fbpx

الأخبار الزائفة: كيف يتحول الإعلام
إلى أداة في يد الأنظمة للسيطرة على الشعوب؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

في زمن الإعلام الرقمي، ازدادت الأخبار الزائفة المترافقة مع خطاب الكراهية، إذ أفسحت مجالاً لنشر الأخبار العشوائية من دون أيّ رقابة عليها.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

“الأمن العام أوقف المودعة سالي حافظ التي اقتحمت مصرف بلوم بنك”، هذا ما ورد في خبر نشرته قناة “العربية” يوم الأربعاء، 14 أيلول/ سبتمبر 2022. وسائل إعلام كثيرة نقلت هذا الخبر ليتبيّن لاحقاً أنّه عارٍ عن الصحة، وتداوله كثير من روّاد مواقع التواصل الاجتماعي ليصبح “الشغل الشاغل” لهم. 

حذفت “العربية” التغريدة بعد نفي الأمن العام اللبناني، ولم تصحح الخبر لملايين متابعيها على “تويتر”. وهذا مثالٌ واحد للمسار الذي تتخذه بعض وسائل الإعلام والمواقع، وحتّى الأنظمة السياسيّة في نشر الأضاليل، ولو كان عن عدم معرفة. يميل معظم الناس إلى تصديق الأخبار الزائفة، وهو ما يمكننا أن نسمّيه “ملاحقة التريند”، إذ تهرع وسائل إعلام كثيرة خلف السرعة والتشويق.

في زمن الإعلام الرقمي، ازدادت الأخبار الزائفة المترافقة مع خطاب الكراهية، إذ أفسحت مجالاً لنشر الأخبار العشوائية من دون أيّ رقابة عليها. حقيقةً، لا يعني ذلك أن الأخبار الزائفة كانت غائبة تماماً سابقاً، بل كانت تندرج، في معظم الأحيان، تحت مُسمّى “الصحافة الصفراء”. وفي نهاية القرن التاسع عشر، انتشر هذا المصطلح ليجسّد “تضخيم الحقائق أو تشويهها”، وكان يطاول الفنانين والسياسيين بغالبيّته. 

يقول داوود ابراهيم، الاستشاري والمدرب في مجال التحقق من الأخبار وإدارة المؤسسات الإعلامية أن نشر الأخبار المضللة “سلوك غير بريء غالباً”، خصوصا عندما تقف خلفه مؤسسات إعلامية واعلاميات وإعلاميين. قد يكون نشر الأخبار الخاطئة “غير مقصود عندما يكون المسؤول عنه المواطن العادي الذي لا يملك معرفة بأدوات التحقق أو بخلفيات الاخبار وتوقيت نشرها وغايات هذا النشر. ولكن عندما يكون الناشر من أصحاب الخبرة يصبح من الضروري السؤال: لماذا؟”.

“نشر الأخبار المضللة “سلوك غير بريء غالباً“، خصوصا عندما تقف خلفه مؤسسات إعلامية واعلاميات وإعلاميين”.

لطالما استُخدمت هذه الأخبار بغرض السيطرة على الحكم، لتكون الوسيلة الوحيدة لنشر الأيديولوجيا المُبهمة والتأثير على الشعوب. بحسب مؤرّخ جامعة ييل تيموثي سنايدر في كتابه “الطريق إلى عدم الحرية”، فإنّ القادة الروس أتقنوا استخدام هذه الأخبار في عصر الرقمنة بهدف “إرباك مجتمعاتهم وتشويه صورة المؤسسات المكلفة بكشف الحقائق” والترويج لـ”الأوليغارشية الروسية”. وهو ما حوّل مواطنين روس إلى دمى متشائمة غير قادرة على انتقاد الحكومة، بالحد الأدنى. 

“ليس اتهاماً أن نرجع إلى خلفيات ومواقف وأجندات وتمويل المؤسسات أو لرغبات وميول وتوجهات الصحافي أو الصحافية التي نشرت المضمون المضلل”، يضيف ابراهيم. في هذا الأمر تحصين للمتلقي ليكوّن صورة مسبقة عما يمكن توقعه من هذا الحساب أو تلك المنصة. إذ يُنبّه ابراهيم من “لعبة القط والفأر بين الإعلام والسلطات”. فإن أخطأ الإعلام عن قصد أو عن غير قصد ونشر مادة مضللة لم يقم بدوره للتثبت منها، فهو يعطي السلطة الفرصة للتشكيك في كل ما ينشره، “وهي فرصة لن تفوّتها السلطة بالسهل”. 

ومن جهة ثانية، يعتبر ابراهيم أنّ البحث عن مادة مثيرة وجاذبة لردود الفعل ينشط، وهي “مادة تجذب العاملين في الاعلام لحصد التفاعل من دون وعي لمخاطرها لجهة التشكيك بجدية من ينشرها ورغبته في الاثارة على حساب الموضوعية والتأثير الايجابي”. هذا النوع من المضامين يؤدي إلى تنفير الجمهور وانكفائه وتناقص ثقته بناشرها ما يعطي السلطة التي تلعب دور نشر المضامين الجدية الفرصة للظهور بمظهر أكثر حرصا على المجتمع، بحسب إبراهيم، الذي يختم بالقول: “شهدنا الكثير من الممارسات الخاطئة في مجال نشر الأخبار المضللة، أحياناً من خلال الاجتزاء، أو الترجمة، أو نشر الصور بغير مواقعها وتاريخها”. 

وإذا أردنا التصويب على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، فإنّ “العلامة الزرقاء” لا تكفي لتبنّي خبراً ما. إذ يلجأ كُثر لشراء صفحات على “تويتر” مثلاً ونشر أخبار كاذبة، أو لتقديم المساعدات، وهو ما يتبيّن أنّه انتحال صفة أو احتيال. 

“التزييف العميق أو Deepfake” هو شكل من أشكال التضليل، حيث يتم تزييف صورة أو فيديو بشكلٍ محترف جداً. ويكون التزييف “عميقاً”، وتصعب ملاحظته، لأنه غريب ومقنع لدرجة كبيرة. أي يتم استبدال وجه شخص بوجهٍ آخر ويتم تحريك الوجه وحركات الجسد، أو أن تصنع فيديوهات لشخص متوفّى مثلاً، وهو ما انتشر على تطبيق “تيك توك” في الآونة الأخيرة. 

وأكبر مثال على ذلك هو فيديوهات مزيفة للممثل الأمريكي توم كروز، يظهر فيها وهو يمارس نشاطاته اليومية، وتم إتقان الصوت بشكل محترف ايضاً. يعني ذلك أنّ التزييف لا يقتصر على الأخبار فقط إنّما على الفيديوهات، والصور، والصوت، وغيرها. 

في هذا السياق، نظّم برنامج الأمم المتحدة الإنمائي “UNDP” بالشراكة مع جمعيّة “دوائر”، وبتمويل من البنك الألماني للتنمية والتعاون الألماني دورة تدريبية لـ”مكافحة خطاب الكراهية والأخبار الزائفة”. حضر هذه الدورة التي امتدّت حوالي 11 شهراً قرابة خمسين صحافياً وصحافية. على إثرها، أطلق ستّة مشتركين منصّة “صواب” الإعلامية على “واتساب”، وهي الأولى من نوعها في لبنان لمكافحة الأخبار الزائفة والتحقّق منها.