خطف أحمد أبو مرخية وقتله لأنه مثلي…
مجتمع الميم الفلسطيني بين القمع “الوطني” والابتزاز الإسرائيلي

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!
TelegramWhatsApp

مخاوف أحمد من انكشاف هويته الجنسية تحولت إلى جريمة بشعة. تعرّض أحمد للاختطاف إلى الضفة الغربية، ومن ثم قُتل وعُثر على جثته مقطوعة الرأس، وعمد مرتكب الجريمة إلى تصوير جثة الضحية أحمد ونشرها على مواقع التواصل الاجتماعي.

لنحو عامين عاش أحمد أبو مرخية  هارباً من مدينته الخليل. 

الهوية الجنسية للشاب الذي لم يتجاوز الـ25 سنةً كانت سبباً في تلقّيه الكثير من المضايقات والتهديدات التي أجبرته على مغادرة مجتمعه واللجوء إلى مناطق إسرائيلية بانتظار البت بطلب اللجوء إلى كندا. 

مخاوف أحمد من انكشاف هويته الجنسية تحولت إلى جريمة بشعة. تعرّض أحمد للاختطاف إلى الضفة الغربية، ومن ثم قُتل وعُثر على جثته مقطوعة الرأس، وعمد مرتكب الجريمة إلى تصوير جثة الضحية أحمد ونشرها على مواقع التواصل الاجتماعي.

الشاب أحمد أبو مرخية

جريمة قتل أحمد هي الأخطر والأكثر وحشية في سياق الحملات المتصاعدة ضد مجتمع الميم/ عين الفلسطيني، والتي لطالما كانت موجودة لكنها زادت حدةً وخطراً خلال الأشهر الأخيرة.

من المعروف أن المثلية الجنسية لا تحظى بقبول اجتماعي داخل القطاعات المحافظة اجتماعياً ودينياً في أوساط الفلسطينيين وهو ما يدفع بكثيرين إلى عدم المجاهرة بهويتهم الجنسية أو بالانتقال إلى مناطق إسرائيلية، إذ قالت صحيفة “تايمز أوف إسرائيل” إن 90 فلسطينياً تقريباً ينتمون إلى مجتمع الميم يعيشون حالياً كطالبي لجوء في إسرائيل، بعد تعرضهم للتمييز في مجتمعاتهم الأصلية.

بدت الجريمة بمثابة تذكير مؤلم ودموي بالوضع القاسي الذي يعيشه مجتمع الميم/ عين الفلسطيني.

قضية الأرض… وقضية الهوية الجندرية

“اللي بطالب بحرية أرضه مش لازم يشوف شعبه على أساس خلفيات مختلفة…”، بمرارة تعلق الناشطة الكويرية الفلسطينية ميسان حمدان على الحملات والتهديدات التي تلاحق مجتمع الميم/ عين في فلسطين. 

ميسان كاتبة نسوية وسياسية نشطت بالدفاع عن قضايا مجتمع الميم/ عين في فلسطين منذ عام 2014 بالتعاون مع مؤسسة “قوس” الحقوقية. منذ 5 سنوات تقريباً، انتقلت ميسان إلى ألمانيا، وهي تعيش اليوم في برلين، لكنها لم تتوقّف عن مُتابعة تفاصيل القضايا الفلسطينية ولم يذبل شغفها تجاه الدفاع عن قضية بلدها في مواجهة الاحتلال وعن حق أفراد مجتمع الميم/ عين في بلدها. 

“واحد من الأسباب اللي خلّتني أبعد عن بلدي كان الخوف. في ناس عم تدفع حياتها بسبب أشخاص مش قادرة تتقبّل الاختلاف”، تقول ميسان بلهجتها الفلسطينية ومن خلفها علم بلدها. 

الحنين يبدو واضحاً على ميسان، وكذلك الخوف. “بكذب إذا بقول ما في خوف…”، تقول الشابة. ميسان هي واحدة من عشرات الفلسطينيين الذين أُجبروا على ترك بلادهم بعد ارتفاع وتيرة القمع الممنهج ضدهم بسبب ميولهم الجنسية. قد يعيش هؤلاء في غربة دائمة خارج بلادهم، وقد ينتابهم الحنين في ليالٍ كثيرة، لكنهم بالتأكيد يحظون بمصيرٍ أفضل من مصائر أولئك الذين يُمارس في حقهم قمع مُزدوج بسبب هوياتهم الجنسية، الأول من مجتمعهم وبيئتهم، والثاني من السلطات الإسرائيلية. 

تقول ميسان لـ”درج”: “السلطات الإسرائيلية تتعمّد تصوير المجتمع الفلسطيني على أنه يقمع حريات أفراده، فيما تُروّج لنفسها على أنها ملاذ لأفراد مجتمع الميم/ عين ولكل المختلفين الخارجين عن الأطر النمطية للمجتمع. لكن في الحقيقة، تبتزّ تلك السلطات الكويريين وتهدّدهم بفضح هوياتهم الجنسية أمام ذويهم، أو باختلاق تهم بالعمالة لتطويعهم، إذا ما رفضوا الانصياع لرغباتها والعمل لصالحها”. 

اضطهاد مزدوج

ليست السلطات الإسرائيلية وحدها التي تستغل قصص أفراد مجتمع الميم/ عين المهمّشين للترويج لنفسها. على المقلب الآخر، تتعمّد السلطات الفلسطينية، كما المؤسسات الدينية والمجتمعية، استغلال قضية مجتمع الميم لشدّ العصب الديني عبر التحريض على تلك الفئة، إلى حدّ الدعوة إلى القتل و”تحليل الدم”. 

توسّعت دائرة التحريض في السنوات الأخيرة في فلسطين، لا سيما في الضفة الغربية. إذ لم تكتفِ السلطات بمنع نشاطات وفعاليات مجتمع الميم والتهديد باعتقال المشاركين، وإنما تمادت السلطات إلى حدّ الضرب والاعتداء والاعتقال ومصادرة الهواتف والتحريض. وأتت الجريمة البشعة بحق أحمد أبو مرخية لتثير خوفاً ورعباً حقيقيين بين أفراد مجتمع الميم الفلسطيني. 

“واحد من الأسباب اللي خلّتني أبعد عن بلدي كان الخوف. في ناس عم تدفع حياتها بسبب أشخاص مش قادرة تتقبّل الاختلاف”

واحدة من محطات التهديد بحق مجتمع الميم أتت من جهة يفترض أنها كانت جهة حاضنة وداعمة ثقافياً وحقوقياً، ونعني هني منصة “متراس” التي سبق واكتسبت شعبية بسبب خطابها المختلف سواء ضد الاحتلال الاسرائيلي أو على مستوى تطوير الخطاب الحقوقي. لكن بعد الحملات الممنهجة ضد مجتمع الميم على مستوى السلطة والقيادات الدينية والخطاب المجتمعي العام انقلبت “متراس” وأصدرت بياناً يدين المثلية الجنسية ويعتبرها شأناً دخيلاً على المجتمع. هذه الانتكاسة ساهمت في بناء خطاب عدائي ضد مجتمع الميم من منطلق ديني، لاقى بدوره تفاعلاً واسعاً في المجتمع الفلسطيني و”أعاد جهود مجتمع الميم بتثبيت مكانتهم إلى الصفر”، وفق ميسان. 

على الرغم من أن المثلية الجنسية غير مجرّمة صراحةً بموجب القانون الفلسطيني، إلا أن هناك نقصاً في الحماية القانونية. تستغلّ الشرطة الوضع القانوني المربك لتجريم مثليي الجنس، وغالباً ما يكون ذلك مع الإشارة العامة إلى “الأخلاق والقيم”. والتجريم في هذا السياق يحدث من خلال الاعتقال التعسفي والاستجواب. فقد ذكر تقريرٌ لمنظمة “العفو الدولية” في عام 2018 عن حقوق الإنسان في فلسطين إن “جمعية القوس وثّقت 5 حالات اعتقال تعسفي لنشطاء من المثليين الذين تعرضوا لسوء المعاملة بينما تعرض أشخاص آخرون من المثليين جنسياً للاعتقال والاستجواب على أيدي قوات الأمن”. كما سُجّل تاريخ من مضايقات الشرطة ضد الرجال المثليين الذين يتم ابتزازهم للتجسس لصالح السلطة الفلسطينية.

يعدّ الوضع في غزة، التي تحكمها حركة “حماس” الإسلامية، أكثر قسوة لأن مثلية الشخص يُمكن أن تودي به إلى السجن لمدة تصل إلى 10 سنوات، إلى جانب وصم أولئك المسجونين بالخزي والعار. وعليه، يعيش أغلب الغزيين من مجتمع الميم/عين حياة سرية، حيث يمنع رهاب المثلية العلني المجتمع المدني من شن حملاتٍ علنية بشأن قضايا المثليين. ففي عام 2016، عبرت “هيومن رايتس ووتش” عن قلقها بشأن قضيةٍ تتعلق بإعدام أحد قادة حماس بتهمة “الفساد الأخلاقي”، وهو تعبيرٌ تستخدمه حماس للمثلية الجنسية، والتي تضمنت ممارسة التعذيب وغيرها من المزاعم التي أسقطت في نهاية المطاف.

“القضايا لا تتجزّأ”

ميسان هي واحدة من الناشطات العاملات في مؤسسة “قوس” التي ارتفع خطاب الكراهية الموجه ضدها في الفترة الماضية لا سيما من “متراس”، إذ مُنعت المؤسسة من تنظيم فعاليات داعمة للقضية، كما قيدت حملة ضدها بعدما نُشرت صورة للناشط الفلسطيني محمد الكرد أثناء مشاركته في إحدى فعالياتها. 

الذريعة التي يستخدمها مناهضو مجتمع الميم/ عين هي أن “المثلية الجنسية تشوّه القضية الفلسطينية”، وهو ما يتعارض مع منطق تحرير الأرض. تقول ميسان، “أنا لما بروح مظاهرة عشان الأسرى هاد إيماناً مني بإنه كل إنسان عنده حق يعيش حياة كريمة، بروح مظاهرات ضد مصادرة الأراضي وهدم البيوت والتهجير القسري… ومن نفس المبدأ بطلع مظاهرات عشان حقنا بالاختلاف”. ترى ميسان، كما نشطاء كثر، أن النشاط الكويري هو النشاط الشامل والجامع، والفعل التحرري لا يرتبط بتحرير الأرض فقط، وإنما بتحرير الفكر من القيود النمطية. 

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني