fbpx

انتفاضة الإيرانيات وسؤال الحجاب المريب

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

أن تهز قضية حجاب المرأة أسس النظام الإيراني بأوجهه الاقتصادية والأيديولوجية والأمنية والخارجية وتضعها محل اعتراض حازم – وإن أخمد بآليات قمع هذا النظام –  يظل موضع حرج لما هو أوسع من إيران المجتمع والدولة. 

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

مع بدء الاحتجاجات في إيران وتصاعد حدتها، اتخذت دوائر دعاة وأشخاص عاديين في المنطقة العربية، الانتفاضة في إيران، بوصفها سياقاً أو مناسبةً للحديث عن الحجاب بصفته “فطرة ملحّة”، مع الإشارة العرضية إلى ضرورة عدم إكراه المرأة على ارتدائه. 

أحجم هؤلاء عن طرح السؤال الأساسي الذي أثارته انتفاضة الإيرانيات والإيرانيين بشكل مباشر، وهو: هل يحق للدولة أو السلطة فرض ارتداء الحجاب والسهر على مراقبة امتثال النساء لمقتضيات القانون في هذا الإطار، وأدائهن في الحيز العام عموماً؟ وربما أبعد، أي دولة نريدها للمجتمعات المسلمة والتعددية في المنطقة؟

 ففي حين أن الحجاب يشكّل في السياق الإيراني سبباً مباشراً لقتل نساء ولدن مسلمات غالباً- وهن من غير المحجبات بالمعنى الإسلامي للحجاب- إلا أن انتشار فيديوات نساء وفتيات إيرانيات ينزعن الغطاء عن رؤوسهن على الملأ، أثار اضطراباً شديداً لدى شريحة واسعة من المسلمين في المنطقة العربية، وإن كانوا من غير الموالين لسياسات النظام الإيراني. 

يتحدث هؤلاء من دول ترزح تحت أعباء اقتصادية واجتماعية متعددة الأسباب والأوجه، تشبه إلى حد مريب واقع الإيرانيين وأسباب انتفاضتهم، وفيما يشكل تدخل النظام الإيراني في  ودوره الإقليمي الحازم والصاعد أحد أوجه هذه الأعباء.

ويختار هذا الخطاب أن يجانب الدور السياسي لغطاء الرأس في هذا السياق، وتوظيفه من قبل النظام كأداة قمع سياسية واجتماعية، ما يشكل دليلاً مضافاً على انكفاء هذا المكون عن التفكير بالسياسة والحكم والمجتمع بعد انتكاسة تجربة الإسلام السياسي تحديداً، ومحاولة شعوب المنطقة العربية في البلدان ذات الغالبية المسلمة غير المكتملة في تغيير الأنظمة وصياغة بدائل سياسية عنها بشكل عام أكثر. لعل أبرز نتائج هذا المخاض العسير هو انكفاء هذه الفئة عن الشأن السياسي الاجتماعي العام والتركيز على الخطاب الدعوي الذي يدور حول الفرائض الدينية.  

بدت المجموعات النسوية وكأنها وجدت نفسها أمام تحدي إقناع الفئات الأوسع بالتحالف معها ومناصرة مطالبها وأجندتها.

أمام هذا القلق الإسلامي، يبدو لافتاً تعاطف قادة الرأي الدوليين مع النساء الإيرانيات ممن يتعذر عليهم رؤية شعوب هذه المنطقة إلا من خلال عدسة سياسات الهوية المطعمة بشيء من الاستشراق، بحيث تكون هذه الشعوب حصراً فئات مقسمة من حيث الهوية إلى طوائف أقلية أو أكثرية. وكان من بين هؤلاء من وجدوا صعوبة شديدة في التعاطف مع المحتجين في العالم العربي، النساء ضمناً، في السنوات العشر الأخيرة. ما يثير ريبة المتابعين من المسلمين والإسلاميين في المنطقة العربية، الذين يستحضرون بالمقابل حلقات التضييق على المسلمات الأوروبيات مع منعهن من ارتداء الحجاب في سياقات معينة.   

وفيما يبدو أن الانتفاضة الإيرانية بنسختها الأخيرة، والتي أشعلها قتل مهسا أميني بعدما ألقت القبض عليها وحدة الشرطة المكلفة بتطبيق قواعد اللباس التي يفرضها النظام الإيراني، تجسد مشروعاً جدياً ومثالاً حسياً، لما تقدمه النظرية النسوية من موقف واعٍ من السياسات الاقتصادية والاجتماعية والخارجية، ورؤية شاملة للعالم وللإقليم ولأنظمة الحكم الوطنية والعالمية. 

من هنا، فإن الشعب الإيراني قد يكون أقدم على أول فعل سياسي شعبي مكتمل لناحية مصالحته تحركاً حقوقياً نسوياً مع رؤية سياسية أشمل لنظام سياسي ينحو باتجاه العدالة الاجتماعية، يكون مبنياً على احترام الحريات الفردية، فهو اقتراح شعبي وعضوي يزاوج المطلب بالحرية بالمطلب المعيشي. من هنا، فإن التحركات الاحتجاجية واسعة النطاق والتي تشمل طبقات اجتماعية مختلفة في إيران، تبدو من بعيد وكأنها كلٌّ متسق منسجم وتراكمي جارف، يختار بشكل واعٍ أن يضع نفسه في إطار نسوي، من دون أن يترك للمشاهد العربي خيار فصل حرية المرأة عن المطلب السياسي والمعيشي والخيارات في السياسة الخارجية.

ولم تتمكن شعوب المنطقة العربية، والفئات الإسلامية ضمناً، من تقديم طرح مثل طرح الإيرانيين الذي أنضجته جولات الانتفاض المتعاقبة منذ 2017. ففي الميادين العربية، بدا الفضاء الاحتجاجي مطعماً بوجوه نسائية، وترافق هذا الواقع مع مقاربة إعلامية راغبة بإبراز دور النساء في قيادة التحركات- بشكل إيجابي أحياناً وسلبي أحياناُ أخرى، أو تهتف فيها النساء في الصفوف الأمامية وينتظمن ميدانياً كقطاع من ضمن الفئات الأخرى المنخرطة بالفعل الاعتراضي. وفي هذه الحالة، بدت المجموعات النسوية وكأنها وجدت نفسها أمام تحدي إقناع الفئات الأوسع بالتحالف معها ومناصرة مطالبها وأجندتها.

في المحصلة، أن تهز قضية حجاب المرأة أسس النظام الإيراني بأوجهه الاقتصادية والأيديولوجية والأمنية والخارجية وتضعها محل اعتراض حازم – وإن أخمد بآليات قمع هذا النظام –  يظل موضع حرج لما هو أوسع من إيران المجتمع والدولة.