fbpx

العنف والقتل كحل لطلاق النساء وحصولهن على الحضانة في لبنان 

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

بينما تصدح الحناجر مطالبة بخلق مجتمعات أكثر عدلاً للنساء، وأسر لا تهدد سلامتهن، ما زالت تتصدر حالات العنف والقتل عناوين النقاش. آخرها في لبنان كان جريمة قتل في حي الوردية في منطقة بلاط في جبيل أزهقت روح أم أمام بناتها الثلاث عند عودتها من عملها.

تهز جرائم قتل النساء المجتمع اللبناني والعربي بين الفينة والأخرى. 

بعض القصص تأخذ زخماً إعلامياً واسعاً كما حدث في جريمة قتل أم لبنانية وبناتها في جنوب لبنان قبل أشهر لكن جرائم كثيرة تقع دون أن ننتبه لها كثيراً.

وبينما تصدح الحناجر مطالبة بخلق مجتمعات أكثر عدلاً للنساء، وأسر لا تهدد سلامتهن، ما زالت تتصدر حالات العنف والقتل عناوين النقاش. آخرها في لبنان كان جريمة قتل في حي الوردية في منطقة بلاط في جبيل أزهقت روح أم أمام بناتها الثلاث عند عودتها من عملها. 

الضحية هي منى العاقوري، وقد عانت من عنف زوجي مزمن بحسب ما تقول شقيقتها وكانت قد رفعت دعوى في المحاكم الروحية للانفصال وحاول زوجها خلال الدعوى التحايل بنقل طائفته وطفلتيه من المسيحية إلى المذهب الشيعي ليضمن الحصول على الحضانة كون المذهب الجعفري يمنح الأب الحضانة بعد عمر السنتين.

“منذ تسعة أشهر، ساعدتها المحكمة الروحية على الخروج من بيتها بعدما تعرضت للعنف طيلة 27 عاما من زواجها”، تخبرنا غادة الياس شقيقة منى العاقوري، “استأجرت لها المطرانية بيتاً بينما هددها زوجها بالقتل اذا لم تعد إليه لكننا لم نصدقه. حاول بشتى الوسائل ضمان عودتها أو حرمانها من البنات. آخرها كان عندما بدل مذهبه الى المذهب الشيعي ومعه بنتيه التيين تبلغان 9 و15 سنة، لكي يحصل على حضانتهما. لكن الكنيسة رفضت أن تعطيه الحضانة لأنه تزوج كنسياً. هو الآن في السجن مجرداً من كل حقوقه المدنية فلا يستطيع أن يأخذ البنات بعدما قتل أمهما في السيارة أمامهما عند مدخل البيت. ماتت على حضن ابنتها التي أصيبت في رجلها”، تكمل غادة. 

قضية زوجة سعيد الماروق

وإن كان القتل هو ذروة العنف الممارس على النساء لكن هناك سلسلة ممارسات تسبق التصفية الجسدية وهي التي تطوق حياة كثيرات بسبب قوانين الأحوال الشخصية المجحفة بحق النساء وبسبب الثقافة المجتمعية التي تضع المرأة في موقع التابع للرجل سواء أكان أباً أو أخا أو زوجاً. 

سعيد الماروق وزوجته جيهان أبو عايد

برزت مؤخراً أيضاً قضية امتناع المخرج المعروف سعيد الماروق من طلاق زوجته بالمحكمة المدنية بعد ثلاث سنوات من رفعها دعوى طلاق ضده لكنه يماطل فيها وبعد أن تزوج عليها بثانية علماً أن زواجهما كان مدنياً والزواج المدني لا يبيح تعدد الزوجات لكن يبدو أن الماروق لجأ الى المحاكم الشرعية السنية نظرا للامتيازات الممنوحة له كذكر. 

ولأن زوجته جيهان أبو عايد تعي أنها الحلقة الأضعف في الإعلام كما في المحاكم الشرعية تمنّت الحفاظ على خصوصية القضية “حرصاً على العشرة، وعلى مشاعري، ومشاعر أفراد عائلتي. وإكراماً للمواقف الصعبة التي عايشتها، وتعاملت معها بمحبةٍ وإخلاص، في الفترة السابقة”. جيهان التي نجت من عنف مثبت بتقارير طبية أعلنت الانفصال عن زوجها السابق قبل ثلاث سنوات بانتظار البت بالدعوى قضائيا. لكن الماروق على ما يبدو اختار الطريق الأضمن له كرجل وهو اللجوء إلى المحكمة الشرعية السنية كفرصة نجاة أخيرة من التعويض عن العنف الأسري والتزامات الطلاق. 

منصة “شريكة ولكن” كانت نشرت تقريراً موسعاً عن القضية ونقلت أنها اطلعت على 8 تقارير طبية شرعية تثبت أن جيهان أبو عايد تعرضت للعنف الجسدي المبرح. والمفارقة في قضية الفاروق هو أن المحاكم الدينية السنية في لبنان لا تنظر إلا بعقود زواج أبرمت أمامها أو عقود تم تثبيتها بموافقة الطرفين لكن تم التساهل مع الماروق الذي تزوج مدنيا ووافقت المحكمة التي لطالما رفضت وحاربت الزواج المدني على الاعتراف بالزواج والسير بالطلاق كما طلبه الماروق. 

الحكايات لا تتوقف ومع كل قضية يسود نقاش محتدم حول الواقع الحقوقي المزري للمرأة قانونياً واجتماعياً لكنه لا يلبث أن يذوي.

الحكايات لا تتوقف ومع كل قضية يسود نقاش محتدم حول الواقع الحقوقي المزري للمرأة قانونياً واجتماعياً لكنه لا يلبث أن يذوي.

فأين يقع الخلل بين تقدم المناصرة النسائية على مستوى النقاش والشعارات وتراجع آليات الحماية على أرض الواقع؟

“لا يمكننا معرفة ما إذا كانت حالات العنف الأسري والقتل قد زادت في لبنان بسبب غياب إحصاءات رسمية تمكننا من معرفة تغير أرقام العنف. كنا نسمع بالعنف لكن لا نعرف حجمه. بعد إقرار قانون الحماية من العنف المنزلي سنة 2014 وتعديله سنة 2020 مصحوبا بتضامن واستنفار إعلامي واجتماعي للسيدات اللواتي تعرضن للعنف، أصبح العنف ظاهرياً ومعروفاً ولم يعد سرياً وعاراً كما كان، ما يسمح بتداول حالات العنف والقتل. وجدت هذه الحالات من قبل لكننا لم نكن نعرف بها جميعا. حتى أن النساء المعنفات كن يطلبن المساعدة خلسة”، تشرح ليلى عواضة ناشطة ومحامية في منظمة “كفى”. 

لا شك في أهمية تسليط الضوء على هذه الحالات وتناقلها إعلامياً وذمّ العنف المنزلي. لكن سرعان ما يمكن لـ”نقل الواقع” أن يتحول إلى استهداف نساء خصوصاً إذا كان الشخص المعني بالقضية صاحب نفوذ وشهرة، كما يمكن أن يضيع جوهر المناصرة بطريق البحث عن “سكوب” اعلامي يضمنه اسم شخصية معروفة مثل المخرج سعيد الماروق، الذي اشتهرت قضية لجوئه إلى المحاكم الدينية طلبا لإنهاء دعوى طلاق رفعتها عليه زوجته السابقة التي تزوجها مدنيا كمحاولة للتنصل من الالتزامات المادية التي يفرضها الطلاق المدني. 

أثر اعتكاف القضاء

الانهيار الاقتصادي والأزمات المالية المتلاحقة التي تسبب ضعفاً في معظم المؤسسات شملت الجسم القضائي الذي يعاني من اضراب مفتوح للقضاة احتجاجاً على تدهور رواتبهم مع تدهور سعر صرف الليرة ومع كل التردي الحاصل في البلد.

كان لهذا الاعتكاف أثر بالغ على قضايا ملحة خصوصا قضايا العنف الأسري.

“حاليا، لا يستطيع القضاء حماية النساء بسبب اعتكاف معظم القضاة. بيد أن بعضهم يأخذ الإجراءات اللازمة رغم اعتكافه،  لكن لا تحصل الكثير من النساء على الحماية اللازمة. لذلك، الانهيار في لبنان ليس فقط اقتصاديا واجتماعيا بل أيضا انهيار أمني يشمل جرائم العنف الأسري. ترتبت عواقب مالية كبيرة على الرجال المعنفين قبل الانهيار المالي. لكن العقوبات/المستحقات باتت تدفع اليوم بالليرة التي خسرت معظم قيمتها. قبل ذلك، شكل قانون الحماية من العنف الأسري فرصة للزوجات اللواتي يردن الطلاق لكن تزوجن في محاكم دينية لا تسمح للمرأة بطلب الطلاق. لذا كان الطلاق في محكمة دينية أقل كلفة من دفع غرامات مالية باهظة مما أتاح للنساء أن يحصلن على الطلاق”، تكمل المحامية ليلى عواضة. 

مجحف أن لا تتمكن النساء من الطلاق والحصول على حضانة أطفالهن إلا على جثثهن أو لأنهن تمكنّ بفضل  القانون المعدل حديثاً من إجبار الزوج على دفع غرامة مالية فآثر الطلاق على التعويض لزوجته التي عنفها. في أفضل الأحوال، عندما تستطيع الناجيات اختيار الطلاق بفضل استقلالية مادية أو وجود مجتمع أو عائلة حاضنة لهن، يلجأن مجددا الى المحاكم الروحية التي، في أفضل الأحوال، تضمن استمرارية قمعهن. 

حقق قانون الحماية من العنف الأسري نقلة نوعية في حقوق المرأة، إلا أنه ليس الحل النهائي الذي يضمن حمايتها. تكمل ليلى في هذا الخصوص: “قانون الحماية من العنف الأسري خدم النساء بالحماية وحسّن شروطهن بالحصول على الطلاق. لكن عوائق الطلاق لا يحلها قانون العنف الأسري بل قانون موحد للأحوال الشخصية. أما في القوانين الدينية فتبقي النساء أسيرات للعلاقة. وتعتبر سبباً أساسياً لممارسة العنف على النساء لأنه ناجم عن اختلال موازين السلطة داخل الأسرة بحيث يستحوذ الرجال على القوة. ولا حل إلا بالمساواة بعلاقات السلطة”. 

يضاف الى ذلك الثغرات الموجودة في القانون إذ إنه قانون حماية من العنف الأسري لكنه لا يشمل العنف المنزلي أي أنه لا يشمل العاملات المنزليات أو النساء اللواتي يعشن مع شريكهن بلا زواج. كما أنه لا يعترف بالاغتصاب الزوجي كعنف. وكقانون مكافحة التحرش، يلقي عبء الإثبات على الناجية وليس على المتهم. ولا يسعه أن يؤمن استقلالية مادية للنساء وأطفالهن ليتمكن من الخروج من العلاقات السامة في ظل تردي الوضع الاقتصادي في لبنان الذي يضع النساء أمام خيارين: العنف أو الفقر. 

الى أن يحقق نوع من أنواع العدالة، يبقى علينا كوسائل اعلامية وناشطات ونسويات أن ننقل قضايا النساء وأهمية الدفاع عن حقوقهن وحمايتهن. لكن ذلك يطرح مشكلة أخرى تتعلق بالكم الهائل من المحتوى النسوي الذي نراه في الاعلام. 

تكرار تعابير مثل “الحماية وحقوق المرأة والمساواة الجندرية” باتت تخسر وزنها رويدا رويدا. وصارت شعارات رنانة تستخدم كل حين بلا نشر وعي نسوي حقيقي حول معاني هذه الكلمات أو كيفية تحقيقها أو المسؤولية الفردية لكل منا في هذا الإطار، بل تزيل هالة هذه الكلمات وتجعلها مبتذلة بهدف مشاهدات وأخبار تزيد المتابعين.

إقرأوا أيضاً: