سجن صيدنايا السوري:
أسرارٌ جديدة عن أكثر معتقلات العالم رعباً

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!
TelegramWhatsApp

لا يعلم السجناء شيئاً عن موعد إعدامهم، إذ يتم ذلك في اليوم نفسه أو في اليوم التالي، أما في حالة السجون المدنية ينقل السجين إلى سجن صيدنايا حيث تتم عملية الإعدام، حتى بات من المتعارف عليه، أن النقل إلى سجن صيدنايا يعني صدور حكم إعدام بحق السجين.

منذ سنوات وأثناء مرورنا بعد زيارة دينية قمنا بها إلى سيدة صيدنايا، وهو مكان ديني مسيحي، لاحظتُ سوراً عالياً، سألتُ السائق: “هل هذا سور سجن صيدنايا”، فقال لي “نعم”، صمت الجميع يومها، ربما بسبب الخوف أو لأن لا شيء يقال، إذ كان غريباً أن تزور مكاناً دينياً، ثم تمر قرب أكثر الأماكن ظلماً في العالم، تركتُ الهواء القادم من النافذة يدخل في شعري، الهواء القريب من صرخات وآلام الآلاف هناك.

استعداد السجن لاستقبال المعتقلين بعد الثورة

هذا كل ما رأيته من سجن صيدنايا طوال عمري، لكن بعد سنوات يمكننا اليوم تخيل ما يحدث داخل أسواره إلى حد كبير، بفضل تقرير أصدرته رابطة معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا بعنوان “الهيكلية الإدارية لسجن صيدنايا وعلاقاته التنظيمية”، ويعتبر التقرير الأكثر تفصيلاً وشمولاً عن هيكلية سجن صيدنايا حتى اليوم، المكان الذي حرص النظام على جعله مكاناً غامضاً ومرعباً للسوريين.

يقع السجن على تلّة صغيرة عند بداية سهل صيدنايا، وهي بلدة جبلية تقع على بعد 30 كم شمال العاصمة دمشق، ويتكون السجن من بنائين، البناء الرئيسي القديم (البناء الأحمر) والبناء الثاني الجديد (البناء الأبيض) والذي تشرف عليه شعبة المخابرات العسكرية. بدأت أعمال بناء السجن عام 1981 ودخل أول معتقل إليه في عام 1987 وتقدر مساحته بنحو 1.4 كم أي ما يعادل ثمانية أضعاف مساحة ملاعب كرة القدم الدولية مجتمعة في سوريا.

بعد الثورة السورية، أفرغ المبنى الأحمر من المعتقلين السابقين الذين نقلوا إلى جهات مختلفة، وبدأ ترميم السجن وتهيئته لاستقبال المعتقلين خلال الثورة، فتم تصفيح جدران المهاجع وزيادة الحماية على أبواب السجن الخارجية وأبواب الأجنحة، بالإضافة إلى تشديد الإجراءات الأمنية المتبعة، ليبدأ نقل المعتقلين إليه في الشهر السادس من عام 2011، وفور وصولهم ينقل المعتقلون إلى المنفردات في الطابق السفلي تبدأ “حفلة الاستقبال”، وقد تحوي المنفردة قياس 2*3 متر حتى 30 معتقلاً.

مرّ على سجن صيدنايا منذ تأسيسه 10 مدراء، من أبرزهم محي الدين محمد الذي جمّع من بقي على قيد الحياة من المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية، وأطلق سراحهم بين الحين والآخر على دفعات كان آخرها في عام 2000، أما العميد طلعت محفوض وقعت في عهده مجزرة صيدنايا التي راح ضحيتها ما لا يقل عن 150 من المعتقلين على أثر التمرد الذي قاموا به، ومنذ عام 2020 مدير السجن هو العميد أسامة العلي الذي أصدر الأسد في عهده مرسوم العفو الأخير.

بين عامي 2011 و2021 قضى في سجن صيدنايا ما بين 30 -35 ألف معتقل بسبب عمليات الإعدام المباشر، أو بسبب سوء الرعاية الصحية أو بسبب عمليات التجويع الممنهج

جولة في سجن صيدنايا

لسجن  صيدنايا سوران، داخلي وخارجي، وتنتشر على كامل محيطه بين السورين الداخلي والخارجي عناصر الفرقة 21 التابعة للجيش، ولن نستطيع المشي خارج أسوار السجن لأن السجن محاط بحقل ألغام، واحد داخلي مضاد للأفراد والثاني خارجي مضاد للدروع، وسيكون الدخول متاحاً فقط من خلال الباب الرئيسي الخارجي، حيث توجد مفرزة لحراسته من الخارج من أي حركات مشبوهة والإبلاغ عنها، بالإضافة إلى المراقبة من فوق الأبراج الثمانية للسجن،  ستصل بعدها إلى الباب الأوسط حيث توجد ثلاث مفارز أمنية الأولى تابعة لشعبة الاستخبارات العسكرية، مهمتها مراقبة السجن أمنياً عبر مناوبات دائمة والتعامل مع أهالي المعتقلين الأمنيين أثناء الزيارات، أما المفرزة الثانية التابعة للشرطة العسكرية فمهمتها متابعة الدوريات القادمة من الخارج، أما المفرزة الثالثة فتابعة لفرع أمن الاتصالات ومهمتها مراقبة الاتصالات اللاسلكية والسلكية الصادرة والواردة إلى السجن ومحيطه ومراقبة الاتصالات في المناطق المحيطة بالسجن. هذا بما يخص الحماية الخارجية قبل أن ندخل بالفعل الى السجن حيث تنتشر المحارس الداخلية ومهمتها حماية الأسوار والأبواب الداخلية، ورصد أي تحركات غريبة أو محاولات خلق ثغرات للجدران أو النوافذ من قبل السجناء، وبالإضافة إلى المحارس الداخلية فهناك مفارز الأجنحة مهمتها حراسة أجنحة السجن والمنفردات وهم على احتكاك يومي ومباشر مع السجناء، ما يعني تحملهم جزء من مسؤولية التعذيب، تحرص  مفارز الأجنحة على انضباط المعتقلين وتفتيش الأجنحة وضبط المخالفات التي تكون غالباً أكياس نايلون أو أوراق قصدير مستخرجة من علب اللبنة لاستخدامها كأقلام، وفي الوقت نفسه هم  العناصر أنفسهم الذين يقومون بـ”حفلة” الاستقبال للمعتقلين الجدد وهكذا يمكن أن نتخيل اللحظات الأولى للسجين، والتي غالباً لن يتمكن من رؤيتها وهو داخل السيارة معصوب العينين.

من الجدير بالذكر أن عمل “رابطة معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا” على هذا تحقيق استغرق أكثر من سنة ونصف، وكان عملاً مضنياً من خلال استماع وتحليل أكثر من 200 ساعة من المقابلات والشهادات لعاملين سابقين في الجيش السوري والأجهزة الأمنية والناجين، بالإضافة إلى دراسة حوالى 50 صورة من أقمارٍ صناعية، ووثائق حكومية. تمكنت الرابطة من إجراء 31 مقابلة مع أشخاص عملوا داخل السجن، بالإضافة إلى ضباط منشقين كانت مهمتهم حماية أسوار السجن ومعتقلين سابقين.

فرز المعتقلين حسب التهمة والطائفة

وتأتي أهمية هذا التقرير من فهم الهيكلية الإدارية والعلاقات التنظيمية لسجن صيدنايا والتي ستساعد عن تحديد المسؤولين عن الانتهاكات التي حدثت وتحدث في ذلك المكان، على سبيل المثال العناصر والضباط المتواجدون على الأسوار لا علاقة لهم في الغالب بالانتهاكات التي تحدث في الداخل والتي يتحمل مسؤوليتها عناصر المفارز الداخلية والمسؤولون عنهم.

ينقسم الموقوفون في سجن صيدنايا إلى موقوفين أمنيين وهم معتقلون مدنيون وموقوفين عسكريين أوقفوا على خلفية رأيهم أو نشاطهم السياسي أو بسبب انتمائهم \ اتهامهم بالانتساب إلى منظمات إرهابية، والقسم الثاني هم الموقوفون القضائيون وهم عسكريون محتجزون بسبب ارتكابهم جرائم أو جنحاً جنائياً كاختلاس الأموال او الفرار من الخدمة العسكرية، وحسب هذا التقسيم يتعرض الموقوفون الأمنيون إلى تعذيب ممنهج، أما الموقوفون القضائيون يتعرضون للتعذيب كعقوبة بعد ارتكاب مخالفة أو بغرض فرض الهيبة ويتمتعون بزيارات دورية من عائلاتهم، أي أن وضعهم وبشكل عام أفضل من وضع الموقوفين الأمنيين.

