سيرة ملاذ الزعبي من بسكويت “البرشام” إلى لندن

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!
TelegramWhatsApp

لم يكد يتعافى من الصدمة ويستعيد توازنه بعد وفاة باسل الذي أضيف لاسمه ألف ولام التعريف، حتى فجع مجدداً بوفاة  القائد حافظ الأسد، وهو لم يتجاوز مرحلة المراهقة (ملاذ الذي لم يتجاوز وليس القائد). 

يواصل ملاذ الزعبي كتاباته الساخرة ليصل الى سيرة ذاتية فيخرج عبرها عن السياق المعتمد في هذا النوع من الكتابة، ذاك أن السخرية تصيب صاحبها هذه المرة.

ولد في الخليج الثري بالنفط لأبوين سوريين في أواسط الثمانينات.

عادت الأسرة إلى درعا في بدايات التسعينات مع نهاية عقد والديه، فانتقل من عالم “التويكس” و”الكيت كات” و”السنيكرز”، إلى دكانة أبو أدهم التي تعج بالصراصير. مصروفه المدرسي تراوح بين ليرتين في اليوم الواحد وخمس ليرات في اليومين المتتاليين، باستثناء أيام العطلات الوطنية والرسمية والدينية والعطل الأسبوعية وعطلة الربيع الانتصافية وعطلة نهاية العام الصيفية، التي كانت معفاة من المصروف. استخدم هذه المبالغ السخية في التهام منتجات بسعر ليرتين، هي أكياس شيبس مصنوعة من نشارة الخشب والمنكهة بالتراب المفترض أنه زعتر، أو قطعة بسكويت صلبة مغمسة بسائل غامق اللون أُشيع أنه شوكولا. أكياس الشيبس حملت اسماً قومياً هو “العربي”، والبسكويت اسماً رومانسياً هو “الموعد”، وقد حافظ منذ ذلك الوقت على تعصبه للعروبة والالتزام بالمواعيد. 

في حالات نفاد الكميات لدى كشك أبو إياد خلال الفسحات بين الحصص المدرسية أو خلال تطبيق سياسات التقشف، كان يلجأ إلى استهلاك منتجات مدعومة من الدولة بسعر ليرة واحدة كبسكويت البرشام (مفعوله يشبه البرشام المصري) أو المثلجات المعروفة بـ”الآيس” قبل أن تتعرض الأخيرة لحظر من الوالدة بمرسوم عائلي نافذ حكماً، بعد تعدد الإصابات بحالات الإسهال والمغص وتشنج المعدة والعثور في الآيس على مكونات بروتينية مغذية من أرجل الحشرات وأجنحة الذباب.

تعلم الصبر خلال تجارب توفير المصروف ليومين أو ثلاثة أيام متتالية بهدف شراء قطعة بسكويت الفاخر (وهو اسم على مسمى طبعاً) أو  كراميل رلاس أو زجاجة مشروبات غازية ماركة “سينالكو” بخمس ليرات. فشل في تجارب مماثلة لتوفير ممتدٍ زمنياً لأسبوع أو أسبوعين بهدف شراء مسدس خرز بلاستيك أو النسخة الاشتراكية ذات الوجه الإنساني من المونوبولي المعروفة باسم “ألعاب قاسم والمزرعة”.

ولد في الخليج الثري بالنفط لأبوين سوريين في أواسط الثمانينات.

فُجع خلال طفولته بوفاة الرئيس المقبل باسل الأسد في حادث أليم، تأثر خلال المرحلة الإعدادية بكتابات المنظر والفيلسوف إسكندر لوقا وكتابه التأسيسي الأشهر: “حافظ الأسد.. قيم فكرية وإنسانية”. تعرف بشكل مقرب على القضية الفلسطينية من خلال الدراسة في الأونروا والرفسات واللطمات على أطراف المخيم، ومتابعة القناة الإسرائيلية الثانية لمعرفة كيف يفكر العدو وماذا يبث من مشاهد ساخنة على شاشاته لإفساد الأجيال الشابة.

لم يكد يتعافى من الصدمة ويستعيد توازنه بعد وفاة باسل الذي أضيف لاسمه ألف ولام التعريف، حتى فجع مجدداً بوفاة  القائد حافظ الأسد، وهو لم يتجاوز مرحلة المراهقة (ملاذ الذي لم يتجاوز وليس القائد). 

المرحلة الثانوية كانت حافلة بإقامة علاقات ثنائية متميزة مع الموجهين وأساتذة التربية العسكرية، مثلت الصفعات الحارقة حدثاً تعليمياً هادفاً خلال مختلف السنوات الدراسية، وعبرت عن اهتمام الأساتذة بمصلحته بشكل خاص. مارَسَ مِشية البطة صباحاً بشكل منتظم قبل الحصة الدراسية الأولى للاعتناء برشاقته. واظب أيضاً على ممارسة العادة السرية، حتى أوشكت تصبح علنية.

هاجر إلى عاصمة الياسمين وأقدم مدينة مأهولة في العالم: دمشق، لمواصلة مسيرته (التي كانت تتعثر بالياسمين أينما يمم أنفه وبصره) العلمية الناجحة بعد تخرجه من البكالوريا إثر ثلاث محاولات متفاوتة. حضر شخصياً أربع محاضرات متنوعة خلال دراسته الجامعية للأدب الإنكليزي وأقلع فوراً عن هذه العادة المضرة، خشية أن ينزلق إلى شراك الإدمان. أنهى درجة البكالوريوس بإتقان لافت لبعض الكلمات بالإنجليزية بغضِ النظر عن طريقة لفظها. درس الإعلام أيضاً في قسم التعليم المفتوح بإشراف “الميديا فيغر” البارز عطا الله بوليتزر الرمحين، وتعلم الإجابة عن السؤال الأساسي في الخبر الصحافي: من ذا يكافئ زهرة فواحة؟… أو من يثيب البلبل المترنما؟

إقرأوا أيضاً:

استفاد من حيوية المشهد الإعلامي ومنسوب الحريات المرتفع في بلاده لينطلق بمسار مهني واعد (لم يتم الإيفاء به حتى الآن). ترقى في السلم الوظيفي لعدد من المؤسسات الكبرى، وبلغ أوج نجاحه المهني في ذلك الوقت بالعمل كمحرر في مواقع إلكترونية كانت تغلق بعد شهرين من إطلاقها بأقصى حد.

فاتته المشاركة في الوقفتين الاحتجاجيتين أمام السفارة المصرية والليبية تباعاً بعد اندلاع ثورات الربيع العربي، ولاحقاً في محاولة تظاهرة جامع كفرسوسة بعد إحدى صلوات التراويح، وهي من أهم ثلاثة أحداث قبل انطلاق الثورة السورية وبعدها. 

عانى بعدها من وحشة المنفى في بارات الجميزة بيروت، ومن ثم في أوروبا… عمل في مؤسسات إعلامية سورية وعربية- كردية الطابع، وتعلم فيها مهارات استثنائية بعد خوضه دورات تدريبية متقدمة: “كيف تكون عصابة أو شلة وسط بيئة عمل معادية؟”، “طق برغي لزميلك دون أن يشعر”، ومن ثم الدليل التدريبي الأبرز الذي أشرفت على وضعه مجموعة من زملاء العمل السوريين: “المختصر الوجيز في تملق المديرين وتلحيس الطيز”.

يعيش اليوم في العاصمة البريطانية لندن، واختير أخيراً في المركز التاسع ضمن قائمة أكثر عشر شخصيات مؤثرة في حياة ابنه الرضيع آدم.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني