عن استباحة حياة شيرين عبد الوهاب… وأخريات

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

في مجتمعاتنا يُصب إسمنت البيت على كرامة المرأة، وترتفع أعمدته بدفن حقها، ويُصان شرف الدار بجثث النساء، شيرين اليوم بحاجة إلى العلاج من آثار العنف الذكوري الذي واجهته من المجتمع بأكمله لا من حسام فحسب.

تواجه الفنانة المصرية شيرين عبد الوهاب هجمة حقيقية، تتولى استباحة حياتها وخصوصياتها، تحليل شخصيتها، وضعها، وتصل الأمور إلى رمي اللوم عليها وتحميلها مسؤولية وضعها في مستشفى قسراً، كون النساء غالباً مسؤولات عن عذابهنّ في مجتمعاتنا.
حين وجدت شيرين عبد الوهاب حبيبها حسام، تمّ الاحتفاء بـ”السيد” وعلاقة الحب الرومانسية على مواقع التواصل الاجتماعي. باتت النجمة ناضجة وحققت معايير المرأة الخارقة بوصفها الأم العاملة، العاشقة والنجمة بطبيعة الحال، لكن سرعان ما ذبلت حين تمردت على سيدها.
لم تشفع لشيرين نجوميتها، ولم تمنع من كونها امرأة مع ما يعنيه ذلك من سهولة استباحة حياتها من رجال “يفهمون أكثر منها، ويعلمون مصلحتها وما يجب أن تفعله”. في أحد البرامج قبل مدة، سمح أحد الأطباء النفسيين لنفسه كغيره من المتابعين بتحليل شخصية شيرين، وما تمرّ به والأغرب أنه ألقى اللوم عليها، وهي ضحية تعنيف وإهانة وزواج مدمر كما وصفته عبد الوهاب، برغم معرفته العميقة بمدى الضرر النفسي الذي تتعرض له، ووصفها بالضعف، وبأنها لا تساعد نفسها للخروج من هذه العلاقة.
وبالطبع أفترض هنا أنه كطبيب يدرك حتماً أن العنف الأسري يجعل بعض الحالات تعاند العلاج، أو حتى يساهم في خلق اضطرابات جديدة.
قبل ذلك، كانت شيرين قد تحدثت طويلاً عن حاجتها للعلاج من آثار هذه العلاقة السامة، وفي كل مرة تستشهد بطبيبها الدكتور محمود مرسي، الاستشاري النفسي الذي كان يشرف على حالتها، وعلى رغم آثار الاكتئاب والحزن والغضب، إلّا أنها لم تكشف بالضبط ما تعاني منه.
خلال حفلها في مهرجان قرطاج قبل أشهر، التي اعتبرته “يحيي من كان ميتاً” لم تتردد شيرين بكل عفويتها في تقبيل يد الطبيب نبيل عبد المقصود، وهو أستاذ علاج الإدمان والسموم بكلية الطب جامعة القاهرة، ولديه مراكز متخصصة للدعم النفسي. شكرته، بكل حب قائلة “أحب أشكر دكتوري هو اللي عالجني بجد، وقبل أسبوعين قولتله مش هطلع أغني، قالي هتقدري وأنا هاجي معاكي”.
وحدها التي تعاني من وحشية الاضطرابات التي مرت بها شيرين، تدرك معنى أن تُمَدّ يد لها وتقول لها أنت تستطيعين، في ظل كل أصابع الاتهام التي تحمّلها مسؤولية خيباتها، شيرين كانت فقط بحاجة إلى يد تمدُّ إليها وصوت حنون يقول لها، تستطعين الغناء مجدداً، لتصعد إلى المسرح وتبهرنا كعادتها.
هذا المشهد دفع بعض رواد التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام التقليدي، لإعادة رواية والد حسام الذي اتهمها سابقاً بأنها تعاني من إدمان المخدرات، ليتصدر خبر الإدمان المواقع ويعاد تداوله، لترسيخ الخطاب الذكوري الذي يلقي اللوم على شيرين ويصفها بـ”غير المتزنة”، وأنها من أهانت نفسها.

لم تشفع لشيرين نجوميتها، ولم تمنع من كونها امرأة مع ما يعنيه ذلك من سهولة استباحة حياتها من رجال “يفهمون أكثر منها، ويعلمون مصلحتها وما يجب أن تفعله”.

“أنا آسفة عاللي عملته في نفسي”

اليوم تصدر عائلة شيرين الرواية نفسها، مبررة احتجازها في مستشفى للأمراض النفسية، بعدما اعتدى شقيقها محمد عليها وضربها، بحجة أنها غير واعية، وتتعاطى المخدرات برفقة حسام منذ أسبوع، على رغم تراجع محامي شيرين عن البلاغ الذي كان قدمه ضد شقيقها، بحجة أن المختصين قالوا إنها تحتاج للعلاج لمدة شهر في المستشفى، إلّا أن اختفاء شيرين بهذه الطريقة يعزز رواية احتجازها.
أمام الضغط الذي تعرضت له شيرين بكل عفويتها وتلقائيتها، في 19 تموز/ يوليو، وخلال اتصال مع لميس الحديدي كانت قد اعتذرت من نفسها وبناتها وجمهورها لكل ما فعلته بنفسها. اعتذرت شيرين  كثيراً، عن حزنها وضعفها، وكأنها تُخرِج إلى العلن كل مشاعر جلد الذات.
خلال كل اللقاءات السابقة استخدمت شيرين كلمة “بنت أصول” في كل مرة حكت عن مسامحتها لزوجها، أو على إعطاء العلاقة فرصة، أو حتى تسجيل سيارتها باسمه، لأنه من المعيب أن يقود سيارة باسم زوجته، شعرت بأنها تحتاج إلى تبرير نفسها وحبها وعلاقتها لأنها أدركت سابقاً أن النجومية لا تغفر للمرأة إفشاء أسرار زواجها حتى ولو كان الزوج يهدد حياتها واستقرارها وأمانها النفسي.
ربما هذه الفكرة الراسخة في عقل شيرين إضافة إلى واسطة بعض الفنانين، بين شيرين وحسام، دفعت شيرين مجدداً لإعلان الصلح في بيان رسمي نشرته عبر صفحتها الرسمية على “فيسبوك”، وإنهاء الخلافات القضائية بينهما… لم تعرف ما سيكلفها هذا الصلح.
في مجتمعاتنا يُصب إسمنت البيت على كرامة المرأة، وترتفع أعمدته بدفن حقها، ويُصان شرف الدار بجثث النساء، شيرين اليوم بحاجة إلى العلاج من آثار العنف الذكوري الذي واجهته من المجتمع بأكمله لا من حسام فحسب.

إقرأوا أيضاً:

مفهوم مغلوط عن الحب


تقول الشاعرة الفرنسية سيسيل سوفاج: “على المرأة أن تنسى شخصها عندما تحبّ. إنه قانون الطبيعة. لا توجد المرأة دون سيّد. بلا سيّد تكون باقة مبعثرة”، تبدو هذه العبارة ظالمة وبخاصة أنها صادرة من امرأة وشاعرة، لكن يمكن تفهم قولبة الأفكار التي تتعرض لها النساء طوال عقود. لكن سيمون دوبوفوار تنفي ما كتبته سوفاج، لتقول: “في الحقيقة، لا يتعلق الأمر بقانون الطبيعة. اختلاف وضعي الرجل والمرأة هو ما ينعكس على المفهوم الذي يكونانه عن الحب”، وتشرح سيمون “بما أن المرأة حبيسة النسبيّ، مُكرسة للذكر منذ طفولتها، معتادة على أن ترى فيه سيداً غير مسموح لها بالتساوي معه، فما تحلم به، وهي التي لم تتخلّ عن مطالبتها بأن تكون إنساناً، هو تجاوز كيانها نحو أحد هذه الكائنات العليا، أن تتحد وتختلط بالذات المهيمنة”.
ربما من هناك بدأت تتسرب الذات المهيمنة على حياة شيرين، ونجوميتها التي دفعت الأعين الفضولية إلى التجسس على حياتها، وحبها، وجعل من حياتها المضطربة مشاعاً للجميع، لكن ماذا لو نظرنا خلف أسوار البيوت العالية، حيث تُطفئ الأضواء على دموع النساء، اللواتي لا تلاحقهن عيونٌ فضولية سوى بعض الجارات، وتُقتل امرأة إثر نوبة غضب شريكها، أو تنهي حياتها بحثاً عن الخلاص. من سوء حظ شيرين أنها في النور، ومن سوء حظ الأخريات أنهن في الظلمات، يُسحلن بصمت، وصدى أنينهن لا يسمع.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

الأكثر قراءة

سعيد المرابط – صحافي مغربي
النقاش حول الهوية الذي ظهر في خضم مونديال قطر هو انعكاس لمسلسل متباطئ في مسار تصحيح تاريخ لطالما تم طمسه، بعدما أعطاه اللاعبون المغاربة ومدرب المنتخب نفسا جديدا.
Play Video
يزخر المشهد الخليجي بالكثير من الأحداث الاحتفالية فنياً وثقافياً في سياق ما يعرف بسياسة الانفتاح الاجتماعي والاقتصادي، لكن الحفاوة التي تطغى لا تخفي مساحات مظلمة عديدة خصوصا تلك المتعلقة بالقضايا الحقوقية والسياسية.

41:35

Play Video
عن سالي وزينب وأخريات، تعرّضن للخيانة والتخلي من قبل شركائهنّ، إثر إصابتهنّ بالسرطان… والحجة جاهزة دائماً، تلبية الحاجات الجسدية!

3:20

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني