ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

 Food Bloggers في لبنان… هوس بالترند وتقييمات عشوائيّة في سباق الشهرة

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

ليست وفاء الأولى في هذا المشوار الساعي الى ركوب “الترند”، حتى لو كان على حساب التنمر عليها، إذ يبدو أنها تعتبر التنمر سبيلاً إلى الشهرة على قاعدة bad publicity is good publicity، كذلك لن تكون الأخيرة مع التطور السريع الذي يفرضه علينا العالم الافتراضي.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

“صحنك ما بيتاكل”… بلهجة حادة أصدرت وفاء المصطفى أو “الشيف وفاء” حكمها على وجبة الفول والذرة والشمندر التي قدمتها لها صاحبة عربة تبيع هذا النوع من الوجبات في بيروت.

نشرت وفاء الفيديو على مواقع التواصل الاجتماعي، فظهرت البائعة مكسورة الخاطر ومصدومة من تصرّف الشيف وفاء المحرج وغير الأخلاقي على أقل تقدير.

انتشر الفيديو على نحو هائل، وكذلك ردود الفعل عليه، وفي خلال ساعات معدودة قفز المتابعون لصفحات الشيف وفاء على “السوشيال ميديا” من بضعة آلاف إلى مئات الآلاف.

انضمّت الشيف وفاء إلى قافلة من يطلق عليهم اسم “فوود بلوغرز”، وهم أشخاص عاديون جداً وجدوا طريقاً سهلاً وسريعاً إلى الشهرة مهما كان الثمن!

نحن أمام جنون البحث عن المشاهدات والشهرة، التي تتجاهل تماماً مبادئ التصوير وأخلاقيات التعامل مع الناس، خصوصاً البسطاء، وأبسط هذه الأخلاقيات هو الحصول على إذن مسبق من الأشخاص المعنيين، حتى لو كان الهدف من الفيديو تقييم الوجبات في مطاعمهم، عدا الفرق الهائل بين تقييم ما يقدمه مطعم فاخر معروف وبين ما يقدمه باعة طعام متجولون.

سلطة الكاميرا والحكم الاعتباطي

ظاهرة الـ Food Bloggers تجتاح مواقع التواصل الاجتماعي في لبنان منذ مدة ليست بالقليلة، هؤلاء المدونون يمنحون أنفسهم سلطة غير مبررة للحكم على أصحاب المطاعم وأطباقهم، سواء بالمدح أو الانتقاد. 

آخر هذه الظواهر كانت الشيف وفاء، التي سرعان ما أصبحت “ترند” لأسباب تتعلق بأسلوبها الحاد وتقييماتها المثيرة للكثير من الجدل والتعليق، ليس أقلها انعدام معرفتها بأنواع الأطباق وأسمائها وتناسب مكوناتها، على رغم أنها بديهيات يُفترض أن يتمتع بها خبراء الطعام وفنّ التذوق.

مشهد انتقاد بائعة الفول والذرة أعاد إلى الأذهان ما حدث سابقاً مع جورج ديب المعروف بـ “دكتور فوود”، عندما زار بائع الكعك المسن في طرابلس في شمال لبنان. حينها، أثار ديب موجة غضب بسبب أسلوبه الفظ مع الرجل، ما دفع الكثير من السكان المحليين إلى زيارة بسطته وشراء الكعك منه تعبيراً عن تعاطفهم معه ورغبتهم في جبر خاطره.

ظاهرة الـ Food Bloggers تجتاح مواقع التواصل الاجتماعي في لبنان منذ مدة ليست بالقليلة، هؤلاء المدونون يمنحون أنفسهم سلطة غير مبررة للحكم على أصحاب المطاعم وأطباقهم، سواء بالمدح أو الانتقاد. 

لا شك في أن نشر الفيديوهات أصبح أمراً يسيراً للجميع مع توافر الهواتف الذكية التي سهلت بدورها الوصول إلى منصات التواصل الاجتماعي، الأمر الذي عبّد الطريق نحو شهرة غير مشروطة، وركوب موجة “الترند”، وساهم في تحويل شخصيات لا سجلات نجاح أو معرفة لديها لتصبح شخصيات مشهورة، من دون التوقف عند سبب الشهرة أو سبيله.

تحولت مهنة الـ Food Blogger إلى مصدر رزق للبعض، فباتوا يقيّمون المطاعم مقابل مبالغ مالية أو وجبات مجانية، وفي غالبية الأحيان، لا تستند تلك التقييمات إلى معرفة فعلية بأنواع المطابخ وفنون الطبخ ولا إلى مكونات الأطباق وثقافة المنطقة التي تنتشر فيها. لذلك بتنا نرى الكثير من التقييمات الفردية الساذجة والسخيفة، التي لا هدف لها سوى الربح المادي والشهرة فقط.

لستم غوردون رامزي!

قد يتوهّم بعض المدونين أنهم يسيرون على خطى الطاهي البريطاني الشهير غوردون رامزي، المعروف بأسلوبه الصاخب والقاسي في نقد المطاعم. لكن ما يغفل عنه كثيرون هو أن رامزي طاهٍ محترف يملك سلسلة مطاعم ناجحة، وحتى إن كان كثيرون لا يستسيغون أسلوبه، لكنه بالنهاية شيف له خبرة طويلة في التعامل مع الأطباق والأذواق والزبائن. أما في حالة هؤلاء المدونين، فإن النقد غالباً ما يكون موجهاً لتحقيق مكاسب شخصية، من دون الاهتمام الحقيقي بمصلحة المطعم أو صاحبه.

هذا لا يعني أن حرية التعبير يجب أن تكون مشروطة، لكننا نحن لا نتحدث هنا عن رأي سياسي أو ذائقة شخصية تختلف بين الأفراد، بل نناقش أخلاقيات التعبير عن هذا الرأي، بخاصة عندما يكون المحتوى متاحاً لمئات أو حتى آلاف المشاهدين. الأمر يتعلق بكيفية إيصال الفكرة والنقد من دون المساس بمشاعر الأشخاص الذين يسعون الى تأمين قوت يومهم، في بلد تعاني عائلات كثيرة فيه من ظروف اقتصادية خانقة، حيث انسدّ الأفق وأصبحت سبل العيش محدودة.

في هذه الحالة، النقد اللاذع ليس انتهاكاً فقط لأخلاقيات المهنة، بل هو أيضاً إساءة لمن لا يملك القدرة على الرد أو الدفاع عن نفسه أمام جمهور واسع، وإذا كانت الغاية من هذه الفيديوهات التقييم أو النقد البناء، فهناك طرق عدة للتعبير عن الرأي من دون أن يتضرر الشخص المعني نفسياً أو مهنياً، بل يمكن استخدام النقد كوسيلة لتحفيز التحسين والتطوير، بدلاً من أن يكون أداة للإهانة والإذلال وقطع الأرزاق.

ليست وفاء الأولى في هذا المشوار الساعي الى ركوب “الترند”، حتى لو كان على حساب التنمر عليها، إذ يبدو أنها تعتبر التنمر سبيلاً إلى الشهرة على قاعدة bad publicity is good publicity، كذلك لن تكون الأخيرة مع التطور السريع الذي يفرضه علينا العالم الافتراضي، لكن لربما يقع علينا؛ نحن المشاهدين، بعض من المسؤولية في شهرة هذا المحتوى، فإما ألا نعيره اهتماماً وإما نجعله أولى الصيحات. 

رنا زيد - كاتبة وشاعرة فلسطينية سورية | 09.05.2026

عن “السبي الجاهلي”: ما أرى لك عقلاً يا عروة بن الورد!

كم يشبه زمن عروة بن الورد، الزمن السوري الحالي، زمن من دون قانون قضائي واضح، زمن المهانة والإذلال لكلّ من اختلف عمّن يحكم سوريا اليوم في الطائفة، أو في المذهب، أو الهيئة.
12.09.2024
زمن القراءة: 4 minutes

ليست وفاء الأولى في هذا المشوار الساعي الى ركوب “الترند”، حتى لو كان على حساب التنمر عليها، إذ يبدو أنها تعتبر التنمر سبيلاً إلى الشهرة على قاعدة bad publicity is good publicity، كذلك لن تكون الأخيرة مع التطور السريع الذي يفرضه علينا العالم الافتراضي.

“صحنك ما بيتاكل”… بلهجة حادة أصدرت وفاء المصطفى أو “الشيف وفاء” حكمها على وجبة الفول والذرة والشمندر التي قدمتها لها صاحبة عربة تبيع هذا النوع من الوجبات في بيروت.

نشرت وفاء الفيديو على مواقع التواصل الاجتماعي، فظهرت البائعة مكسورة الخاطر ومصدومة من تصرّف الشيف وفاء المحرج وغير الأخلاقي على أقل تقدير.

انتشر الفيديو على نحو هائل، وكذلك ردود الفعل عليه، وفي خلال ساعات معدودة قفز المتابعون لصفحات الشيف وفاء على “السوشيال ميديا” من بضعة آلاف إلى مئات الآلاف.

انضمّت الشيف وفاء إلى قافلة من يطلق عليهم اسم “فوود بلوغرز”، وهم أشخاص عاديون جداً وجدوا طريقاً سهلاً وسريعاً إلى الشهرة مهما كان الثمن!

نحن أمام جنون البحث عن المشاهدات والشهرة، التي تتجاهل تماماً مبادئ التصوير وأخلاقيات التعامل مع الناس، خصوصاً البسطاء، وأبسط هذه الأخلاقيات هو الحصول على إذن مسبق من الأشخاص المعنيين، حتى لو كان الهدف من الفيديو تقييم الوجبات في مطاعمهم، عدا الفرق الهائل بين تقييم ما يقدمه مطعم فاخر معروف وبين ما يقدمه باعة طعام متجولون.

سلطة الكاميرا والحكم الاعتباطي

ظاهرة الـ Food Bloggers تجتاح مواقع التواصل الاجتماعي في لبنان منذ مدة ليست بالقليلة، هؤلاء المدونون يمنحون أنفسهم سلطة غير مبررة للحكم على أصحاب المطاعم وأطباقهم، سواء بالمدح أو الانتقاد. 

آخر هذه الظواهر كانت الشيف وفاء، التي سرعان ما أصبحت “ترند” لأسباب تتعلق بأسلوبها الحاد وتقييماتها المثيرة للكثير من الجدل والتعليق، ليس أقلها انعدام معرفتها بأنواع الأطباق وأسمائها وتناسب مكوناتها، على رغم أنها بديهيات يُفترض أن يتمتع بها خبراء الطعام وفنّ التذوق.

مشهد انتقاد بائعة الفول والذرة أعاد إلى الأذهان ما حدث سابقاً مع جورج ديب المعروف بـ “دكتور فوود”، عندما زار بائع الكعك المسن في طرابلس في شمال لبنان. حينها، أثار ديب موجة غضب بسبب أسلوبه الفظ مع الرجل، ما دفع الكثير من السكان المحليين إلى زيارة بسطته وشراء الكعك منه تعبيراً عن تعاطفهم معه ورغبتهم في جبر خاطره.

ظاهرة الـ Food Bloggers تجتاح مواقع التواصل الاجتماعي في لبنان منذ مدة ليست بالقليلة، هؤلاء المدونون يمنحون أنفسهم سلطة غير مبررة للحكم على أصحاب المطاعم وأطباقهم، سواء بالمدح أو الانتقاد. 

لا شك في أن نشر الفيديوهات أصبح أمراً يسيراً للجميع مع توافر الهواتف الذكية التي سهلت بدورها الوصول إلى منصات التواصل الاجتماعي، الأمر الذي عبّد الطريق نحو شهرة غير مشروطة، وركوب موجة “الترند”، وساهم في تحويل شخصيات لا سجلات نجاح أو معرفة لديها لتصبح شخصيات مشهورة، من دون التوقف عند سبب الشهرة أو سبيله.

تحولت مهنة الـ Food Blogger إلى مصدر رزق للبعض، فباتوا يقيّمون المطاعم مقابل مبالغ مالية أو وجبات مجانية، وفي غالبية الأحيان، لا تستند تلك التقييمات إلى معرفة فعلية بأنواع المطابخ وفنون الطبخ ولا إلى مكونات الأطباق وثقافة المنطقة التي تنتشر فيها. لذلك بتنا نرى الكثير من التقييمات الفردية الساذجة والسخيفة، التي لا هدف لها سوى الربح المادي والشهرة فقط.

لستم غوردون رامزي!

قد يتوهّم بعض المدونين أنهم يسيرون على خطى الطاهي البريطاني الشهير غوردون رامزي، المعروف بأسلوبه الصاخب والقاسي في نقد المطاعم. لكن ما يغفل عنه كثيرون هو أن رامزي طاهٍ محترف يملك سلسلة مطاعم ناجحة، وحتى إن كان كثيرون لا يستسيغون أسلوبه، لكنه بالنهاية شيف له خبرة طويلة في التعامل مع الأطباق والأذواق والزبائن. أما في حالة هؤلاء المدونين، فإن النقد غالباً ما يكون موجهاً لتحقيق مكاسب شخصية، من دون الاهتمام الحقيقي بمصلحة المطعم أو صاحبه.

هذا لا يعني أن حرية التعبير يجب أن تكون مشروطة، لكننا نحن لا نتحدث هنا عن رأي سياسي أو ذائقة شخصية تختلف بين الأفراد، بل نناقش أخلاقيات التعبير عن هذا الرأي، بخاصة عندما يكون المحتوى متاحاً لمئات أو حتى آلاف المشاهدين. الأمر يتعلق بكيفية إيصال الفكرة والنقد من دون المساس بمشاعر الأشخاص الذين يسعون الى تأمين قوت يومهم، في بلد تعاني عائلات كثيرة فيه من ظروف اقتصادية خانقة، حيث انسدّ الأفق وأصبحت سبل العيش محدودة.

في هذه الحالة، النقد اللاذع ليس انتهاكاً فقط لأخلاقيات المهنة، بل هو أيضاً إساءة لمن لا يملك القدرة على الرد أو الدفاع عن نفسه أمام جمهور واسع، وإذا كانت الغاية من هذه الفيديوهات التقييم أو النقد البناء، فهناك طرق عدة للتعبير عن الرأي من دون أن يتضرر الشخص المعني نفسياً أو مهنياً، بل يمكن استخدام النقد كوسيلة لتحفيز التحسين والتطوير، بدلاً من أن يكون أداة للإهانة والإذلال وقطع الأرزاق.

ليست وفاء الأولى في هذا المشوار الساعي الى ركوب “الترند”، حتى لو كان على حساب التنمر عليها، إذ يبدو أنها تعتبر التنمر سبيلاً إلى الشهرة على قاعدة bad publicity is good publicity، كذلك لن تكون الأخيرة مع التطور السريع الذي يفرضه علينا العالم الافتراضي، لكن لربما يقع علينا؛ نحن المشاهدين، بعض من المسؤولية في شهرة هذا المحتوى، فإما ألا نعيره اهتماماً وإما نجعله أولى الصيحات. 

12.09.2024
زمن القراءة: 4 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية