fbpx

روسيا – أوكرانيا: حرب الـ”تيك توك” الأولى

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

مع بداية الحرب كان لافتاً ان أغلب المؤثرين كانو يرفضون الحرب ويدعون إلى حل سلمي ولكن الأمور تغيّرت بسرعة وتبنى هؤلاء وجهة نظر النظام الروسي الرسمية وامتلأت صفحاتهم بمقاطع الفيديو الداعمة للعمليات العسكرية.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

بحسب مادة نشرت في The New Yorker تحت عنوان ” مشاهدة حرب التيك توك الأولى” فإن غزو أوكرانيا ليس الصراع الأول الذي يتم تداوله عبر وسائل التواصل الاجتماعي بل إن انتفاضات الربيع العربي والحرب السورية  استخدمت فيسبوك وتويتر لتنظيم الاحتجاجات وبث المشاهد الحيّة. 

لكن ما نشهده في الحرب على أوكرانيا مختلف وخاصة مع التطور الذي طرأ على هذه المنصات من بث مباشر وسرعة تدفق المعلومات بالاضافة الى ان الهواتف الذكية اصبحت افضل في نقل الصورة. 

حربان متوازيتان تسيران معا: حرب حقيقية تحدث هناك على الأرض توقع قتلى وتخلف دمارا، وحرب اخرى نراها على هواتفنا لا نعرف إن كانت حقيقية أو مقتطعة من لعبة الكترونية، وحتى انّ نحن عرفنا فقد وجدت هذه المقاطع طريقها الى الملايين من الناس الذين يتعاملون معها على أنها حقيقية.

 في دقيقة قد ترى فيديو مدته عشرون ثانية لجندي روسي يطلق قذيفة لتنتقل بعدها الى فيديو لجنود أوكرانيين يرقصون الـmoon walk  كمايكل جاكسون ليظهر فجأة اعلان عن قناع غاز قد تحتاجه في الأيام القادمة…

 فعلا انها حرب التيك توك الأولى.

ما نشهده في الحرب على أوكرانيا مختلف وخاصة مع التطور الذي طرأ على هذه المنصات من بث مباشر وسرعة تدفق المعلومات بالاضافة الى ان الهواتف الذكية اصبحت افضل في نقل الصورة. 

تصعيد الجبهات

تعيش الجبهة الروسية الأوكرانية تصعيدا بعد إعلان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين التعبئة الجزئية واستدعاء ما يقارب ثلاثمئة ألف مجند من الاحتياط لتعزيز العمليات العسكرية في أوكرانيا. 

زاد من زخم التوتر التطورات التي شهدتها أرض المعارك وتمثلت بالانسحاب الروسي السريع من بعض المناطق التي كانت احتلتها بعد الرابع والشعرين من شباط/فبراير تاريخ بدء العمليات العسكرية والتقدم السريع للقوات الاوكرانية محققين نصرا كبيرا على آلة الحرب الروسية بحسب ما نقلت وسائل إعلام دولية. 

بدأ التركيز على الهروب الجماعي، كما وصفه البعض، للشبان الروس في محاولة الالتفاف على استدعاء الاحتياط والزج بهم في آتون الحرب. انتشرت صور من المطارات المكتظة بالاف الشبان بالاضافة الى مقاطع فيديو لخطوط طويلة من السيارات العالقة على الحدود الروسية-الجورجية، تحدثت تقارير فنلندية عن ازدياد كبير في نسبة الروس الذين يحاولون العبور إليها خاصة بعد إعلان التعبئة. 

تقارير إعلامية أشارت الى أنه في الفترة الممتدة بين 19 و 25 أيلول/سبتمبر اجتاز نحو 66 ألف روسيّ الحدود بزيادة حوالي 30% عن الأسابيع السابقة. 

في خطوات للحد من هذه الهجرة قامت اغلب الدول الاوروبية التي تتشارك الحدود مع روسيا مثل بولندا واستونيا على الغاء التأشيرات السياحية للروس وتشديد الحصول على فيزا سياحية جديدة للراغبين بدخول منطقة الشنغن. شكلت تركيا، ارمينيا، اذربيجان وكازاخستان الوجهة المثالية للروس نظرا لعدم حاجتهم إلى أي تأشيرة وسهولة السفر الى هذه الدول وانتشرت أخبار عن وصول سعر تذكرة السفر الى تركيا الى حدود تسعة آلاف يورو. استغل الإعلام الغربي والإعلام المناهض لروسيا هذه الصور والأرقام في محاولة للتصويب على قرار الرئيس الروسي ومحاولة إظهار أن هناك ردة فعل شعبية رافضة للحرب مع التركيز أن أغلب المهاجرين هم من أبناء الأوليغارشية الروسية والطبقات المتمكنة مادياً والتي يمكنها تحمّل كلفة الهجرة بعكس غالبية الشباب الروسي وخاصة سكان الأرياف والضواحي وأبناء الطبقات الفقيرة الذين لا يملكون رفاهية الهروب وهم مجبرون على المشاركة في الحرب. 

من الأخبار الغريبة التي تم تداولها ان الروس يستعملون محركات البحث للسؤال عن ” كيف تكسر رجلك او يدك” في محاولة للتنصل من التعبئة بالاضافة الى الخبر الذي نشر على صفحة “نادي المناطيد في جورجيا ” على انستغرام الذي ابدى استعداده لتسيير رحلات للراغبين في الانتقال من روسيا الى جورجيا بالمنطاد وقد تم التأكيد ان مجموعة من 12 شخصا استطاعوا العبور بواسطة أحد المناطيد ليختفي بعدها الاعلان عن صفحة النادي.

على المقلب الآخر من الحدود كانت مشاهد الانتصارات التي يحققها الجيش الأوكراني بمساعدة المتطوعين واستعادتهم آلاف الكليومترات التي احتلها الروس تتصدر الشاشات ومواقع التواصل الاجتماعي وتم التركيز على الفرق بين الشبان الروس الهاربين من المشاركة في الحرب والشباب الاوكران الذين يستبسلون في الدفاع عن ارضهم ويشاركون في الصفوف الامامية للمعارك ومن بينهم ممثلين مشهورين وموسيقيين وراقصين بالاضافة الى العديد من المؤثرين وصانعي المحتوى. 

حروب عبر الهاتف

تحوّلت صفحات هؤلاء الى منصات تنقل مجريات المعارك ويوميات الجنود وكيف يقضون ايامهم، ولا يخلو الأمر من بعض الفيديوهات المضحكة للجنود يرقصون او يلعبون وحتى يقومون ببعض المقالب، الأمر الذي لعب دوراً ايجابياً في رفع معنويات الشعب والجنود وتعزيز الروح القتالية الأوكرانية. حتى هؤلاء الذين لم يشاركوا مباشرة في الحملات العسكرية غيّرو من محتواهم إلى ما يتناسب مع جوّ الحرب فمثلا إحدى الشخصيات المعروفة أو “الانفلونسر” والتي يتابعها مليون شخص أغلبهم من الاوكران والروس والتي كانت تنشر على صفحتها على الانستغرام مشاهد من حياة الرفاهية التي كانت تعيشها متنقلة بين الفنادق بسيارات فخمة وتلبس ماركات الثياب باهظة الثمن قامت بتحميل فيديو بعنوان: “كيف تصنع مولوتوف في المنزل؟” بالاضافة الى ان صفحتها تحولت الى ما يشبه صفحات الإرشاد عن المساعدات الإنسانية ومحاولة تأمين مأوى للأشخاص الهاربين من الحرب. 

ملكة جمال أوكرانيا للعام 2015 تخلت عن الازياء والسفر والسهر وتقوم  بنشر صورها باللباس الحربي الكامل وتوجه الخطابات الحماسية للمقاتلين. الخبر المحزن كان مقتل راقص الباليه الشاب Artem Datsishin أحد أبرز الراقصين المعروفين في أوكرانيا والذي كان عضوا أساسيا في فرقة الرقص التابعة للأوبرا الوطنية الأوكرانية ويعتبر من أهم الراقصين ومصممي الرقص في العالم. من أبرز الشخصيات ايضا التي شكل مقتلها صدمة الممثلة المسرحية اوكسانا شفيتز التي قتلت في منزلها بعد استهدافه بصاروخ، والممثل المعروف pasha lee الذي خلّف مقتله حزنا عميقا وخاصة ان الشاب كان يشارك متابعيه بمجريات المعارك ودائماً ما كان يظهر مبتسما وضاحكاً بالرغم من أصوات القصف التي تحيط به. 

في روسيا، انقسم المؤثرون بين قسم داعم للحرب وقسم رافض لها مع كل ما يترتب على ذلك من مخاطر قد يتعرضون لها وخاصة مع التضييق الكبير الذي تعرض له الداعون والمشاركون في التظاهرات ضد الحرب، مع العلم ان روسيا اتخذت قراراً بمنع المواقع التابعة لشركة “ميتا”، كفايسبوك، انستغرام وواتساب، بالإضافة الى تويتر في شباط 2022 ويعتبر برنامج Vkontakte البديل المحلي عن هذه المواقع والذي يدخله حوالي 45 مليون زائر شهريا. 

قسم كبير من المؤثرين فضل عدم الدخول في الاصطفاف الالكتروني، ولكنهم شاركوا بكثافة في حملة I am not ashamed وهي العبارة التي وردت على لسان وزير الخارجية الروسية لافروف لتنطلق بعدها الحملة التي تدعو الروس إلى الافتخار وان لا شيء مما يفعلونه يدعوهم للخجل وتبنت هذه الحملة سردية أن الدول الغربية هي التي تقود الحرب وأن الهدف الروسي من الحرب هو التخلص من النازيين الجدد وحماية الناطقين باللغة الروسية من العنصرية الأوكرانية. 

المؤثرون في مقدمة المحاربين الالكترونيين

مع بداية الحرب كان لافتاً ان أغلب المؤثرين كانو يرفضون الحرب ويدعون إلى حل سلمي ولكن الأمور تغيّرت بسرعة وتبنى هؤلاء وجهة نظر النظام الروسي الرسمية وامتلأت صفحاتهم بمقاطع الفيديو الداعمة للعمليات العسكرية وبعض الفيديوهات التي توثق اعتداءات من اوكرانيين على بعض الناطقين باللغة الروسية وقد بدا واضحاً أن الفيديوهات انتشرت بالتوقيت نفسه على المئات من الحسابات الأمر الذي فسر كأنه نوع من أمر عمليات اتخذ لتعزيز البروبغندا الروسية. 

ابرز الرافضين للحرب كان الممثل الروسي المعروف بدوره في مسلسل الفاينكينغزDanila Kozlovsky والذي نشر فيديو يعلن رفضه للحرب. بدوره، مغني الراب oxy miron قرر الغاء عدد من حفلاته في موسكو وسان بيترسبرغ موجها رسالة قاسية قائلا انه ” لا يستطيع الغناء ورؤية الروسيين مستمتعين بينما الصواريخ الروسية تنهمر على أوكرانيا والناس خائفة ومختبئة في الملاجئ”. يبقى ان ما جمع كل المؤثرين الروس هو دعواتهم لنبذ كراهية الروس او ما يعرف بـ Russophobia وخاصة في ظل انتشار الأخبار عن منع مواطنين روس من دخول مطاعم او مقاهي واعتداءات طالتهم في عدد من العواصم الأوروبية. القصة الابرز جائت على لسان المغنية والممثلة أنّا كالاشنيكوفا التي هاجمت دار الأزياء شانيل بعد دخولها لفرع هذه الدار في دبي ومنعت من شراء حقيبة قائلين لها ان هذه الحقيبة غير متاحة للروس. كالاشنيكوفا أعادت التذكير بأن مؤسسة دار شانيل، كوكو شانيل كانت داعمة للنازية ومعادية للسامية. بعد انتشار الفيديو قام العديد من المؤثرين الروس بالتضامن مع كالاشنيكوفا ممزقين حقائبهم وملبوساتهم من هذه الدار امام الآلاف من المتابعين. برز أيضاً تنديد عضو في مجلس الاتحاد الروسي وعضو الغرفة العليا في الهيئة التشريعية الروسية، بابنته ووصفها بأنها “خائنة” وانها “تعاني من مرض نفسي يؤثرعلى قدرتها على التواصل”  بعد أن أجرت مقابلة انتقدت فيها الغزو الروسي غير المبرر لأوكرانيا.

على الصعيد الرسمي حرص الرئيس الاوكراني زيلنسكي على التواجد على جميع وسائل التواصل الاجتماعي والتواصل الشبه يومي مع ملايين المتابعين. زيلينسكي القادم من عالم الكوميديا والتمثيل والذي يعرف كيف يتعامل مع الكاميرات أصبح نجم هذه الحرب واستطاع كسب تعاطف العالم مع الشعب الأوكراني. فتارة يظهر ببث مباشر على صفحاته الرسمية على مواقع التواصل الاجتماعي ليوجه رسائل الى الجنود او الشعب الاوكراني وتارة يوجه رسائل سياسية الى زعماء العالم ولا ينسى ان يستفز بوتين في بعض المقاطع أو الميمز التي يشاركها على صفحاته. يستعمل زيلينسكي صفحاته لرفع معنويات الشعب ويبتعد عن الشكليات والرسميات فيظهر في أغلب الأحيان والتعب باد على وجهه بلباسه الزيتي الحربي ليوحي بأنه يتشارك مع شعبه أرض المعركة، يظهر في الفيديوهات كأي مواطن عادي يلتقط فيديو لنفسه بكاميرا هاتفه، احيانا ترتجف يده وأحيانا يقرّب الكاميرا كثيرا من وجهه كل هذا جعله قريبا اكثر من الاوكران وجعله مصدر ثقة لهم. 

في المقابل يجلس الرئيس الروسي ببدلته وربطة عنقه على طاولة كبيرة جدا كانت محط سخرية العالم كله ليتحدث إلى كاميرا مثبتة، بخطاب معد مسبقا يشبه خطابات الرؤساء المملة التي لا يسمعها أحد. يستعمل مفردات عن القومية الروسية والنازية الجديدة، عن أمجاد الاتحاد السوفياتي، القيّم العائلية، الامبريالية والاستكبار العالمي وكلها مفردات تبعث على الملل بالرغم من ان الرئيس الروسي يمتلك جيشا الكترونيا كبيراً ساهم في السنين السابقة بتعزيز صورته كرئيس حديديّ يمتطي الاحصنة ويسبح في الأنهار المتجمدة  ويمارس الرياضة ويعزف الموسيقى ويصافح الرؤساء بطريقة تفيض بالفحولة. حاول الإعلام الروسي التركيز على هذه الصورة المفعمة بالرجولة ومحاولة تصوير الرئيس الأوكراني على أنه “ذو الخدود الوردية” في محاولة للتشكيك بميوله الجنسية وخاصة بعد نشر فيديو قديم له يرقص عاريا ويعزف على الغيتار في مشهد تمثيلي قديم.