قبل الثورة كان السجناء يفرزون حسب التهم لكن بعد الثورة وحدوث مشاكل بين سجناء من الطائفة العلوية والسنية بات التقسيم على أساس الطائفة، وهو أمر غير مسبوق، أن يتبع النظام التقسيم الطائفي للسوريين، حتى في السجن. يتألف السجن من مكاتب منفصلة ترتبط بشكل مباشر بمكتب ديوان مدير السجن الذي يمتلك صلاحيات واسعة، أما معاونه فصلاحياته محدودة. المنصب الثاني الذي يمتلك صلاحيات أمنية واسعة، يعود لضابط الأمن. وتجدر الإشارة أن اختيار العسكريين والعناصر والضباط الذين سيعملون في السجن تتم بعناية شديدة، وهم من المواليين الشديدين للنظام والذين أثبتوا جدارتهم وغالباً هم من الأوساط العلوية.

سجن صيدنايا هو السجن العسكري الوحيد حتى الآن، وهو تابع إداريا الى فرع السجون، التي تتبع إلى وزارة الدفاع، ويتبع إلى جهتين: القضاء العسكري لكونه سجن عسكري، والجهة الثانية محكمة الميدان العسكرية لمحاكمة الجنود الفارين من الخدمة العسكرية أو الملتحقين بصفوف العدو، توسع لاحقاً هذا التصنيف بتعديل المرسوم ليشمل عبارة “أو عند حدوث الاضطرابات الداخلية”، وبذلك صار اختصاص المحكمة العسكرية العسكريين بالإضافة إلى المدنيين وتتسم إجراءات هذه المحكمة بأنها تعسفية ومطلقة ولا وجود لأدنى سبل التقاضي العادل كوجود محام للدفاع عن السجين، من هذا المنطلق يستباح سجناء سجن صيدنايا بشكل كامل إذ ينظر إليهم على أنهم ارهابيون وخائنون وعملاء.

إقرأوا أيضاً:

المخازن والحرمان

سجن صيدنايا مجهز بالكامل، ابتداء من خزانات الوقود ومستودعات الأسلحة والأغذية والمنظفات. وبرادات اللحوم والخضار تحوي مواد مختلفة من الزيت واللبنة، والمواد الجافة كالطحين والحبوب ولوازم المعيشة كالبطانيات بالإضافة إلى مضخات المياه ومولدة كهرباء ضخمة، إلا أن كل هذا هو في خدمة عناصر النظام وحسب أما السجناء فيحرمون من كل ما سبق. بل إن النظام يستخدم الحرمان العقابي في الغالب، فعلى الرغم من توافر خزانات مياه ضخمة ومضخات ومولدة كهرباء إلا أن السجناء يحرمون من المياه والكهرباء، فحتى مآخذ الكهرباء أُغلقت في غرف المعتقلين وتقتصر نقاط الكهرباء على نقطة إضاءة في سقف الغرفة وأخرى في الحمامات، وعلى الرغم من وجود شبكة تدفئة مركزية إلا أن السجناء يحرمون من التدفئة.

أما أهم المخازن فهو مخزن الذخيرة الموجود بين السورين الخارجيين ويحتوي على ذخائر قتالية متنوعة تكفي للقتال 3 أشهر من دون الحصول على إمدادات، وبعد الثورة وخشية من انقطاع الطرقات أو حصار السجن، زادت محتويات هذا المخزن إلى أكثر من ثلاثة أضعاف، وأصبحت كافية للقتال 9 أشهر حتى السنة من دون إمدادات، وتتضمن أسلحة خفيفة وثقيلة متنوعة، تجدر الإشارة إلى أن الضباط والعناصر يتركون أسلحتهم عند الباب الثاني عندما يدخلون إلى السجن خوفاً من أي تمرد كما حدث عام 2008. 

لا تتوقف أساليب الحرمان وعقاب السجناء فحتى حين ترسل لهم عائلاتهم مبالغ مالية، توضع مباشرة في قسم “الأمانات” باسم السجين، ثم تحول إلى ما يسمى “الندوة” وهو المكان الذي يشتري السجناء منه احتياجاتهم على حساب المبلغ الذي أرسل من العائلات حتى نفاذه، وتعود أرباحه الكبيرة إلى مدير السجن وإلى الشرطة العسكرية التي يديرها، مع العلم أن أسعار الندوة أضعاف الأسعار في الخارج، ولا يتوقف الأمر هنا، إذ تصادر المشتريات في بعض الأحيان من السجناء ليعاد تدويرها وبيعها في الندوة!

يقيم في السجن 4-5 أطباء عامين، إضافة إلى طبيب أسنان ويقوم هؤلاء الأطباء بجولات على السجناء، بعد الثورة لم يعد يكفي هذا العدد وخاصة بسبب تفشي الأمراض، فنظمت زيارات لأطباء اختصاصيين من مستشفى تشرين العسكري على مدى يومين كل أسبوع. في العادة، لا يبوح السجناء بأمراضهم للأطباء الزائرين خوفاً من نقلهم إلى مشفى تشرين العسكري، وهو ما يضعهم تحت رحمة الشرطة العسكرية في المشفى، ما قد يعرضهم لتعذيب أقسى من ذلك الذي في سجن صيدنايا.

نهاية الاعتقال وعمليات الإعدام

بين عامي 2011 و2021 قضى في سجن صيدنايا ما بين 30 -35 ألف معتقل بسبب عمليات الإعدام المباشر، أو بسبب سوء الرعاية الصحية أو بسبب عمليات التجويع الممنهج وهذه التقديرات مبنيــة علــى شهادات المصــادر الرئيسية فــي البحث، من الحراس والعاملين السابقين في السجن. وتحدث عمليات الإعدام المباشر بشكل دوري (يومين في الأسبوع)، على سبيل المثال، في نهاية عام 2012 أُعدم 104 شخصاً دفعة واحدة، ولشدة همجية وعنف عمليات الإعدام أغمي على ضابط برتبة عقيد، اسمه سامر جودت إسماعيل!

لا يعلم السجناء شيئاً عن موعد إعدامهم، إذ يتم ذلك في اليوم نفسه أو في اليوم التالي، أما في حالة السجون المدنية ينقل السجين إلى سجن صيدنايا حيث تتم عملية الإعدام، حتى بات من المتعارف عليه، أن النقل إلى سجن صيدنايا يعني صدور حكم إعدام بحق السجين، وفي سجن صيدنايا غرفتا إعدام واحدة في البناء الأحمر تم تجهيزها لهذا الغرض عام 2011، وغرفة في البناء الأبيض قرب غرفة الندوة حيث يتم الإعدام شنقاً، والغرفتين مجهزتين بعدة منصات لهذا الغرض، بعد الإعدام تنقل الجثث للدفن في سيارة تسمى “سيارة اللحمة” وهي سيارات مبردة لنقل اللحوم والخضار، وتدفن  الجثث إمّا في ناحية “نجها” قريباً من “مقبره الشهداء” التي تضم رفات قتلى حرب 1973 مع إسرائيل أو في مدينتي “قطنا” و”القطيفة”، في نقاط قريبة من حقول رماية وتدريب تابعة للنظام. أما ضحايا التعذيب أو سوء الرعاية الصحية أو نتيجة التجويع، تجمع في السجن لمدة لا تتجاوز 48 ساعة في غرف الملح التي أصدرت الرابطة تقريراً سابقاً عنها، حيث يكتب على جبين كل جثة رقماً خاصاً بها ثم تنقل إلى مشفى تشرين العسكري، وبعدها إلى المقابر المذكورة أعلاه، يذكر أن مشفى تشرين العسكري لا يعرف عن الجثث سوى ارقامها بينما يحتفظ سجن صيدنا بالرقم الى جانب اسم وبيانات الضحايا كاملة.

يذكر أن رابطة معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا هي ائتلاف للناجين من سجن صيدنايا والضحايا وعائلاتهم، تسعى لكشف الحقيقة وتحقيق العدالة للمعتقلين ويشكل هذا التقرير واحداً من تقارير عدة أصدرتها الرابطة أحاطت من خلالها بالكثير من التفاصيل التي شابها الغموض حول المكان الذي يصفه السوريون بأن “الداخل إليه مفقود والخارج منه مولود”.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني