حريق سجن إيفين في طهران:
قصة سجن جلب لجيل الثورة التعذيب والموت بدلاً من الحرية 

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

من بين أنماط التعذيب في سجن إيفين "عمليات الضرب، والتحرش والعنف الجنسي، والجلد، والصعق بالكهرباء، والإعدام الوهمي، والإيهام بالغرق، والتعليق، والتغذية القسرية بمواد كيميائية، والحرمان المتعمد من الرعاية الطبية".

بعث حريق سجن إيفين الأخير في طهران، الواقع على سفوح جبال ألبرز، بمشهد إضافي، في ظل التظاهرات التي تتحدّى نظام الولي الفقيه. هذا المشهد يتغلغل في قلب أسوأ المنشآت العقابية التي تعمد إلى هندسة الإذلال وملء ذاكرة البشر بفائض من العنف والقسوة والاضطهاد.

وقد طالبت مؤسسات حقوقية بتشكيل آلية مستقلة للتحقيق في أحداث سجن إيفين الذي يضم عدداً كبيراً من سجناء الاحتجاجات الأخيرة، وهو ما دفع بطلاب الى تكرار الإشارة الى سجن إيفين حيث رفع بعضهم شعار “طهران أصبحت سجناً وإيفين أصبح مسلخاً”.

مع المحطات، غير المسبوقة، التي تصل إليها الاحتجاجات المحتدمة في إيران، والمستمرة لأكثر من شهر تقريباً، فإنّ النظام الإيراني، على ما يبدو، يخضع لحوادث لا تخلو سياقاتها من تأكيد نزع صفة الأبدية عنه. 

تكشف أنماط التعذيب الموثقة والممنهجة داخل هذا السجن، الذي تأسّس في فترة شاه إيران، عن فساد وتوحش، يشكلان جدارية تفضح خروقات “الولي الفقيه” الحقوقية. 

انفرد سجن إيفين، بخلاف غيره من السجون الإيرانية التي لا تقل قساوة عنه، بخصوصية لدى هؤلاء الذين نجوا من جلاديه، لدرجة أنّ الروائية الكندية الإيرانية، مارينا نعمت، مؤلفة رواية “سجينة طهران”، لا تخفي رغبتها في أن يتحول السجن إلى متحف بعد زوال نظام الملالي.

وتكاد تتطابق الصور والمشهديات التي تقدمها شهادات معتقلين سابقين في هذا السجن الواقع بمنطقة إيفين شمال غربي إيران. 

ففي فيلمها الوثائقي “ولد في سجن إيفين”، حاولت المخرجة الألمانية من أصل إيراني، مريم زاري، استعادة أجزاء من ذاكرتها المفقودة، والتي ظلت خبيئة سنوات امتناع أمها عن ذكر وقائع هذه المرحلة الصعبة. وقد كانت (مريم) جنيناً عند اعتقال والديها، قبل نجاتهم بالهرب من إيران. بينما عبرت سحر دليجاني في روايتها “أطفال شجرة جاكوندا” عن ولادتها في السجن ذاته.

المفارقة في رواية “سجينة طهران” أنّ مؤلفتها جمعت بين الخاص والعام فيها. وذلك بعدما حرضتها عملية القتل الوحشي للصحفية الكندية الإيرانية، زهرة كاظمي، عام 2003، على أن تمزج قصتها التي تتماس ووقائع السجناء الإيرانيين (ومنهم مزدوجو الجنسية) في سردية أدبية للكشف عن الصورة الجهنمية التي تحرق الذين انتفضوا ضد القمع وغياب الديمقراطية والعدالة. 

فسعت المؤلفة، من خلال تجربتها بالسجن الممتدة لعامين وشهرين و12 يوماً، أن تفض الأحجبة عن تفاصيل، غير مرئية، تتصل بجيل الثورة (اعتقلت مارينا نعمت وعمرها لا يتجاوز 16 ربيعاً) الذي اصطدم بانحرافات “آيات الله” عن مبادئ المشاركة السياسية، وتصفية المعارضين وقمعهم. 

إذ سقطت أحلام الثورة “في شراك حريق هائل خرج عن السيطرة وجلب لهم السجن والتعذيب والموت بدلاً من الحرية والديمقراطية”، كما تقول الروائية في الحوار المنشور معها بختام روايتها.

اعتقلت نعمت بدعوى “معاداة الحكومة الإسلامية”، في فترة الخميني، أثناء مشاركتها في احتجاجات انخرطت فيها بمدرستها الثانوية. ثم أُرغمت على الزواج أثناء سجنها من أحد عناصر الحرس الثوري، واعتناق الإسلام قسراً وتغيير اسمها إلى “فاطمة”.

من بين أبرز الجرائم الحقوقية التي شهدها سجن إيفين مجزرة إعدام السجناء، في ثمانينات القرن الماضي. ويعد الرئيس الحالي إبراهيم رئيسي أحد قضاة الإعدام الذي تولى تنفيذ فتوى الإعدام الصادرة من الخميني بحق المعارضين.

الحريق المباغت والغامض يتزامن واحتجاجات طاولت السجن، سيئ السمعة، الذي يخفي خلف مبانيه فضاءً بصرياً مروعاً تتآكل بين قضبانه الحديدية الأجساد، لجهة نفي الحياة والحرية والإرادة. 

من بين أبرز الجرائم الحقوقية التي شهدها سجن إيفين مجزرة إعدام السجناء، في ثمانينات القرن الماضي. ويعد الرئيس الحالي إبراهيم رئيسي أحد قضاة الإعدام الذي تولى تنفيذ فتوى الإعدام الصادرة من الخميني بحق المعارضين.

وبرغم أنّ وكالة أنباء الجمهورية الإسلامية الإيرانية (إرنا)، كشفت عن إصابة 8 أشخاص داخل السجن على خلفية الحريق الأخير، إلا أنّ الغموض ما زال يكتنف ملابسات ما حصل. ووفق وكالة “رويترز” للأنباء، فهناك سماع لدوي رصاص وإطلاق نار داخل السجن، بحسب شهود ميدانيين. 

كما بثت “منظمة حقوق الإنسان في إيران” مقاطع فيديو لنيران تتصاعد من داخل السجن. وعبر حسابها على “تويتر”، أوضحت قناة “1500 تاسفير”، المعنية بالاحتجاجات المندلعة منذ وفاة الفتاة الكردية الإيرانية، مهسا أميني، أنّ “حريقاً ينتشر في السجن وأمكن سماع صوت انفجار”. وترددت هتافات منها “الموت للديكتاتور”. 

ونقلت وكالة “رويترز” للأنباء عن أحد الشهود قوله إنّ “جميع الطرق المؤدية إلى سجن إيفين أُغلقت أمام حركة المرور. هناك الكثير من سيارات الإسعاف هنا. وما زلنا نسمع دوي طلقات نارية”. 

ويبدو أنّ حركة تمرد تتفشى بين السجناء، ما تسبب في حدوث اضطرابات، ونجم عنها تعاطٍ أمني خشن. غير أنّ التطورات التي آلت بالأوضاع إلى حدوث حريق لا تزال غير واضحة على نحو شفاف. 

السردية الرسمية الوحيدة المتداولة، نقلتها وكالة “فرانس برس” عن مصدر أمني، لم تفصح عن هويته. وذكر المصدر الأمني أنّ هناك “اضطرابات ومواجهات وقعت ليلة السبت (الماضي) في قسم احتجاز المجرمين في سجن إيفين”. وقد تفاقمت حتى تسببت في “إشكال بينهم وبين عناصر السجن”. ومن ثم، تطور الأمر إلى قيام “البلطجية بإضرام النيران في مستودع للألبسة في السجن، ما تسبب بحريق”.

وأردف: “حالياً، الوضع تحت السيطرة بشكل كامل والهدوء يسود في السجن، وعناصر الإطفاء يعملون على إخماد النيران”. وختم: “تمّ فصل مثيري الشغب عن الآخرين، والمحتجزون الآخرون عادوا إلى زنزاناتهم”. 

كما ثمّة صلات تؤشر إلى وجود شبهات بشأن انتقال عدوى الاحتجاجات إلى السجن، نقلت وكالة أنباء “تسنيم” الإيرانية عن مسؤول، كذلك، لم تسمه، أنه “لم يشارك أيّ سجين سياسي في المشاجرة التي نشبت اليوم بين السجناء، وأساساً عنبر السجناء الأمنيين منفصل وبعيد عن عنابر اللصوص والمدانين بجرائم ماليّة”.

وكالة أنباء “فارس”، التابعة للحرس الثوري الإيراني، قالت إنّ الحريق في سجن إيفين نتج عن حرق “مستودع الملابس وورشة العمل” في السجن، إثر “صراع مفتعل” بين سجناء. وقضى في الحريق أربعة معتقلين، فضلاً عن إصابة 61 آخرين، كما أعلنت السلطة القضائية على منصتها الإلكترونية.

وفي المقابل، حمّلت وزارة الخارجية الأميركية السلطات الإيرانية “سلامة المواطنين الأميركيين” المحتجزين في سجن إيفين، إثر الاضطرابات والحرائق التي اندلعت داخل السجن.

وغرد الناطق بلسان الخارجية نيد برايس على “تويتر”: “تتحمل إيران المسؤولية الكاملة عن سلامة مواطنينا المحتجزين بدون وجه حق والذين يجب إطلاق سراحهم فوراً”. 

ومن بين المعتقلين مزدوجي الجنسية في إيران، الأكاديمية الفرنسية الإيرانية فاريبا عادلخاه، والمواطن الأميركي سياماك نمازي الذي أوضحت عائلته، في بيان لها عقب الإعلان عن الحريق، أنّه تمّ احتجازه، مجدداً، في “إيفين هذا الأسبوع” بعد صدور قرار بالإفراج المؤقت عنه. وكشفت عن “قلقها العميق” من وضعه داخل السجن، وبخاصة مع الصعوبات التي تحول دون الاتصال به.

ولمّحت روهام ألفاندي الأستاذة المساعدة في كلية لندن للاقتصاد، على حسابها في “تويتر”، إلى أنّه “في حال لا قدّر الله لقي سجناء سياسيون مصرعهم، عندها سيكون هذا الحدث بحجم حريق سينما ريكس في عبدان في آب/ أغسطس 1978 الذي سرّع في سقوط الشاه”.

ولا تعدو الجرائم الحقوقية في سجن إيفين كونها حدثاً عرضياً أو مباغتاً. فمنذ توسعة السجن الذي تضاعف في عهد الخميني، وبعدما كان يضم 20 زنزانة انفرادية إضافة إلى 300 آخرين في جناحين كبيرين، أضحى يتسع ليستقبل قرابة 15 ألف سجين.

ومنذ ذلك الحين، تحول سجن إيفين إلى “معقل الانتهاكات في إيران”، بحسب تقارير حقوقية.

في آب/ أغسطس الماضي، تمكن قراصنة من تسريب فيديوات من داخل سجن إيفين الإيراني، توثق خروقات جمّة لحقوق الإنسان، وأنماطاً من التعذيب بوساطة حراس السجن، الأمر الذي وصفه تقرير لمنظمة “هيومن رايتس ووتش” بأنّها “أدلة لا يمكن إنكارها”.

وطوال عقدين تقريباً، منعت السلطات في طهران المراقبين المستقلين من زيارة السجون الإيرانية. كما رفضت التحقيق الجدي في الانتهاكات، بينما حاكمت السجناء الذين أبلغوا عن تعرضهم للتعذيب، وفق المنظمة الحقوقية الأممية. وتابعت: “برغم هذه القيود، تستمر المجموعات الحقوقية والنشطاء المسجونون بسبب نشاطهم السلمي بالإبلاغ عن انتهاكات ممنهجة للإجراءات الواجبة والتعرض للتعذيب في السجون الإيرانية”.

واتفقت والرأي ذاته، مديرة المكتب الإقليمي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة العفو الدولية، هبة مرايف، والتي قالت إنّ “اللقطات المريبة” تقدم لمحة نادرة عن القسوة التي يتعرض لها السجناء في إيران بانتظام. وأردفت: “من المروع أن نرى ما يحدث داخل جدران سجن إيفين. ولكن للأسف، فإنّ الإساءة الموضحة في مقاطع الفيديو المسربة هذه ليست سوى غيض من فيض لوباء التعذيب في إيران”.

واضطر مسؤولون إيرانيون، وقتذاك، الاعتراف بصحة هذه الفيديوات. بل واعتبروها “سلوكيات غير مقبولة”. فيما أعلن رئيس السلطة القضائية الإيرانية، غلام حسين محسني إيجي، عن قراره بـ”إجراء فحص سريع ودقيق لمعاملة السجناء من قبل مسؤولي السجن و/أو السجناء الآخرين في سجن إيفين”.

ومن بين أنماط التعذيب في سجن إيفين “عمليات الضرب، والتحرش والعنف الجنسي، والجلد، والصعق بالكهرباء، والإعدام الوهمي، والإيهام بالغرق، والتعليق، والتغذية القسرية بمواد كيميائية، والحرمان المتعمد من الرعاية الطبية”.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

الأكثر قراءة

سعيد المرابط – صحافي مغربي
النقاش حول الهوية الذي ظهر في خضم مونديال قطر هو انعكاس لمسلسل متباطئ في مسار تصحيح تاريخ لطالما تم طمسه، بعدما أعطاه اللاعبون المغاربة ومدرب المنتخب نفسا جديدا.
Play Video
يزخر المشهد الخليجي بالكثير من الأحداث الاحتفالية فنياً وثقافياً في سياق ما يعرف بسياسة الانفتاح الاجتماعي والاقتصادي، لكن الحفاوة التي تطغى لا تخفي مساحات مظلمة عديدة خصوصا تلك المتعلقة بالقضايا الحقوقية والسياسية.

41:35

Play Video
عن سالي وزينب وأخريات، تعرّضن للخيانة والتخلي من قبل شركائهنّ، إثر إصابتهنّ بالسرطان… والحجة جاهزة دائماً، تلبية الحاجات الجسدية!

3:20

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني