الفلسطينية بنظرة أمنية بحتة بعيداً من الشأن الاجتماعي والإنساني”. 

لذلك لم يعد أمام اللاجئ الفلسطيني ومثله المواطن اللبناني الذي تم إفقاره، سوى العيش في ضنك والموت البطيء، أو المخاطرة بحياته من أجل رحلة في البحر، لا يمكن تحديد نهايتها.

لم تترك الأحوال الاقتصادية التي تمر بها البلاد خياراً آخر أمام اللاجئين الفلسطينيين في مخيم نهر البارد. وعلى الرغم من المقابر التي فتحت على مصراعيها مؤخراً بسبب قارب الموت إلا أن حركة الهجرة  في أوساط المخيم لم تتوقف، فمنهم من رأى في الموت حرية أكثر من القيود التي تكبله داخل المخيم ومنهم من يحلم بالوصول إلى أوروبا ونيل الجنسية لزيارة فلسطين ومنهم من عاد إلى المخيم بصندوق خشبي محمول على الأكتاف، وكان سبباً في أن يرفع أهل مخيمه الصوت مجدداً قائلين “إحنا مش مجرد رقم”.

في المقابل، صرح المسؤول الإعلامي في “مجموعة العمل أجل فلسطينيي سوريا” فايز أبو عيد أن “قوات النظام السوري احتجزت عدداً غير معروف من فلسطينيي سوريا، الناجين من القارب، بعد نقلهم إلى مستشفى الباسل في طرطوس، اقتيد المحتجزون إلى مكان مجهول للتحقيق معهم بذريعة معارضة النظام ولدواع أمنية أخرى، إضافة إلى أن النظام السوري يتكتم بشكل كبير على مصير المحتجزين، فيما لم تُعرف أسباب اعتقالهم”. فإلى الأوضاع المعيشية الصعبة والقوارب غير الشرعية، هل يكون على اللاجئين تحمّل خطر الاعتقال وبطش النظام السوري أيضاً؟

وبحسب الأمم المتحدة، فإن 38 مركبا على الأقل يقل أكثر من 1500 شخص غادر لبنان أو حاول الانطلاق منه بشكل غير شرعي بحراً بين كانون الثاني/ يناير وتشرين الثاني/ نوفمبر 2021.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

الأكثر قراءة

مجتمع التحقق العربي
يستخدم مؤيدو القوى العراقية الشيعية مجموعات “فايسبوك” وتطبيق “تليغرام” في حشد الأنصار للمشاركة في الأحداث على الأرض وأيضاً من أجل الحملات الإلكترونية.
Play Video
هل أصبحنا أمام شرطة أخلاقية جديدة ومحاكم تفتيش تراجع حال كل عمل فني وكاتب ومبدع؟

4:37

Play Video
مصطفى الأعصر كاتب وباحث مصري، شارك في التظاهرات الاحتجاجية خلال الثورة المصرية ثم أعتقل وبقي في السجن دون محاكمة ثلاث سنوات. زامله في الاعتقال شادي حبش مخرج أغنية “بلحة” التي مُنعت بسبب انتقادها الرئيس المصري.

3:47

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني