fbpx

رحلة حقيبة الملذّات من بيروت إلى دمشق

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

حقيبة الملذات هي كسرٌ لفكرة الحصار والحرمان والخوف والعقوبات الاقتصادية، إذ أنها تمرُّ بطرق خطيرة وبجانب عساكر سيئين وضباط لئيمين، وقد تتعرض للاحتجاز والنهب.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

كان لبنان في طفولتي يعني أطعمة لذيذة، لا يوجد أغلبها في سوريا، الجبنة والشوكولا والبيبسي، كانت خالتي المقيمة هناك هي صلتنا بأطعمة لبنان المستوردة قبل أكثر من خمسة وعشرين عاماً، كلما زارتنا، أحضرتْ لنا هدايا، مثل قالب جبنة مطبوخة كبير نوع “سميدس” مع قنينة بيبسي كبيرة، كانت السعادة تعني أن تلفّ لي والدتي سندويشة جبنة “سميدس” أشرب معها كوب بيبسي قادمة من لبنان، كان شرب البيبسي مع الجبنة تقليداً يُدخِل البهجة إلى قلوبنا أنا وأخوتي.

هكذا كبرتُ وفكرتي عن لبنان، تتمحور حول الأطعمة الاستثنائية ذات التغليف المميز والنكهات التي يسيل اللعاب لها، ولذلك ربما أول ما فعلته حين انتقلت إلى بيروت هو تجربة الكثير من الأطعمة والشوكولاتة والشيبس، حتى أنني جربت أنواعاً غريبة من الجبنة، لم تكن متوافرة في سوريا، إذ أن سوريا هي بلد مغلق أمام استيراد الأغذية إلا ما قلَّ وبأسعار عالية بعد رسوم الاستيراد.

بالإضافة إلى تجربتي الكثير من الأطعمة، كان لدي رغبة عميقة بتكرار تجربة خالتي، بإرسال الأطعمة إلى عائلتي في سوريا، بإدخال السعادة القديمة إلى قلوبهم، مع الجملة السحرية “الغراض وصلوا من لبنان”، لكن، لم يعد إرسال الأطعمة إلى سوريا سهلاً كما السابق، منذ بدأت الحرب وانتشرت الحواجز على طريق بيروت – دمشق، صار مرور أي شيء كما مرور المتفجرات، يتم نبش الحقائب، حيث تقف السيارات لساعات على جوانب الطرق، كان يمكنك بسهولة أن ترى الفساتين والثياب الداخلية في أيدي الجنود بينما يبحثون عن شيء لا نعرفه بين ثيابنا وحاجياتنا الخاصة، كان مستفزاً أن ترى قطعة ثياب عزيزة عليك في يد عسكري أو قاتل. 

كان عليّ إيجاد طريقة للتحايل على العساكر وإثارة ازدرائهم كيلا يفتشوا حقيبة الملذات التي أرسلها إلى عائلتي بين الحين والآخر.

المرور السريع على الحواجز يستوجب الدفع في غالب الأحيان وهو ما كان يفعله كثيرون باستثناء حواجز الفرقة الرابعة التابعة لماهر الأسد، فكانت إحدى كوابيس السوريين. المرور منها يعني سلب نصف الهدايا أو الدخان، بعض السائقين يجهزون مسبقاً كروز الدخان لتوزيعه على العساكر، بالإضافة إلى الإهانات والانتظار الطويل، حتى أن بعض العساكر كانوا يطلبون ببساطة من الركاب علبة تونة أو مرتديلا أو جبنة بحجة أنهم يريدون تناول الغداء، وهكذا تحوّل حلم إرسال الأطعمة ومواد التجميل والعطورات إلى كابوس بالنسبة لي، خصوصاً بعد أن سرق أحد الحواجز بعض الأغراض التي أرسلتها.

كان عليّ إيجاد طريقة للتحايل على العساكر وإثارة ازدرائهم كيلا يفتشوا حقيبة الملذات التي أرسلها إلى عائلتي بين الحين والآخر، ولأن الحاجة أمُّ الاختراع، أوجدت طريقة تتلخص بوضع الأطعمة داخل أكمام القمصان وداخل البناطيل التي أريد رميها، ثم ألفها بطريقة لو مدَّ العسكري يده لن يتحسس سوى القماش، أضع في قعر الحقيبة أكثر الأطعمة والمشتريات قيمة، تليها طبقة بمشتريات أقل قيمة فلو سرقوا شيئاً، على الأقل يأخذون الأقل قيمة، ثم أضع طبقة سميكة تتمثل غالباً بثياب، وللحفاظ على خططي السرية، لن أستطيع إكمال المرحلة الأخيرة لكنها تتضمن غالباً وضع ثياب داخلية مهترئة “سروال داخلي مثلاً”، باختصار أحاول إظهار مدى فقر أصحاب الحقيبة حتى يظن العسكري أن هذه الحقيبة لا تستحق عناء التفتيش.

في المرة الأخيرة منحتُ صاحب السيارة التي تعمل على خط دمشق – بيروت 4 دولارات أميركية زيادة وقلت له حين يريد أحد الحواجز التفتيش امنحه 5 آلاف ليرة سورية، أي ما يقارب الدولار وهو مبلغ كبير بالنسبة لعسكري يقف طوال النهار تحت الشمس الحارقة، صورت ما تحويه الحقيبة قبل الإرسال، وحين وصلت أكدت لي أمي أنها كاملة ولم ينقص منها شيء واحد، حتى أنها لم تفتح فكل الأغراض موضوعة تماماً بالطريقة التي وضعتها فيها، فكرتُ قليلاً وقلت لها: “كم تفعل 4 دولارات، تخيلي ماذا دخل إلى البلاد من أسلحة ومتفجرات ب 4 دولارات فقط!”.

ليس هذا وحسب، يجب عليَّ مراعاة الفصول، إذ لكل فصل مواده، على سبيل المثال في الصيف لا أستطيع إرسال الشوكولاتة والجبنة لأنها قد تفسد بينما الشوكولاتة تصل ذائبة تماماً، أما في الشتاء فخياراتي أوسع، أرسل خلاله أصنافاً متنوعة.

بعد سنوات من الإقامة في لبنان بدأت شهيتي نحو الأطعمة الجديدة والمستوردة تخفت، ربما مع الوقت تعتاد حتى الأشياء التي كنت في طفولتك تنتظرها بفارغ الصبر، وهكذا شيئاً فشيئاً بدأتُ أبحث عن الأطعمة التي تذكرني بسوريا، بما كانت والدتي تطهوه، عن الجبنة البلدية بدل أنواع الجبنة الباهظة، لم يعد شيبس “برنغلز” يدفعني لتأمل علبته الأنيقة، يبدو أني اعتدت نكهات بيروت بالفعل، لكن على الجهة الأخرى عائلتي لم تعتدها للآن، مازالت تستقبل حقيبة الملذات بكثير من الحماس، أولاد أخوتي يستقبلون حتى الأدوية التي أرسلها لأمي على أنها أطعمة، بات لديهم طلبات محددة، جبنة الشيدر بماركة معينة ومارتديلا نوع “زوان” وجبنة مربعات “كيري”، ولكي أوسع خياراتهم أرسل أنواعاً لم يجربوها، وفي كل مرة أقول لهم أن يخبروني إن أحبوا نوع الشوكولاتة الجديد لاستمر بإرسالها، في بعض الأحيان تقول أمي بدون أن اسألها: “لا عاد تبعتي من هاد الشيبس مش طيب”.

أعتقد أن ملذات بيروت مرتبطة بشكل أساسي بفكرة الحرمان التي عاشها السوريون وبالخيارات المحدودة للاطعمة. الأمر يشبه، ويا للسخرية، فكرة القائد الواحد، إذ لا خيارات لدينا غير رئيس واحد، كما ليست لدينا خيارات كثيرة في أصناف الجبنة والشيبس والعطورات.

 حقيبة الملذات هي كسرٌ لفكرة الحصار والحرمان والخوف والعقوبات الاقتصادية، إذ أنها تمرُّ بطرق خطيرة وبجانب عساكر سيئين وضباط لئيمين، وقد تتعرض للاحتجاز والنهب، حتى تصل إلى الأيدي الناعمة لأولاد أخوتي، حيث تذوب الشوكولاتة السويسرية بين أيديهم وفي أفواههم مستشعرين الطعم الآخر للحياة.