fbpx

مصر تنضمّ إلى مجلس التعاون الخليجي في التضييق على “نتفلكس”

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

يخوض المجال الثقافي والفني حرباً باردة مع الرقابة تنتصر فيها الأخيرة في أغلب الجولات.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

أصدر المجلس الأعلى للإعلام المصري قراراً بالنظر في إعادة تنظيم قواعد وتراخيص بث منصات الترفيه الرقمية، وخص البيان بالتحديد ذكر منصتي “نتفلكس” و”ديزني”. 

شدّد البيان، غير المحدد في هدفه ومفرداته، على أن عدم التزام تلك المنصات “بالأعراف والقيم المجتمعية للدولة ” في محتواها سيدفع المجلس للقيام بالإجراءات اللازمة دون حتى أن يحدد ما هي طبيعة الإجراءات المتوقع اتخاذها.

الصيغة المطاطة للقرار تلوّح بشكل ضمني إلى أن هذه المنصات مهددة بالحجب أو المنع. صدر البيان ولم نعرف ما إذا كان هذا القرار عن عبث نظراً لصعوبة تطبيقه ولا يعول عليه أم هو إشارة تدعو إلى القلق بشأن تفشي أذرع الرقابة ووصولها إلى المنصات العالمية؟

بات اسم المجلس الأعلى للإعلام في مصر قرينًا بقرارات المنع والحجب، وإذا كان المجلس في ظاهره هو السلطة المختصة في مصر بحماية الرأي والفكر والتعبير وضمان استقلال الإعلام طبقًا لنصوص الدستور والقانون، فإن توصيف المجلس يدفعنا إلى التساؤل بشكل أعمق: هل الرأي والفكر والتعبير بحاجة إلى جهة حماية؟ 

تواطؤ معلن

يستند بيان المجلس في قراراته إلى ضرورة الالتزام بقيم المجتمع وأعرافه دون أن يوضح ما هي الأعراف التي يناشد المنصات الامتثال لها؟ الاستناد إلى القيم يجعل البيان فضفاضاً غير واضح في أهدافه ويفتح مجالاً للتضييقات الرقابية وفق الأهواء الشخصية، لكنه من جهة أخرى يداعب أهواء المجتمع المحافظ الذي ينزعج من ترويج للميول الجنسية المغايرة دون مشاهدة هذه الأفلام التي يطالبون بمقاطعتها، ومن جهة أخرى يطالبون الدولة بدعم وتمويل ما أسموه قديماً في أيام حكم مبارك “الفن النظيف”. 

يخوض المجال الثقافي والفني حرباً باردة مع الرقابة تنتصر فيها الأخيرة في أغلب الجولات، لكن منصات الترفيه من جهة أخرى تقّيد أذرع الرقابة لأن المنصات هذه لا تبث عبر الأقمار الصناعية وتدخل كل البيوت، بل هي مساحة حرة يشترك فيها الجمهور بكامل إرادته، وبإمكانه التحكم فيها بعرضها على أجهزته الخاصة ومشاركتها مع أشخاص محددين وبكلمات السر التي يحددها. 

البيان المصري الصادر ما هو إلا تبعية للدول الخليجية، موافقة غرضها أن تتصدر عناوين الأخبار برفض الدول الخليجية ومصر عرض هذه الأفلام التي تهدد قيمنا، لكن هذا المشهد ليس طبيعيًا في مصر خاصة أن مصر حتى وقت قريب عرضت أفلام بها علاقات مثلية.

مشاهدة المنصات إذن عملية مشاهدة فردية خاصة ومنتقاه، حتى مشاهدات الأطفال تكون برقابة أبوية يسهل التحكم فيها، ورغم ذلك مازالت المساعي تتزايد لفرض المزيد من الرقابة والدعوات لمقاطعة ما يختاره الجمهور بإرادته، ناهيكم عن فرض الرقابة على ما يشاهده الجمهور في السينمات وعبر شاشات التليفزيون.

استشعر المجلس الأعلى للإعلام غياب سلطته على المنصات الرقمية تزامنًا مع أزمة فيلم “أصحاب ولا أعز” والهجوم العنيف ضد بطلة الفيلم منى زكي وأصبح السؤال الذي يشغل الرأي العام كيف سمح لهذا الفيلم أن يعرض؟ حينها أصبح المجلس الأعلى للإعلام في موقف دفاع عن نفسه مما أجبره على التصريح بأنه لا يد له ولا سلطة لمنع الفيلم أو منع محتوى المنصات مثل “نتفليكس” خاصة أن الفيلم لم يتم تصويره في مصر بل في لبنان وجهة الإنتاج ليست مصرية فلا يجوز معاقبتها قانونياً.

فيلم “أصحاب ولا أعز”

ما حدث مع فيلم “أصحاب ولا أعز” يذكرنا بسنوات هرب الفنانين والمخرجين المصريين إلى لبنان في الستينات إثر تأميم السينما المصرية في عهد جمال عبدالناصر. شهدت تلك المرحلة تقييداً للحريات وتشديداً للرقابة على طبيعة الأفلام التي تنتجها الدولة فبات اللجوء إلى لبنان اختيارا آمنا للفنانين ليصنعوا الأفلام بعيدًا قدر المستطاع من سلطة الرقابة ومقص الرقيب.

من أزعج الرقيب؟

بمراقبة المشهد الدرامي والسينمائي الحالي نجد أنه هادئ، لا وجود لعمل فني جديد يثير الجدل ويدفع المجلس لإصدار هذا البيان في هذا التوقيت بالتحديد، لكن بإتساع مجال الرؤية نجد أن البيان صدر بعد يوم من صدور بيان مجلس تعاون دول الخليج بشأن مخالفة محتوى منصة “نتفلكس” لضوابط المحتوى الإعلامي في دول المجلس والذي يتعارض مع المبادئ الإسلامية والمجتمعية.

بيان مجلس التعاون الخليجي وإن كان فضفاضًا أيضًا في صيغته فلم يحدد طبيعة ما أزعجه بالتحديد من محتوى ولم يذكر الإجراءات التي يعتزم اتخاذها، إلا أن البيان خص منصة “نتفلكس” بالتحديد دونًا عن غيرها، بالإضافة إلى ذكر الخطوة التي اتخذها المجلس بالفعل بالتواصل مع المنصة لحذف المحتوى غير المرحب به دون أن يكون مجرد تهديد أو تلويح بالإصبع في الهواء كالبيان المصري الذي لا يخاطب جهة محددة بل يلقي كلماته الغاضبة في بحر واسع يلتقطها فقط من يستشعر الخطر فوق رأسه. 

تواصل “درج” مع كاتب السيناريو والمؤلف محمد المصري لنقرأ معه في بيان المجلس الأعلى للإعلام المصري في محاولة لتحليل وفهم ما وراء السطور والجذور التي أنبتت كل هذا التضييق.

يعتقد المؤلف والسيناريست محمد المصري أن جذور القضية ترتبط بازدياد دور العرض  السينمائي في السعودية، ذلك الانفتاح الفني حدث بالتوازي مع أفلام “مارفل” الأخيرة التي ازدادت جرأتها في التعامل مع العلاقات المثلية في أفلامها، “هذه الأفلام تم منعها من العرض في السينمات العربية مؤخرًا، لو كنا أمام فيلم يتناول علاقة مثلية لم يكن هناك حاجة لإصدار بيانات، لكن الأمر كله متعلق بأفلام مارفل التي تعتبر أكبر سلسلة سينمائية أخر خمسة عشر عام، لذلك منع أي فيلم من أفلام مارفل/ ديزني يتحول إلى حدث يتطلب شد وجذب من الطرفين: ديزني والرقابة في السعودية والإمارات”.

 لكن يبقى السؤال الآن، أين مصر من هذا المشهد؟ 

يستطرد  المصري، “البيان المصري الصادر ما هو إلا تبعية للدول الخليجية، موافقة غرضها أن تتصدر عناوين الأخبار برفض الدول الخليجية ومصر عرض هذه الأفلام التي تهدد قيمنا، لكن هذا المشهد ليس طبيعيًا في مصر خاصة أن مصر حتى وقت قريب عرضت أفلام بها علاقات مثلية، سواء عروض مهرجانات سينمائية أو عروض تجارية مثل فيلم Bohemian Rhapsody لرامي مالك الذي مثّل شخصية مغني الروك فريدي ميركوري وهو رجل ذو ميول جنسية مغايرة، الأمر لم يقف عند العرض فحسب بل الاحتفاء الكبير بالفيلم وبرامي مالك ذو الأصول المصرية الذي حصل على جائزة الأوسكار عن هذا الدور. يمكنني القول إن مصر لم تتغير بل ما تغير هو تبعيتها لقرارات السعودية والإمارات ومجاراة سياسة التفاوض التي تفرض المزيد من الرقابة”.

هل يحسم الجمهور الأمر؟

انتهى بيان المجلس الأعلى للإعلام بعبارة تفيد بأن هناك اجراءات سوف تتخذ نظرًا لزيادة أعداد المشتركين في مصر مؤخرًا في المنصات، وهي عبارة مغلوطة ولا يوجد لها سند أو مرجع حقيقي، ولم تحدد أي المنصات بالتحديد التي تشهد زيادات في الأعداد، لكن إذا خصصنا بالحديث منصة “نتفلكس” وأعداد المشتركين فيها فالأمر ليس صحيحًا بل على العكس تمامًا فإن “نتفلكس” تشهد مؤخرًا تراجعاً في عدد الاشتراكات عالمياً وإن كانت الخسائر العالمية لأسباب اقتصادية أو فنية فإن خسارة الجمهور العربي لأسباب اقتصادية وأخلاقية بالأساس، الأمر الذي يدفعنا إلى التساؤل: هل السوق العربي الذي تستهدفه نتفلكس ستسعى حقًا لاستقطابه والرضوخ لمعاييره الأخلاقية حفاظًا على أسهمها؟ أم أن السوق العربي لم يعد مجدياً مادياً بعد التراجعات الأخيرة؟ البحث عن إجابة لا يكمن في الفن الذي تقدمه المنصة، بل في التأثير الاقتصادي الذي سيطال “نتفلكس” وغيرها من منصات في حال خسرت مشتركيها.

لم تكن موافقة المنصات على الالتزام بالأعراف والقيم فرضية مطروحة للنقاش من قبل خاصة بعد رفض ديزني حذف المشاهد التي طلبت الرقابة العربية حذفها لإتاحة عدد من الأفلام للعرض في السينمات العربية منها :

 Eternals و Doctor Strange و Thor: Love and Thunder وكانت نتيجة تعنت ديزني هو منع الأفلام من العرض السينمائي؛ لكن ما حدث مؤخرًا أن منصة ديزني بلس رضخت بعد جدالات وضغط جماهيري كبير ومنعت عرض فيلم الأنيميشن Lightyear على منصتها خاصة أن الفيلم موجه للأطفال وهو ما أثار غضب الكثير من الجمهور خاصة من الأهل لوجود قبلة بين فتاتين مثليتي الجنس في الفيلم. 

الفنان ليس حرًا بشكل كامل في عالمنا العربي، وهناك أفكار كثيرة لن تطرح فنياً.

موافقة المنصة على منع الفيلم تضعنا أمام استعداد “ديزني” لإرضاء جمهور الشرق الأوسط عندما يتعلق الأمر بمحتواها المقدم لهم، وهي هنا تفرق بين العرض السينمائي المحدود وبين عروض المنصة ذات الاشتراك الشهري، ورغم أن عرض الأفلام المثيرة للجدل على منصة ديزني في الشرق الأوسط لن يعرضها لمساءلات قانونية إلا أن منصة ديزني قررت لأول مرة كسر استراتيجيتها بمنع الفيلم لكسب المشتركين الغاضبين، وهو منع ضمن ما صرحت به منصة “ديزني بلس” على لسان ويليام مولالي بأن محتوى المنصة سيتوافق مع المتطلبات المحلية في الشرق الأوسط خاصة فيما يخص المحتوى الموجه للأطفال. يقول محمد المصري لـ”درج”: “من المهم أن نقرأ الخطوات بالتدريج، مجلس التعاون الخليجي قرر منع الأفلام بشكل شرعي في المنطقة العربية، وعليه فالخيارات المتاحة إما حجب منصة ديزني من الدول العربية أو أن توافق المنصة على حذف المشاهد المرفوضة أو منع الأفلام نفسها من العرض على المنصة، في رأيي أن ديزني فكرت في حل الأزمة بطريقة رأسمالية بحتة، منع الأفلام من العرض الحل الأنسب على طاولة التفاوض لإحتواء الأزمة مع السوق العربي”.

فكرة منع الأفلام نفسها من العرض تضعنا أمام سلسلة أخرى من الصخور الرقابية، لكنها الخيار الأنسب لـ”ديزني”، لأن حذف المشاهد المرفوضة أمر غير مقبول بالنسبة لديزني، يقول المصري “رفض حذف المشاهد سببه ليس الحريات، الحذف صعب نظرًا للحظة والظرف العالمي الحالي، الأمر أشبه بحذف مشاهد لممثلين من البشرة السمراء حفاظًا على مشاعر ذوي البشرة البيضاء، لذلك منع الأفلام أسهل من حذف المشاهد. لكن مهم أن نؤكد أن فكرة المنع باتت سخيفة، فضاء الإنترنت مفتوح، إذا حجب عمل فني بإمكاني تحميله ومشاهدته بشكل غير قانوني، الأمر بسيط للغاية”.

يبدو أيضًا أن حجب المنصات بات حلاً مطروحاً ضمن الحلول التي ستتخذها دول الخليج، لكن احتمالية اللجوء إلى هذا الحل ليست قوية، يقول المصري” احتمالية المنع أو الحجب ليست كبيرة، لكن التضييق الرقابي هو الأداة التي تواجه الصناعة تجنبًا للمشاكل. لكن في سياق حديثنا عن القرارين الأخيرين بشأن المنصات -سواء الخليجي أو المصري- فالمعني هنا هو الإنتاجات العالمية لا العربية. في النهاية السعودية تصدر نفسها للعالم كدولة أكثر انفتاحًا وحرية الآن ولن ترغب في أن يقال أنها دولة ممنوع فيها منصة “نتفلكس”. لذلك في رأيي لن يصل الأمر إلى حدّ حجب المنصات، هو مجرد حالة من الشد والجذب ولفت نظر المنصات لعدم التجاوز”.

الرقابة الذاتية

التفكير في النتائج المتوقعة لهذه القرارات والتغيير في السياسات الرقابية يجعلنا نفكر في الطرف الخاسر في هذه المعركة، وهو الفن الذي بات غريباً على أرض معركته. مجاراة المعايير الأخلاقية التي تدافع الدولة والمجتمع عنها تجعل قصصنا الإنسانية مبتورة وتؤكد أن الأعمال المحظورة تشكل خطراً وتسمم الأفكار في محاولات مستميتة للفظ كل ما هو مختلف ولا يمتثل للأعراف. يمتهن محمد المصري الكتابة الدرامية، وشارك في كتابة عدد من الأعمال الفنية ومنها ما عرض على منصات عربية، فهل تؤثر الرقابة على خياله؟ وهل اللجوء إلى المنصات يمنح خياله مساحة أكبر من الحرية؟

يقول المصري ” لا توجد مساحة حرة بشكل كامل داخل المنصات، الحدود موجودة شئنا أم أبينا. المنصات العالمية لها حدود في انتاجاتها داخل الشرق الأوسط، والمنصات العربية تعمل داخل حدود، مساحة الحرية قد تكون في أفكار أكثر جرأة أو ألفاظ وعبارات قد يسمح بها في المنصة يرفضها التلفزيون لو عرضت عليه، لكن الحرية لن تصل إلى تقديم عمل فني به علاقة مثلية مثلاً. هذه معركة لن تخوضها نتفلكس أو غيرها من منصات عربية. والآلية الوحيدة التي تملكها الدول للسيطرة على الأعمال الفنية: المنع أو التضييق الرقابي أثناء التصوير”.

يرى المصرى أن “هناك شعوراً سيئاً لا ننكره بوجود رقابة داخلية، وهو لم يفكر في  كتابة مشهد جنسي تعتمد عليه الدراما ببساطة لأن هذا المشهد سيُحذف و في النهاية الفنان ليس حرًا بشكل كامل في عالمنا العربي، وهناك أفكار كثيرة لن تطرح فنياً”.