fbpx

“الطنبورة” و”السمسمية” في بورسعيد:
حين ينتشلنا الفن الشعبي من العنف والطبقية

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

فاعلية حضور الفن الشعبي، بالنسبة إلى بورسعيد أو غيرها، هو أمل الناس القائم في عصر الحداثة المحاصر، بأن يتعرضوا لاحتمالات الخروج عن السياق، بعيدًا من حيّز الحرية المحكوم بالقدرة المادية والاحتماء المسوّر، وأن يكون للجميع فرصة في الانبساط، ولو حتى في ترديد أغنية شعبية دون الخوف من عيون مترّصدة. 

تشهد مدينة بورسعيد، مثل مدن كثيرة في مصر خلال العام الجاري، حوادث واعتداءات مخيفة. في مطلع 2022، قتل رجل ابنه بعدما رفض أن يشتري له عقاراً مخدّراً، ومنذ أشهر قليلة لاقى شاب في عمر الثامنة عشر مصرعه أثناء شجار في الشارع، ومنذ أيام قليلة، اعتدى أحدهم على أخته التي تعيش بمفردها، ذبحها في مدخل البيت وفصل رأسها عن جسدها. 

منذ فترة قريبة وأنا أتمشى في أحد الشوارع الرئيسية في المدينة، فوجئت ببضع أشخاص وقفوا في منتصف أحد الحدائق العامة المليئة بأشخاص وعائلات جالسين قريبًا من البحر طمعًا في نسمة هواء حانية،  أخرج كل واحد آلته، دوزنها وضبطها، وبدأوا العزف دون الالتفات إلى أحد حولهم. خلال دقائق قليلة، أحاطتهم دوائر متتالية، منهم مشّاؤون مثلي، لاحظوا الحدث بالصدفة، وانضمّوا لمشاركة المرح، ومنهم أرباب وربّات عائلات وأطفالهم اقتربوا. بدا العازفون مركزاً يستقطب ويسحب كل محيطه للمشاركة في التصفيق والغناء والرقص. 

ما بين انتشار العنف في الشوارع، وبصورة أكثر وحشية ضد الإناث في بيوتهن وفي الخارج، وبين تمسك المدن بتراثها الشعبي الغنائي والراقص. كيف يتشكّل التراث دون أن ندري ؟ وكيف يقاوم القمع والعنف، على اختلاف أشكالهما، ويحمينا ولو مؤقتًا من خوف كبير يتصاعد في شوارع المدن ؟

انتقلت آلة “الطنبورة” من النوبة إلى بورسعيد قبل نشوء المدينة من خلال عمّال النوبة الوافدين للعمل في حفر القناة. لأن كثير من العمّال اختار البقاء وتعمير المكان، انتقل التراث النوبي إلى بورسعيد تدريجيًا، من خلال الاعتماد على الآلة بشكل أساسي، وبمرور الوقت، بعد تعمير المدينة وبسبب تنوع الثقافات المختلفة الوافدة إليها، كُتبت أغنيات جديدة، وبدأت في تكوين تراثها الخاص. 

وفي ثلاثينيات القرن العشرين، تم تصنيع آلة “السمسمية” اعتمادًا على هيكل الطنبورة الخارجي نفسه. بدت آلة “السمسمية” في هيئة أصغر. انتشرت الآلة الجديدة اولًا في مدن القنال الأخرى، خاصة السويس، ثم انتقلت إلى بورسعيد وبدأت في إضافة عنصر جديد، أكثر أصالة، وأغنيات جديدة تعبر عن الحياة اليومية للناس. 

بدأ جيل “السمسمية” الأول في التلاشي خلال حقبة الثمانينيات من القرن الماضي، ويعود ذلك إلى أسباب عدة، أهمها تفسّخ الكيان الناصري التعاوني للطبقات المجتمعية، وصعود مفردات الخصخصة والمنافسة والإرتقاء المادي. 

ظهرت القيمة المركزية لتراث “السمسمية” في بورسعيد خلال العدوان الثلاثي على مصر في 1956، ونكسة 1967. بسبب أن بورسعيد كانت إحدى المدن التي تعرضت للقصف، تشكّلت السمسمية وأغانيها كأداة فاعلة في المقاومة الشعبية. كانت أغنية “غنى يا سمسمية…لرصاص البندقية” إحدى علامات المقاومة على خط مدن القنال.

يشير كتاب ” british culture studies “ إلى أحد تعريفات التراث الشعبي، باعتباره “موقعًا لمعاينة الحياة اليومية، وكذلك العلاقة مع السلطة التي تحدّد بُنية شكل الحياة اليومية في المجتمع”. 

شكلت “السمسمية” وبلورت بعداً ناقصاً في العلاقة بين الفرد والمكان، وبشكل إضافي واستثنائي خلقت إمكانية الالتزام السياسي، وتحويله إلى أداة فاعلة، من دون الحاجة إلى وعي سياسي قائم على اشتباك معرفي أو ثقافي. 

يتجلى تأثير نشوء “السمسمية”، ووصولها إلى الذروة خلال مرحلة المقاومة، لا زالت هناك أغنيات متداولة، يعرفها شباب صِغار، وكذلك تظل “السمسمية” وذاكرتها الفارقة ممكن استدعائها خلال أي نقاش دارج على المقهى. بشكل ما، اختصر الفن الشعبي الشكل الفردي والأكاديمي لكتابة التاريخ وجعله حكاية متداولة. 

في سياق مماثل، وهو أكثر أهمّية، يعتمد الشعب الفلسطيني النبيل على التراث كأداة للمقاومة من خلال الرقص والغناء. يتم إدراج “الدبكة الشعبية” في الأعراس على اختلاف أنواعها، وعزف “البرغول” إحدى أخوات آلة الناي، ويُطلق عليها الفلسطينيون “آلة الفقراء” لأنها تُصنع من خلال البوص المنتشر في البرية هناك.

اتصال حر وحميمي بين الناس

بدأ جيل “السمسمية” الأول في التلاشي خلال حقبة الثمانينيات من القرن الماضي، ويعود ذلك إلى أسباب عدة، أهمها تفسّخ الكيان الناصري التعاوني للطبقات المجتمعية، وصعود مفردات الخصخصة والمنافسة والإرتقاء المادي. 

الطابع الفردي للمرحلة وفتح السوق التجاري في المدينة، ساعدا في حصر التراث الذي خلق لهذه المدينة ذاكرة شعبية بديلة. والتراث الشعبي بدوره هو نشاط جماعي، يتجاوز الشكل الطبقي وسياقات الإنتاج والاستهلاك، يقوم أولًا وأخيرًا على محاكاة هيكل ثقافي جماعي، ويتم، من خلال هذه المحاكاة، انتاج فن يقوم على هموم الناس، على اختلافاتها، وعلى مدى المرونة في إعادة إنتاج المفردات التراثية الشعبية بصورة معاصرة، من دون أن تكون هناك ضرورة إلى الدخول في مسارات الإنتاج المؤسسي وحسبة التكلفة والربح. 

في 1989، فكّر “الريس” زكريا ابراهيم في لملمة ما تبقى من الذاكرة الشعبية لتراث “السمسمية”، قام بجمع ما تبقى من كبار جيل السمسمية الأول، وعمل على تكوين فريق بجهود ذاتية، يشمل حافظي الأغنيات التراثية القديمة وعازفي آلتي السمسمية والطنبورة، وكذلك مجموعة من الشباب الجدد لخلق علاقة ربط بين مختلف الأجيال. 

دأب فريق “الطنبورة” منذ نشوئه على قاعدة “الإتصال الحر والحميمي بين الناس”. كانت السنوات الأولى للفريق دون أي طموح ربحي، وتحت قاعدة عمومية، توجب أن الفن الذي خلقته المدينة يبقى لناسها. 

لم تكن هناك حاجة لحفلات دورية كي تنتشر الطنبورة، لأنها دائمًا حاضرة في كل المناسبات العائلية على اختلاف الحيّز الطبقي. يقول أحد الأعضاء الاوائل للفرقة في فيلم “نوح الحمام” الذي وثّق لتاريخ الطنبورة “لما تعمل حفلة لصاحب أو إبن، يخليك تغني وترقص من القلب، والناس حولك يحبوها قوي”.

ما حدث تحديدًا، هو خلق هذه الحالة الحميمية الخارجة عن إطار الإنتاج، والتي تقاومه بشكل ما، لنثر حالة من مجّانية السعادة التي بدأت كذلك، ثم جرى تسليعها لاحقاً. كانت الأفراح في المدينة، خلال مرحلتي الثمانينيات والتسعينات، يتحدد انتشارها على القدرة المالية، أي مطرب شعبي سيأتي ؟ وما هي مساحة العُرس، وهل سيكون هناك طعام وشراب للمعازيم ؟ 

السمسمية، بدورها الشعبي، كسرت كل هذه الحيثيات. يشرح الأستاذ عاصم كمال، ثمانيني حضر “السمسمية” منذ نشوئها ويحتفظ بتاريخ المدينة في رأسه: ” لم تكن هناك مسؤوليات وهموم تجاه مناسبة في بيتك، الموضوع بسيط. أصحاب المناسبة والجيران يُخرِجون الكراسي إلى الشوارع، يجلس الجميع في دائرة حول عازف سمسمية، إما يأتي مجانًا لمباركة المناسبة، أو بثمن رخيص مجاملة من أحد القادرين إن كان أهل المناسبة فُقراء، نجلس ونغنّي وكل الناس واجب عليهم المشاركة بالغناء. تراث السمسمية كبير وينفع في أي حدث، به أغاني عن الحرب والغربة والحب والزواج”.

الحلقة التي يتحدث عنها عاصم كمال تُسمي في القاموس الشعبي للتراث “الضمّة” أي ينضم الناس متجاورين حول العازفين والمطربين، وتكون الجلسة الجميلة الصافية، المليئة بالغِناء والمشاركة هي جلسة “حظّ” أي جلسة مزاج وتجلّي للجميع.

إقرأوا أيضاً:

ما ينتجه الناس لأنفسهم وبأنفسهم 

بعد أن اشتهرت فرقة “الطنبورة” في منتصف التسعينيات، وحصلت على دعم من مؤسسة فورد، قدمت عدّة عروض في مختلف أنحاء العالم، فرنسا وبلجيكا وتونس، وبلاد أخرى، ولها الآن حفلة دورية في القاهرة، بجوار حفلة ثابتة يوم الجمعة من كل أسبوع في بورسعيد. 

رغم شهرة الفرقة، يظل لكل فرد من أفرادها عمله الخاص، حتى لا يتداخل الهم الوجداني والالتزام الفنّي مع هوس التحقق المادي والتعرّض لأجندة الدعم الخارجية، وحتى الآن تظل الحفلة في بورسعيد دون أي رسوم، كل ما عليك هو أن تسحب كرسياً وتجلس، تختار لنفسك مشروباً بسعر رخيص، تغنّي وترقص بين الناس مع الفرقة التي يتوهّج شاطيء البحر بالمرح من خلالها. 

يذكر كتاب “الكرنفال- في الثقافة الشعبية” أن مفهوم الشعبي في الثقافة يقوم على خلق أو إعادة إحياء تراثٍ ماضٍ خارج إطار مؤسسي، وغالبًا يعتمد على التداول الشفهي. من ناحية أخرى، يقوم التراث من ناحية التبلور على الانتاج الذاتي، أي ما ينتجه الناس لأنفسهم وبأنفسهم. 

بعيدًا من مفاهيم “الرقي” وهوس “الفردية”، تعمل “السمسمية”، ربما بصورة لا واعية، على استقطاب جزئيّ لمفاهيم كونية، تتعلق بالتعاون وتبادل الإلتزام الإنساني وصدّ التوجهات السياسية والدينية، والأهم، استبدال نتاجات القمع السلطوي الحاصل. 

لا تزال بورسعيد مدينة محافظة، يسير الحبيبان فيها على استحياء من أي عنف لفظي، وربما لو تشجّعت وتمشيت على شاطيء المدينة، تجد أحدهم يعترض لكِ بتهكّم واستباق للعنف، لا تخلو أيام المرأة في المدينة من احتمالات التحرش اللفظي. لا يزال جلوس المرأة على المقهى حدث يتأفف منه الذكور الجالسين، ناهيك طبعًا عن صعوبة أن تدخّن إحداهن إلا في مكان تُسكته قيمة فاتورة الحساب الكبيرة، أو في وقت استثنائي يكون المقهى/ الكافيه فارغًا من الزبائن، وهناك أيضًا هاجس “السمعة” المتفشّي في المدينة بحكم حجمها الصغير وتكرار تلاقي الناس في ظروف مختلفة. 

تنأى الحفلة الأسبوعية لـ”السمسمية” بعيدًا عن كل هذه الأحكام. من البديهي، اذا كنت موجوداً/ة، أن تشارك/ي مع الفرقة الغناء. جارنا الذي يصرخ في ابنته يوميًا لأنها تأخرت ساعة في العمل، يعتاد حضور حفلات “السمسمية” مع عائلته، يشبك يده في يد ابنته ويرقصان بمرح طفولي جميل، وسكّان الأحياء الثرية والمتوسطة والفقيرة أحبّاء في أغنية واحدة، وذاكرة جماعية واحدة، رغم أن خلطة الناس المختلفة هذه، في أي ظروف مماثلة تخلو من حفلة السمسمية، تعكس على الغالب حقداً وتعالٍ وذكورية تطفح على بنات وسيدات العائلة. 

تظل “السمسمية”، كنموذج للثقافة والتراث الشعبي، حاضرة وقادرة على التجدد، لأنها نشأت واكتسبت صيتها الواسع من خلال الجماعية أولًا، يتشارك أعضاء الفرقة كل النشاطات، صاحب الصوت العادي لديه حق الغناء والمرح والرقص مثل مطربي الفرقة الرئيسيين، ولكل عضو في الفرقة أغنيته الخاصة التي يحتفظ بأدائها المميز، كذلك يتجدد “دم” الفريق دائمًا بالأجيال الجديدة، وهم عادة أبناء وأحفاد الجيل الأول الذي أدخل الآلة وكتب باكورة أغنياتها، ولا يزال الشرط القدسي لبقاء الفن قائماً، الانضمام إلى الفرقة لا يشمل أي دخل رئيسي، لكل واحد دخله الخاص من خلال وظيفة ثابتة أو صنعة يومية. 

فاعلية حضور الفن الشعبي، بالنسبة إلى بورسعيد أو غيرها، هو أمل الناس القائم في عصر الحداثة المحاصر، بأن يتعرضوا لاحتمالات الخروج عن السياق، بعيدًا من حيّز الحرية المحكوم بالقدرة المادية والاحتماء المسوّر، وأن يكون للجميع فرصة في الانبساط، ولو حتى في ترديد أغنية شعبية دون الخوف من عيون مترّصدة. 

إقرأوا أيضاً: