ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

“إنهم ينكرون الدواء الذي يبقيك على قيد الحياة”: مرضى يخوضون معارك قانونية شاقة لإنقاذ حياتهم من السرطان

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

“أرباح مرض السرطان” (The Cancer Calculus)، وهو تحقيق استقصائي استمرّ عامّاً كاملاً أنجزه “الاتّحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين”، بالتعاون مع ICIJ و47 شريكاً إعلامياً في 37 دولة، ويستند إلى مئات المقابلات مع متخصّصين بالأورام، ومرضى سرطان وعائلاتهم، وخبراء في البراءات، وجهات تنظيمية، ومطّلعين من داخل صناعة الأدوية، وغيرهم، إضافة إلى بيانات حصرية عن الأسعار وتحليلات للبراءات، وآلاف الصفحات من عروض الشركات التقديمية، ووثائق هيئات البراءات، والدعاوى القضائية، وسجلّات الشركات والجهات الرقابية.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

بريندا ميدينا، وميكا ريدي، وجودي غارسيا (ICIJ)

في مدينة كيتزالتنانغو الجبلية في غواتيمالا، في الطابق الثاني من منزل آدا فيوليتا تشوك، توجد غرفة ذات جدران باهتة تحتضن هيكلاً لتكريم أسلاف عائلتها. يقف صليب خشبي في وسط طاولة مغطاة بمفارش مطبوعة بزهور البوينسيتيا الحمراء. تحيط بالصليب عشرات التماثيل لآلهة أصلية ومسيحية، إلى جانب الشموع والماء والبخور وقرابين أخرى.

على الحائط خلف الطاولة تُعلَّق صور لسبعة من أقاربها المتوفين، توفي أربعة منهم بسبب السرطان.

وقالت تشوك حديثاً لمراسل “الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين“: “الأعلى هو جدتي، والدة أمي؛ توفيت بسبب سرطان المعدة.” وأشارت إلى الإطارات أثناء حديثها. وأضافت: “ابنة عم أمي أيضًا توفيت بسرطان الرحم. وهذه أخت أمي؛ توفيت بسرطان القولون. كانت تبلغ من العمر 23 عامًا فقط”.

الصورة في وسط المعرض هي الأحدث: والدة تشوك، فرانسيسكا فيوليتا سام كولوب، التي توفيت في تموز/ يوليو 2025 بعد رحلة طويلة مع سرطان الجلد. في الصورة، تظهر سام كولوب، وهي معلمة من المايا الكيتشي الأصلية من مرتفعات غواتيمالا، مبتسمة على نطاق واسع، جالسة وذراعاها متقاطعتان، مرتدية بلوزة تقليدية منسوجة يدوياً أو ما يُعرف بـ”هويبيل”، مطرزة باللونين الأزرق والأخضر والبنفسجي.

أضافت تشوك: “هناك دائمًا خوف من أن يصيب [السرطان] أحدنا بعد ذلك، أو يصيبني أنا. هناك الكثير مما لا يمكنك التحكم به”.

في إحدى ليالي عام 2012، لاحظت سام كولوب بقعة داكنة عنيدة في قدمها اليمنى. تجاهلت الأمر، وأخبرت ابنتها أنها مجرد شامة. لكن طبيب الأمراض الجلدية شخّصها بالميلانوما، وهو نوع من السرطانات الجلدية. خلال السنوات التسع التالية، تنقلت سام كولوب بين المستشفيات، خضعت لعمليات جراحية وتحملت جولات متكررة من العلاج الكيميائي، ومع ذلك استمر انتشار الأورام.

في عام 2021، زارت أحد أبرز أطباء الأورام في البلاد، الذي وصف لها ما اعتبره العلاج الأكثر فعالية: “بمبروليزوماب”، دواء مناعي وريدي يعرف باسم “كيترودا” (Keytruda).

بعد موافقة إدارة الغذاء والدواء الأميركية على الدواء في 2014، بدأ بيع Keytruda في الولايات المتحدة وأوروبا واليابان، لكنه كان أقل توافرًا في البلدان النامية مثل غواتيمالا.

كانت سام كولوب بحاجة إلى جلسات منتظمة من الحقن، وتكلفة كل جلسة تقارب الـ11 ألف دولار. قال زوجها، خوان تشوك شوم، متذكرًا كلام أحد الأطباء: “تكلفة العلاج بالكامل بالملايين من الكيتزال [مئات الآلاف من الدولارات الأميركية]، وسيكون من المستحيل تحمّله”.

اضطرت سام كولوب الى القتال للحصول على الدواء، حتى لجأت إلى المحكمة ضد نظام التأمين الصحي العام في بلدها. وبحلول ذلك الوقت، كانت تعيش مع السرطان لأكثر من عقد من الزمن.

تتساءل تشوك: “هل كان بإمكان “كيترودا” أن ينقذ حياة والدتي؟ أعتقد أنه كان ممكنًا. كما أعتقد أنه كان متأخرًا جدًا عندما حصلت عليه”.

قضية سام كولوب تشبه وضع آلاف المرضى حول العالم، وخصوصًا في الدول النامية، الذين خاضوا معارك بيروقراطية مرهقة مع شركات التأمين العامة والخاصة للحصول على دواء Keytruda. تكاليف العلاج تتفاوت بشكل هائل، إذ قد تصل إلى نحو 29,000 دولار في إندونيسيا، و130,000 دولار في كولومبيا، و208,000 دولار في الولايات المتحدة لسنة علاج واحدة.

في الدول النامية، نادرًا ما يُدرج الدواء ضمن القوائم الوطنية للأدوية الأساسية، والتي تعتمد عليها الحكومات لتحديد ما يجب على شركات التأمين تغطيته. ونتيجة لذلك، تتجنب شركات التأمين في بعض الدول منخفضة ومتوسطة الدخل تغطية الدواء إلا إذا أجبرتها المحكمة أو الجهة التنظيمية على ذلك.

توفي بعض مرضى السرطان أثناء انتظار التزام الأنظمة الصحية بقرارات المحاكم، بينما اضطر آخرون الى دفع آلاف الدولارات من جيوبهم قبل أن تمتثل شركات التأمين لأوامر المحاكم أو الجهات المنظمة.

في جنوب أفريقيا، واحدة من الدول القليلة في أفريقيا جنوب الصحراء حيث يتوافر دواء Keytruda بسهولة، لا تستطيع صاحبة مشروع صغير مصابة بسرطان الرئة إجبار شركة التأمين الخاصة بها على الالتزام الكامل بقرار مهم أصدره المنظم الوطني لتغطية الدواء. وفي غواتيمالا وأماكن أخرى في أميركا اللاتينية، لجأ مرضى مثل سام كولوب إلى المحاكم لإجبار شركات التأمين أو أنظمة الصحة العامة على توفير الدواء. حتى في الدول الأغنى، يواجه المرضى صعوبات في الوصول إلى الدواء، ففي الولايات المتحدة، توقفت معالجة الرئيس التنفيذي لشركة استشارات طبية لأسابيع عدة أثناء محاولته الحصول على التغطية.

تؤدي أدوية كثيرة مرتفعة التكلفة إلى معارك قانونية، لكن Keytruda — الذي حقق نحو 163 مليار دولار لعائلة ميرك منذ إطلاقه قبل أكثر من عقد – أصبح أحد أبرز رموز النظام العالمي المعيب، الذي يضرّ بشكل غير متناسب بالدول الفقيرة ذات الميزانيات الصحية المحدودة، وقوة تفاوض ضعيفة مع شركات الأدوية الكبرى.

يأتي هذا التحقيق في سياق مشروع “أرباح مرض السرطان” (The Cancer Calculus)، بقيادة “الاتّحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين” (ICIJ)، وبالتعاون مع 47 منصّة صحافية، من بينها موقع “درج”. شارك في هذا المشروع أكثر من 120 صحافياً من 48 مؤسّسة إعلامية في 36 دولة، للتحقيق في السعر الباهظ والممارسات التجارية التي تقف خلف دواء لمرضى السرطان.

“أرباح مرض السرطان” (The Cancer Calculus)، وهو تحقيق استقصائي استمرّ عامّاً كاملاً أنجزه “الاتّحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين”، بالتعاون مع ICIJ و47 شريكاً إعلامياً في 37 دولة، ويستند إلى مئات المقابلات مع متخصّصين بالأورام، ومرضى سرطان وعائلاتهم، وخبراء في البراءات، وجهات تنظيمية، ومطّلعين من داخل صناعة الأدوية، وغيرهم، إضافة إلى بيانات حصرية عن الأسعار وتحليلات للبراءات، وآلاف الصفحات من عروض الشركات التقديمية، ووثائق هيئات البراءات، والدعاوى القضائية، وسجلّات الشركات والجهات الرقابية.

في تعليق على هذه العواقب، قالت شركة “ميرك” لـ”الاتحاد”: “نلتزم بالقوانين واللوائح المعمول بها، ولا ندعم أو نروّج أو نشارك في أي أنشطة تهدف إلى تشجيع الدعاوى القانونية. على رغم أن الدعاوى القانونية تمثل مسارًا إداريًا مشروعًا لبعض المرضى للحصول على الأدوية، نعتقد أنها ليست نهجًا مستدامًا، إذ قد تكون استخدامًا غير فعال لميزانيات الحكومات، ولا تضمن وصول المرضى إلى الدواء بشكل سريع ومتوقع وواسع”.

وأضافت الشركة أن تطوير “كيترودا” “يعد الآن واحدًا من أكبر وأغلى برامج البحث والتطوير الدوائي التي نُفِّذت على الإطلاق”.

قالت شركة ميرك أيضًا: “لدينا تاريخ طويل في تسعير أدويتنا بمسؤولية، بما يعكس قيمتها للمرضى والدافعين والمجتمع. ولضمان وصول منتجاتنا الى أكبر عدد ممكن من المرضى، نضع أسعارًا متفاوتة حسب الأسواق، وأحيانًا داخل السوق ذاته، وفق عوامل عدة، منها القيمة التي يوفرها العلاج للمرضى ونظام الرعاية الصحية، وأنظمة التسعير والتعويض في الدول، وقدرة الحكومات على تمويل الرعاية الصحية”.

لكن، كما أوضح دانيال و. ل. وانغ، أستاذ القانون في مؤسسة جيتوليو فارغاس (Fundação Getúlio Vargas) بساو باولو والمتخصص في الدعاوى الصحية في أميركا اللاتينية، لـ ICIJ: “الكثير من هذه الدول هي من فئة الدخل المتوسط أو المتوسط المنخفض، وتكافح لتوفير أبسط الخدمات الصحية بشكل شامل. لذلك، تمثل المطالبات للحصول على دواء بمبروليزوماب (Pembrolizumab / Keytruda) ضغطًا كبيرًا على ميزانية الصحة لديهم”.

وأضاف: “حتى لو حسّنا تمويل نظامنا الصحي أو سياساتنا، يظل هذا تحديًا ماليًا، لأن تكلفة العلاجات تنمو بمعدل لا تستطيع ميزانيات الأنظمة الصحية مجاراته”.

بالتالي، يجعل السعر المرتفع جدًا لدواء محتمل لإنقاذ الحياة، الوصول إليه خارج قدرة أنظمة صحية كثيرة، ما يضطر المرضى الذين يمتلكون الموارد والصبر للقتال من أجل حقهم في العلاج، لتصبح مسألة الحصول على أدوية باهظة الثمن أقل عن الحاجة الطبية والأدلة العلمية وأكثر عمّن تستحق حياتهم أن تُنقذ.

بحلول الوقت الذي شُخِّصت فيه إصابة سام كولوب بالسرطان عام 2012، كانت عائلتها قد انتقلت من منزل متواضع في أطراف مدينة كويتزالتننغو إلى منزل أفضل من طابقين بالقرب من مركز المدينة، وهو مؤشر إلى صعود اجتماعي نادر تحقيقه لعائلات المايا.

عملت سام كولوب كمعلمة ثم مديرة لمدرسة ثنائية اللغة (الإسبانية وكيشي) وأيضًا كمحاضرة جامعية، ما أتاح لها الوصول إلى برنامج التأمين الصحي العام في غواتيمالا، المعروف محليًا باسم المعهد الغواتيمالي للضمان الاجتماعي (Instituto Guatemalteco de Seguridad Social – IGSS).

يموَّل هذا المعهد (IGSS) عبر اقتطاعات إلزامية من الرواتب، ويغطي أكثر من 3.3 مليون شخص. للحصول على الرعاية، يجب على المستفيدين زيارة المستشفيات والأطباء المعينين من المعهد. أما المرضى الذين يحتاجون إلى رعاية أسرع أو متخصصة، فعادةً ما يلجأون إلى المستشفيات الخاصة، ويدفعون من جيوبهم أو عبر تأمين تكميلي.

خلال سنوات العلاج، خضعت سام كولوب لأكثر من 30 عملية جراحية في مستشفيات خاصة، ممولة من راتبها ومن بيع سيارتها وقطعة الأرض التي ورثتها عن والديها، حسب قول تشوك. أما لعلاجات الكيميائي والعلاج المستهدف، فكانت تتحمل رحلة شاقة بالحافلة لمدة أربع ساعات عبر الطريق المتعرج، الذي يربط كويتزالتننغو بالعاصمة غواتيمالا سيتي، لتلقّي دوائها في مستشفى IGSS.

قال تشوك: “أتذكر مرة اضطرت للذهاب إلى غواتيمالا سيتي لعلاجها ولم يكن لديها ثمن الحافلة. جاءتها مجموعة من الكنيسة وسلمتها ظرفًا يحتوي على تبرع”.

وفي نهاية المطاف، أخذت سام كولوب رأياً طبياً ثانياً من إدواردو غارزوزي، طبيب أورام خارج نظام “IGSS”. وأظهر اختبار جيني أنها مرشحة جيدة لتلقي دواء Keytruda، وفقًا لما أخبر غارزوزي شريك “ICIJ” – “بلازا بابليكا” .

لكن عندما طلبت سام كولوب من IGSS توفير دواء “كيترودا” ، لم تتلقَّ أي رد. 

(لم يُدرج IGSS دواء “كيترودا” على قائمته الرسمية للأدوية المغطاة، كما لا توجد بدائل حيوية “biosimilars” للدواء ضمن قائمة IGSS)

بعد استنفاد الخيارات، دفعت العائلة لمحامٍ نحو ألف و300 دولار لتقديم طلب “أمبارو” (amparo). يُعد هذا الإجراء القانوني، الشائع في أميركا اللاتينية، شبيهًا بأمر قضائي، ويهدف إلى حماية الحقوق الدستورية، مثل الحق في الصحة والحياة، من انتهاكات الدولة وأحيانًا جهات خاصة.

اعتُمد هذا الإجراء في المكسيك عام 1857، وألهم الكثير من دول أميركا اللاتينية لتبني آليات مشابهة، تحت مسمى “أمبارو” أو “توتيلا” (tutela). ولكل دولة قواعدها الخاصة بشأن من يمكنه استخدام هذه الأداة القانونية والحقوق التي تشملها.

وقال جوردان روداس، المحامي وأمين المظالم السابق لحقوق الإنسان في غواتيمالا، لـ “ICIJ”: “إن “الأمبارو” هو حق كل شخص في اللجوء إلى المحكمة في مواجهة تصرف تعسفي أو انتهاك لحق آخر. لكن من المفترض، في الحالة المثالية، ألا يضطر الناس إلى اللجوء للحماية القانونية لضمان حصولهم على الرعاية الصحية”.

يُعدّ الحصول على الرعاية الصحية المكلفة أحد أكثر الأسباب شيوعًا لتقديم طلبات “أمبارو” ، إذ يلجأ المرضى إلى القضاء لإجبار شركات التأمين والمستشفيات العامة على توفير الأدوية والعلاجات الباهظة. وبينما تُعد آليات “الأمبارو” أو “توتيلا” الوسيلة القانونية الأساسية للحصول على الأدوية مرتفعة التكلفة في الكثير من دول أميركا الجنوبية والوسطى، أوضح وانغ أنه في البرازيل يلجأ معظم المرضى إلى رفع دعاوى قضائية عادية. وأضاف أن عددًا أقل من المرضى يستخدمون “ماندادوس دي سيغورانسا” (“mandados de segurança”)، وهي النسخة البرازيلية من “الأمبارو”.

وقد أطلق الباحثون الذين درسوا هذه الظاهرة في البرازيل ودول أخرى في أميركا الجنوبية، ومن بينهم وانغ، عليها تسمية “قضية الرعاية الصحية”.

قال وانغ: “تتعامل المحاكم في أميركا الوسطى والجنوبية مع الحق في الصحة باعتباره حقًا فرديًا مطلقًا. لذلك، طالما أنك تستطيع إثبات حاجتك الى العلاج، بغض النظر عن تأثير ذلك على نظام الصحة أو على بقية مستخدميه، فإن لديك الحق في الحصول عليه”.

وتُظهر البيانات التي حللها ICIJ”” أن الأنظمة الصحية والقانونية أصبحت أكثر ترابطًا في بعض دول أميركا اللاتينية، حيث يتم الحصول على دواء “كيترودا” غالبًا عبر أوامر قضائية. ففي غواتيمالا، بين كانون الأول/ ديسمبر 2022 وشباط/ فبراير 2026، نظرت المحكمة الدستورية — وهي أعلى محكمة دستورية في البلاد — في 96 طلب “أمبارو” لتغطية تكلفة “كيترودا”، وقُبلت جميعها باستثناء طلب واحد.

في البرازيل، نظرت المحاكم الفيدرالية ومحاكم الولايات في نحو 4,300 طلب قضائي للحصول على دواء “بمبروليزوماب” منذ عام 2019، وقد حكمت الغالبية لصالح المرضى. وفي المكسيك، وجدت منصة “ICIJ” الشريكة “كوينتو إليمنتو” 55 طلب “أمبارو” قُدمت بين تشرين الأول/ أكتوبر 2017 وشباط/ فبراير 2026، حصل 36 منها على حق الوصول إلى “كيترودا”، فيما رُفضت 8 قضايا لأن الدواء كان قد قُدِّم للمرضى قبل صدور الحكم. وفي تشيلي، انحازت المحاكم لصالح المرضى في 10 من أصل 12 قضية.

كما أن معظم طلبات “الأمبارو” في غواتيمالا قدّمها مستفيدون من “IGSS”. وقد وفّر “IGSS” دواء “كيترودا” للمرضى منذ عام 2018 على الأقل، لكنه كان يتم ذلك غالبًا بعد صدور قرارات قضائية تُجبره على ذلك، بحسب السجلات العامة.

في بيان لـ “ICIJ”، قالت “IGSS” إن الأدوية مرتفعة التكلفة “تُعطى ضمن بروتوكولات تقنية وطبية تهدف إلى الموازنة بين الوصول في الوقت المناسب، والأدلة العلمية المتاحة، واستدامة النظام”.

وأضاف البيان: “في هذا السياق، خصصت “IGSS” موارد كبيرة لتوفير هذه العلاجات، بلغت نحو 1,703 مليون كيتزال (أكثر من 218 مليون دولار)، وهو رقم يعكس تزايد الطلب والتوسع التدريجي في إدخال العلاجات المتخصصة. وتطبق المؤسسة عمليات تقييم لإدراج علاجات جديدة، مع إعطاء الأولوية لسلامة المرضى والفعالية العلاجية والاستخدام الرشيد للموارد العامة”.

أما في قضية سام كولوب، فقد جاء في طلب “الأمبارو” أن العلاجات التي وافقت عليها IGSS — مثل العلاج الكيميائي والعلاج الموجّه — لم توقف تطور المرض. وفي أيار/ مايو 2021، حكمت المحكمة لصالحها، وبدأت بتلقي “كيترودا”.

قدّمت “IGSS” استئنافًا على القرار، بحجة أنها لم ترفض تقديم رعاية طبية شاملة لسام كولوب، وأثارت مخاوف بشأن أكثر من 30 أثرًا جانبيًا محتملًا لدواء “كيترودا”.

وجاء في وثائق المحكمة التي اطلعت عليها “ICIJ” أن جهة التأمين العامة قالت في استئنافها إنها “لا تتحمل أي التزام قانوني” بشراء علامات تجارية محددة من الأدوية. ووفقًا لحجج “IGSS”، فإن القضاة تجاوزوا صلاحياتهم عبر اتخاذ قرارات يُفترض أن تُترك لـ”الأطباء المتخصصين ضمن الإطار العلمي للطب”.

وصلت القضية إلى المحكمة الدستورية، التي حكمت لصالح سام كولوب في أيلول/ سبتمبر 2021، بعد أربعة أشهر من القرار الابتدائي لصالحها. وألزمت المحكمة IGSS بمواصلة توفير الدواء كما هو موصوف، وضمان عدم حدوث أي نقص فيه.

لمدة عامين، كانت سام كولوب تتلقى “كيترودا” عندما يكون متوافرًا. وتُعدّ حالات نقص الإمدادات الطبية شائعة في غواتيمالا ودول أخرى في أميركا الوسطى، بسبب ضعف تمويل الأنظمة الصحية والاعتماد الكبير على الأدوية المستوردة.

وتتذكر تشوك مرات عدة كانت فيها سام كولوب تسافر إلى العاصمة لتلقي الجرعات، لتتفاجأ بعدم توافر الدواء. وخلال هذه الفترات، كانت تعود إلى العلاج الكيميائي أو تضطر إلى تفويت العلاج بالكامل.

قالت IGSS في بيانها، إنها “تعمل وفق مبادئ الإنصاف والشرعية والشفافية، وتستخدم إجراءات داخلية تتيح مراجعة الحالات السريرية ومعالجة الطلبات وفق معايير طبية وإدارية”. وبخصوص الأحكام القضائية، أوضحت IGSS أنه “في الحالات التي يصدر فيها حكم قضائي نهائي يُلزم بتوفير دواء أو علاج محدد، فإن المؤسسة مُلزمة بالامتثال الكامل والدقيق لهذا القرار”.

وبحلول عام 2024، كانت سام كولوب قد أصبحت على كرسي متحرك. كان الورم السرطاني في قدمها اليمنى قد تحوّل إلى جرح عميق مفتوح، وأصبح غضروفها شبه مكشوف.

في نيسان/ أبريل من ذلك العام، وصلها خبر سار، وأرسلت رسالة إلى مجموعة عائلتها على واتسآب تقول: “الدواء عاد! سأعود إلى العلاج المناعي”. لكن بحلول ذلك الوقت، بدا أن الانقطاع المتكرر في العلاج قد ترك أثره؛ فبعد جرعتين من علاج مناعي مختلف، بدأت حالتها الصحية بالتدهور السريع.

ومع اقتراب وفاتها، أوصت سام كولوب بناتها باتباع تعليماتها التفصيلية لدفن وفق المعتقد الماياني: أن يُلبسنها “هوبييل” أخضر ارتدته في عيد ميلادها الستين، وأن يضعن في نعشها البخور، ومشطها، ومرآتها.

في ظهر يوم دافئ من شهر حزيران/ يوليو الماضي، كانت بنات سام كولوب وأكبر أحفادها السبعة يجلسون حول سريرها عندما توفيت.

قالت تشوك: “فتحت عينيها على اتساعهما، وكأنها أرادت أن تنظر إلينا لمرة أخيرة”.

على بُعد آلاف الأميال عبر المحيط الأطلسي، في مدينة ميناء دوربان في جنوب إفريقيا، تخوض أدري جيفرز، وهي مالكة علامة أزياء صغيرة (57 عامًا) وأم لثلاثة أطفال، معركتها الخاصة مع دواء “كيترودا”.

جيفرز، التي تتميز بمظهر أنيق وعملي وبشعر أسود نفاث ونظارات سميكة الإطار تُبرز ملامحها الحادة، تمتلك تغطية صحية خاصة من الدرجة الأولى، لكن قضيتها وصلت أيضًا إلى مسار قانوني مرهق، هذه المرة أمام جهة تنظيمية خاصة بالتأمين الصحي.

وكما هو الحال مع سام كولوب، فإن السرطان منتشر في عائلة جيفرز؛ فقد عاشت والدتها سنوات طويلة مع سرطان الثدي قبل وفاتها، كما توفي والدها بسرطان الرئة. ومع ذلك، عندما شُخّصت جيفرز للمرة الأولى بسرطان الثدي من المرحلة الثالثة عام 2005، وهي في سن 36 عامًا، كان ذلك “صدمة هائلة كما قالت لـ ICIJ في منزلها الفيكتوري ذي الطابقين.

وأضافت أن التشخيص كان “لحظة غيّرت حياتي — شيء لا يخطر ببالك في الثلاثينات إطلاقًا”. حاولت أن تبقى إيجابية أمام توأمها البالغ من العمر 9 سنوات وابنها الأصغر البالغ 3 سنوات، لكن الضغط كان مستمرًا: “كانوا ينظرون إليك بشجاعة، لكنك تمشي لاحقًا بجانب غرفهم وتسمعهم يبكون… داخليًا كنت أتحطم، لكنك تتظاهر بالقوة حتى لا تُحزن أطفالك أو زوجك”.

بعد العلاج الكيميائي، ودخولها في مرحلة هدوء المرض، ثم عودته مجددًا عام 2007، تمكنت جيفرز من إبقاء السرطان تحت السيطرة عبر مراقبة دقيقة وعلاج مُدار بعناية. لكن في عام 2015، بدأت تشعر بإرهاق وضعف غير مألوف.

في إحدى الليالي داخل مطعم، التفتت إلى زوجها وقالت: “أعتقد أنه عاد”. وكانت على حق؛ إذ أظهرت الفحوصات أن المرض بدأ بالانتشار مجددًا.

بدأت بعدها خطة علاج “تقليدية” تضمنت جلسات من العلاج الكيميائي، لكن في بعض الأحيان كان العلاج أسوأ من المرض نفسه. وقال زوجها، واين: “كانت تنهار أمامك مثل بالون يفرغ من الهواء”، وكانت تبقى طريحة الفراش لأيام. وكانت جيفرز تحاول جدولة جلسات العلاج أيام الجمعة لتتمكن من التعافي خلال عطلة نهاية الأسبوع.

ومع مرور الوقت، عدّل طبيب الأورام علاجها، فكانت لسنوات تتبع نمطًا متكررًا: “تضرب السرطان قليلًا، ترتاح قليلًا، ثم تعيد الكرة”، كما وصفت هي.

لكن في عام 2023، كشف فحص طبي عن عقدة في رئتها اليمنى، وسرعان ما تلقت تشخيصًا جديدًا: سرطان رئة أولي. وكان المرض ينتشر بسرعة، ولم تعد العلاجات المعتادة فعّالة.

كان لخبر المرض أثر ثقيل على أطفالها، الذين أصبحوا آنذاك في عمر 26 و21 عامًا. وقالت إن ابنها الأصغر “لم يتمكن من التكيف مع التشخيص”، فغادر تدريبًا مهنيًا في كيب تاون مبكرًا ليكون إلى جانب والدته.

أوصى طبيب الأورام بأن تكون جيفرز مرشحة مناسبة لتلقي “كيترودا”. وكانت على دراية بالدواء، إذ شاهدت أخبار استجابة الرئيس الأميركي السابق جيمي كارتر الملحوظة للعلاج بـ “كيترودا”.

في أيار/ مايو 2023، كتب طبيبها إلى شركة التأمين الصحي الخاصة بها “ميدشيلد”، يطلب تغطية علاج يجمع بين العلاج الكيميائي و”كيترودا”. وفي جنوب إفريقيا، تتم عادةً تغطية أصحاب القدرة على تحمّل تكاليف الرعاية الصحية الخاصة — وهم أقلية من السكان — عبر ما يُعرف بـ “أنظمة المساعدات الطبية”، وهي صناديق طبية غير ربحية خاضعة للتنظيم، وغالبًا ما تديرها شركات ربحية، وتدفع المطالبات من نظام مشترك قائم على مساهمات الأعضاء.

بعدما رفضت “ميدشيلد” طلبها بحجة أن “كيترودا” غير مشمول ضمن خطة التأمين الخاصة بها، قدّمت جيفرز — التي أصبحت أكثر دراية بإجراءات البيروقراطية وبمساعدة طبيبها — استئنافًا مرتين. وبعد الرفض، قدمت طلبًا خاصًا للحصول على تغطية “ex gratia”، أي أنها طلبت من الشركة تغطية العلاج بدافع الالتزام الأخلاقي أو حسن النية.

لكن قبل نهاية العام، رفضت “ميدشيلد” هذا الطلب أيضًا، مشيرة إلى أن “كيترودا” غير مدرج على قائمة الأدوية الأساسية في جنوب إفريقيا، ولم يستوفِ شروط الأهلية لتغطية حالة جيفرز.

ادّعت “ميدشيلد” أيضًا أن الطفرات الجينية في سرطان جيفرز تجعل دواء “كيترودا” غير مناسب من الناحية السريرية، وهو ما اعترض عليه طبيب الأورام بشدة في رسالة موجّهة إلى شركة التأمين الصحي.

وقالت جيفرز لـ ICIJ إنها كانت تمضي أكثر من أربع ساعات أسبوعيًا في إرسال رسائل البريد الإلكتروني ومتابعة موظفي “ميدشيلد” الذين لا يردون. وأضافت: “طريقة عمل شركات التأمين هي عدم دفع المطالبات إلا إذا اعترضتَ أنت كمريض، خصوصًا في حالات الأورام. لذلك عندما فهمت ذلك، أدركت أنك يجب أن تعترض وتطرح الأسئلة”.

وقد ساعدتها مهاراتها التنظيمية الدقيقة، التي صقلتها خلال سنوات إدارة عملها، في هذه المعركة؛ إذ احتفظت بجميع سجلاتها الطبية: الفواتير، رسائل البريد الإلكتروني، الخطابات، ونتائج الفحوصات الطبية، وكلها مؤرشفة وجاهزة للاستخدام في أي نزاع لاحق. وقالت: “ليس كل شخص لديه هذه القدرة على التحمل والظروف التي تسمح له بفعل ذلك”.

ومع استمرار المعركة، تدهورت صحتها، ودخلت المستشفى خمس مرات خلال عام 2023.

وفي النهاية، تواصلت مع محامٍ عبر الإنترنت متخصص في قضايا التأمين الطبي. وبناءً على نصيحته، لجأت في صيف 2024 إلى الجهة التنظيمية الرسمية لأنظمة التأمين الصحي الخاصة في جنوب إفريقيا، وهي “مجلس أنظمة التأمين الطبي”.

قالت جيفرز لـ ICIJ: “لقد فعلتُ ما كان يجب أن أفعله: خضعتُ لجراحة لإزالة الورم، ثم بدأت العلاج الكيميائي، لكنه فشل. لذلك يجب أن يكون من حقي استخدام العلاج المناعي”.

لا يُدرج دواء “كيترودا” على قائمة الأدوية الأساسية في جنوب إفريقيا، ويرجع ذلك بشكل أساسي إلى تكلفته الباهظة، لذلك هو غير متوافر في المستشفيات العامة التي تعاني أصلًا من ضغط شديد وتخدم غالبية السكان. (تبلغ تكلفة الجرعة الواحدة من 200 ملغ نحو 5,000 دولار في بلد يبلغ فيه متوسط الدخل السنوي للأسر نحو 5,200 دولار).

وقال آندي غراي، المحاضر الأول في علم الأدوية في جامعة “كوازولو ناتال” في دوربان، والمشارك في سياسات اختيار الأدوية وتنظيمها، إن “قائمة الأدوية الأساسية تعتمد على تقدير ما يمكن تحمّله من تكلفة، إضافة إلى الأولويات الصحية العامة”. وأضاف أنه على رغم تضمّن القائمة أدوية للسرطان، إلا أنها “غالبًا ما تكون أدوية قديمة غير محمية ببراءة اختراع، مع وجود قرارات من الشركات بتوفير نسخ بأسعار مختلفة للدولة، أو الاستفادة من دخول أدوية جنيسة جديدة”.

وقال غراي إن عدد الأجسام المضادة وحيدة النسيلة مثل “كيترودا” محدود جدًا بشكل عام، ويرجع ذلك أساسًا إلى تكلفتها المرتفعة.

وقد أرست المحاكم في جنوب إفريقيا سابقة قانونية تُعرف باسم “الإعمال التدريجي” للحق في الصحة، أي أن الدولة مُلزمة باتخاذ خطوات لتحسين الوصول إلى الرعاية الصحية وضمان تحقيق هذا الحق، لكن ضمن حدود المعقول مع مراعاة القيود على الموارد.

وفي حين يرفع المرضى في بعض الدول النامية الأخرى مثل غواتيمالا دعاوى متزايدة ضد الدولة للحصول على الأدوية، نادرًا ما تصدر المحاكم في جنوب إفريقيا أوامر دستورية تُلزم بتوفير علاجات باهظة التكلفة. كما أن فرص حصول مرضى السرطان غير المؤمن عليهم على دواء “كيترودا” شبه معدومة، إلا إذا تمكنوا من الالتحاق بتجارب سريرية.

بالنسبة الى أكثر من 9 ملايين جنوب إفريقي لديهم تغطية صحية خاصة، فإن النزاعات مع شركات التأمين تنتهي عادةً أمام “مجلس أنظمة التأمين الطبي”، وهو هيئة قانونية تنظّم أنظمة التأمين الصحي الخاصة. وتكون قرارات “CMS” ملزمة ولا يمكن إلغاؤها إلا عبر المحكمة. (وعندما تصل النزاعات بين المرضى وشركات التأمين إلى المحاكم، فإنها تركز عادةً على الالتزامات التعاقدية والقانون الذي يحكم التأمين الطبي، وليس على الحق الدستوري في الرعاية الصحية الشاملة).

لم تستطع جيفرز انتظار انتهاء مسار شكواها عبر القنوات الرسمية، فقررت هي وعائلتها جمع التمويل اللازم لشراء “كيترودا”. وكان بإمكان العائلة إطلاق حملة تبرعات عبر الإنترنت، لكنها قالت: “لم أكن مرتاحة لذلك”.

وكانت العائلة قد تقدمت بالفعل بنجاح للحصول على دعم من صندوق مساعدة مرضى السرطان المعروف باسم “مؤسسة الوصول إلى الرعاية المبتكرة” (“AICF”)، وهي مؤسسة تساعد المرضى في جنوب إفريقيا على تغطية الفجوات في التأمين — مثل الدفعات الكبيرة المشتركة لعلاجات السرطان المكلفة.

لكن هذه المؤسسة ممولة من شركات أدوية كبرى — من بينها روشه ونوفارتس — وهو ما يجعلها “مثيرة للجدل إلى حد ما” بحسب بول روف، طبيب أورام وأستاذ في جامعة ويتواترسراند في جوهانسبرغ.

وفي جنوب إفريقيا، يضمن نظام “السعر الموحد للخروج من المصنع” أن تبيع الشركات المصنعة والمستوردة المنتج بسعر موحد لجميع المشترين في القطاع الخاص، ويُمنع عليها تقديم خصومات أو حسومات أو حوافز مماثلة. ويرى روف أن مؤسسة “AICF” تمثل وسيلة للالتفاف على هذا التنظيم، إذ تساهم في جعل الأدوية أكثر قدرة على التحمل بدون الحاجة إلى خفض الأسعار فعليًا.

رفضت “AICF” الإفصاح عن أسماء شركات الأدوية الكبرى التي تمولها، لكنها قالت في بيان لـ ICIJ إنها “تساهم في ضمان الوصول إلى الرعاية الصحية عندما يتعطل هذا الوصول بسبب تحديات التعويض والضغوط المالية”، وأنها “تعمل بشكل مستقل عن المانحين، تحت إشراف مجلس إدارة يضم مديرين مستقلين ذوي خبرة في قطاع المنظمات غير الحكومية، إضافة إلى خبراء صحيين مرموقين، من بينهم أطباء أورام”.

وقالت شركة ميرك لـ ICIJ في بيان مكتوب إنها “ملتزمة بجعل أدويتنا متاحة للمرضى الذين قد يستفيدون منها في أسرع وقت ممكن، ولهذا توفر ميرك الكثير من برامج الدعم والخدمات للمساعدة في ضمان حصول الأشخاص الذين يُوصف لهم كيترودا على الدواء”. ولم ترد شركة ميرك في جنوب إفريقيا، المعروفة باسم “MSD”، على أسئلة حول ما إذا كانت تموّل “AICF”.

في حالة جيفرز، وافقت “AICF” على تغطية نصف تكلفة كيترودا، ما ترك لعائلتها دفع مئات الآلاف من الراندات من جيبهم (نحو 85,000 دولار حاليًا)، فيما كان دخلهم يتراجع مع تعافي أعمالهم بصعوبة من صدمة جائحة كوفيد-19 والقيود الحكومية.

وكانوا يحتاجون كل ستة أسابيع إلى دفع نحو 2,450 دولارًا بسعر اليوم مقابل جرعة واحدة من كيترودا. واضطرت العائلة إلى تقليص حجم مصنعها وبيع “الدراجات الصغيرة، وآلات الخياطة، والأقمشة، والمعدات، وأجهزة الكمبيوتر، وأرفف التخزين”، بحسب زوج جيفرز لـ ICIJ.

جمعت جيفرز وعائلتها المال اللازم بحلول أوائل عام 2024. وبعد أشهر قليلة من بدء العلاج بـ “كيترودا”، لاحظت تحسنًا كبيرًا في حالتها. كانت الآثار الجانبية محتملة، واستعادت قوتها تدريجيًا، كما أظهرت الفحوصات أن الورم بدأ بالانكماش. وقالت: “للمرة الأولى شعرت أنني قد أتمكن فعلاً من النجاة”.

ومع ذلك، كان الضغط المالي مرهقًا للغاية. وقالت جيفرز إن كل شهر كان “اختيارًا بين البقاء على قيد الحياة أو الإفلاس”. وقد توقعوا الحاجة إلى 35 جرعة من “كيترودا” وفق وصفة طبيب الأورام، مع تغطية نصف التكلفة من “AICF”، وأملوا بقرار إيجابي من CMS. وبعد استنفاد مدخراتهم، قال زوجها لـ ICIJ إن “الخطة كانت استخدام معاشها التقاعدي”.

وفي تموز/ يوليو 2024، تلقت جيفرز خبرًا إيجابيًا: إذ أصدر “CMS” قرارًا لصالحها، تضمن تقييمًا سريريًا مفصلًا أشار إلى تحسن “مثبت بشكل جيد” في معدلات البقاء على قيد الحياة لدى مرضى حالتها، وأمر شركة “ميدشيلد” بتمويل علاج “كيترودا” بالكامل. كما ذهب القرار أبعد من ذلك، إذ نصّ على أن هذا الحكم ينطبق أيضًا على “جميع الأعضاء الآخرين الذين هم في وضع مشابه”.

كانت جيفرز “مذهولة” مما وصفته بأنه “إعلان تاريخي” اعتبرته انتصارًا لها ولغيرها من مرضى السرطان.

لكن بعد القرار، قالت إن “ميدشيلد” بدأت بالمماطلة، ولم تلتزم بدفع التكاليف على رغم رسائلها الإلكترونية المستمرة التي كانت تذكّرهم بالالتزام. وأضافت: “الضغط بين العلاج والموافقات هائل، لأنك تعرف أن الوقت يمر، وتعرف ما تقوله الدراسات، وتعرف أنك مضطر لمواصلة العلاج”.

وبعد شهر من قرار “CMS”، وتحديدًا في 21 آب/ أغسطس، تلقت جيفرز رسالة إلكترونية من موظف في “ميدشيلد”، لكنها أدركت لاحقًا أن الرسالة لم تكن موجهة لها عن قصد. إذ يبدو أن الموظف أرسلها إليها عن طريق الخطأ ضمن مراسلات داخلية.

وكان مضمون التواصل الداخلي بين موظفي “ميدشيلد” يناقش قرار رفض التغطية بسبب التكلفة المرتفعة جدًا لـ”كيترودا” و“ضعف الفائدة الإجمالية في إطالة البقاء على قيد الحياة”، وهو ما كان صادمًا لقراءته. وقالت جيفرز: “كانوا يناقشون كيف أنهم غير متأكدين من بقائي على قيد الحياة — وأنهم لا يستطيعون ضمان ذلك لأنني خضعت لعدد كبير من العلاجات”.

قال زوجها إنه صُدم “لرؤية قيمة حياتها تُحسب على ورقة”.

أرسلت جيفرز فورًا المراسلات إلى محاميها، وقررت عدم إبلاغ “ميدشيلد” بما رأته، خوفًا من أي تبعات قانونية محتملة. وفي أيلول/ سبتمبر، أرسلت لها “ميدشيلد” رسالة تفيد بأنها ستعيد فقط المبالغ التي دفعتها، ولن تموّل أي علاج إضافي.

لكنها قالت: “كان لدي حكم قضائي من CMS… بالنسبة لنا كان ذلك صدمة وعدم تصديق”.

وبعد تواصل محاميها مع “ميدشيلد”، وافقت الشركة على مواصلة تمويل علاج “كيترودا”. لكن كل انتصار كان يبدو مؤقتًا. ففي حزيران/ يوليو من العام الماضي، أبلغتها “ميدشيلد” بأنها ستغطي علاجات “كيترودا” فقط حتى تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، أي عند 16 جلسة فقط، وهو أقل بكثير من الجرعات الـ35 المقررة. وقالت جيفرز إن شركة التأمين تراجعت مجددًا، وهذه المرة بسبب انتقادها العلني لها على وسائل التواصل الاجتماعي.

وأضافت أنها باتت تستعد يوميًا لعقبة جديدة، قائلة: “أصبح صراعي ليس فقط مع السرطان، بل مع النظام نفسه الذي من المفترض أن يحميني”.

ردّت “ميدشيلد” على أسئلة مكتوبة من ICIJ قائلة: “بعد دراسة دقيقة، بما في ذلك الأدلة المقدمة في جلسة CMS والتي تُظهر، خلافًا للدراسات السريرية المتاحة، أن العلاج أظهر نتائج إيجابية، قررت “ميدشيلد” عدم المضي في الاستئناف والالتزام بالقرار”.

وأضافت أنها “تقرّ بحدوث تأخيرات متقطعة في حصول العضوة على العلاج بسبب أخطاء تقنية سابقة في إجراءات المطالبات، لكن ذلك لا يُعد رفضًا للعلاج المطلوب ولا سحبًا لنظام العلاج المعتمد”.

كما شددت “ميدشيلد” على العبء المالي الذي تفرضه علاجات السرطان الباهظة، والمخاطر التي تهدد استدامة أنظمة المساعدات الطبية التي “تخضع لتشريعات تُلزمها بقبول جميع المتقدمين بغض النظر عن التاريخ الصحي السابق، وتعمل ككيانات غير ربحية لا يمكنها الوصول إلى رأس مال خارجي”.

وأشارت إلى أن ارتفاع تكاليف العلاج و”التمويل المفتوح” له يجب أن يُنقل إلى الأعضاء، موضحة أن “المطالبات المدفوعة كل عام يجب أن تُغطّى بالكامل من الاشتراكات المحصّلة، ما يعني عدم وجود أي احتياطي لمواجهة النفقات الكارثية لعلاجات الأورام خارج إطار رفع الأقساط”.

في الولايات المتحدة، الدولة التي تُسجّل أعلى أسعار للأدوية وأعلى إنفاق على الرعاية الصحية بين الدول المتقدمة، تخشى تيفاني فيرغسون، مثل جيفرز، من أن تتلقى في أي لحظة رسالة من شركة التأمين الخاصة بها ترفض تغطية دواء “كيترودا”.

فيرغسون، (42 عامًا)، شُخّصت بمرض اللمفوما الهودجكينية في كانون الثاني/ يناير 2019، بعدما بدأت تفقد وزنها بسرعة وتعاني من سعال عنيف وقيء وتعرّق ليلي. وقالت: “أراني الطبيب صورة الأشعة وقال: هذا ليس جيدًا، إما أن يكون سلًا أو سرطانًا. أتذكر أنني كنت أدعو الله أن يكون سلًا”.

في آذار/ مارس 2022، حوّل طبيبها، وهو اختصاصي أمراض دم وأورام في “عيادة مايو” في فينيكس — على بُعد نحو ساعتين بالسيارة من منزلها في فلاغستاف — علاج فيرغسون إلى دواء “كيترودا”.

وبعد بضعة أشهر، كانت في فينيكس، غير بعيد عن “عيادة مايو”، جالسة مع زوجها رايان أوهارا داخل شاحنتهم من نوع “فورد F-150” عندما تلقت رسالة من طبيب الأورام الخاص بها تقول: “فحصك يبدو رائعًا”.

قرأت فيرغسون الرسالة بصوت مرتجف، وقالت إنها لم تستطع الانتظار لإبلاغ أطفالها بالخبر.

بعد أول أربع جلسات من علاج “كيترودا”، دخلت في حالة هدوء أيضي كامل، وهو المصطلح الطبي الذي يعني عدم وجود نشاط سرطاني. وقالت: “أتذكر أنني كنت جالسة في عيادة الطبيب، أنظر إلى الفحوصات النظيفة وأفكر: كنت أتمنى لو بدأت بـ”كيترودا” في وقت أبكر”.

سنوات من العلاجات، بما في ذلك العلاج الكيميائي، وزراعة الخلايا الجذعية، والعلاج الوريدي الموجّه، نجحت في كبح الأورام، لكنها عادت مجددًا في عام 2021.

في أحد أيام تموز/ يوليو 2024، وبينما كانت جالسة على كرسي التسريب جاهزة لتلقي جرعتها التالية، دخل أحد الموظفين وأبلغها بأن شركة التأمين رفضت تغطية العلاج الإضافي.

كانت فيرغسون تدرك أنه إذا استمرت في الجلسة، فإنها أو هي أو مركز السرطان سيتحمّل تكلفة “كيترودا” البالغة 12 ألف دولار، إضافة إلى تكاليف أخرى. وقالت: “كنت قد تلقيت الإبرة بالفعل، لكنني اخترت التوقف وإعادة جدولة الموعد”.

وكان رفض التأمين بداية عملية بيروقراطية أدت إلى تأخير علاجها لمدة خمسة أسابيع، بينما استنفدت فيرغسون وزوجها وفريقها الطبي تقريبًا كل الخيارات الممكنة للطعن في القرار.

في الولايات المتحدة، من الصعب تقريبًا معرفة عدد الأشخاص الذين يتجاوزون الـ220 مليون شخص لديهم تأمين صحي خاص وتم رفض تغطية علاجات محددة لهم. لكن تحليلًا لبيانات عام 2023 أجرته منظمة سياسات الصحة “KFF” أظهر أن 20 في المئة من المطالبات المقدمة إلى خطط التأمين المباعة عبر السوق الحكومية قد رُفضت، وأن أقل من 1 في المئة من هذه الرفضات تُستأنف، فيما يتم تأييد 56 في المئة من تلك الاستئنافات.

وفي ما يتعلق بأسعار “كيترودا” في الولايات المتحدة، قالت شركة “ميرك” في بيان، إن ما يدفعه المرضى يعتمد بشكل كبير على شركة التأمين الخاصة بهم. وأوضحت أن أكثر من نصف المرضى لا يدفعون شيئًا لكل جرعة، بينما يُطلب من الذين يدفعون مبالغ تتراوح “بين سنت واحد و375 دولارًا لكل جرعة بعد استيفاء الحسم السنوي”.

وأضافت الشركة أنها قدمت نحو 125 مليون دولار كمساعدات لتغطية الدفع المشترك في عام 2025، كما دعمت برنامجًا خيريًا وفّر أكثر من 1.7 مليار دولار من الأدوية مجانًا للمرضى في الولايات المتحدة خلال عام 2024.

لكن عندما يتم رفض تغطية العلاج للمرضى، تكون خياراتهم محدودة. فإذا فشلت الطعون المقدمة إلى شركة التأمين، قد يكون تقديم شكوى إلى الجهة التنظيمية للتأمين في الولاية هو الملاذ الأخير.

وبحسب قوانين كل ولاية، قد تصبح الشكاوى المقدمة إلى الجهات التنظيمية سجلات عامة. وقد طلب ICIJ الاطلاع على شكاوى قُدّمت بشأن رفض تغطية دواء “كيترودا” من الجهات التنظيمية في تسع ولايات، إلا أن ولايتين فقط قدمتا معلومات.

وراجع ICIJ وثائق من ولاية “تكساس”، التي وفّرت ستة قرارات نهائية للشكاوى، إذ تم إلغاء قرار الرفض في ثلاث حالات بعد مراجعة الجهات التنظيمية.

وفي ولاية “كاليفورنيا”، أظهر تحليل ICIJ لطلبات المرضى لإجراء مراجعات طبية مستقلة، أن 17 حالة تم تأييد رفضها، بينما أُلغي الرفض في 10 حالات.

تدرك فيرغسون هذا النظام جيدًا؛ فهي أخصائية اجتماعية طبية والرئيسة التنفيذية لشركة استشارات صحية صغيرة تقدّم التدريب لموظفي المستشفيات حول إدارة الحالات، بما في ذلك أوراق التأمين. وقالت: “هذا الوضع جعل حياتي الشخصية تختلط بحياتي المهنية… أنا الآن على الجهة المتلقية من المشكلة”.

وفي رسالة رفض مؤرخة في 17 حزيران/ يوليو 2024، قالت شركة إدارة مزايا الأدوية “CVS Caremark”، وهي الجهة التي تدير الصيدلة لصالح شركة تأمين “CareFirst BlueCross BlueShield”، إنها تغطي الدواء فقط لمدة 24 شهرًا لحالتها الصحية.

لكن بالنسبة الى فيرغسون، فإن هذا التبرير “لا معنى له على الإطلاق”. وقالت إن دواء “كيترودا” هو العلاج الوحيد الذي حافظ على دخولها في مرحلة هدوء المرض لفترة طويلة. كما أوضحت هي وفريقها الطبي أنهم وجدوا دراسة حديثة تشير إلى فعالية الدواء بعد فترة السنتين. وأضافت: “كيف لا تكون شركة التأمين على علم بذلك؟”.

ولم ترد شركة “CareFirst BlueCross BlueShield” على طلبات التعليق من ICIJ بشأن هذا التقرير.

قدّم فريق رعاية فيرغسون وثائق تتعلق بالدراسة الحديثة. كما ساعد طبيب من جهة دفاعية خارجية تُدعى “PayerWatch”، والتي كان يعمل لديها زوجها آنذاك، في تقديم الاستئناف.

وقضت فيرغسون وأوهارا ساعات طويلة على الهاتف وأمام الكمبيوتر في التعامل مع موظفي شركة التأمين. وفي النهاية، أيدت شركة التأمين قرار الرفض، ورفضت كلَي الاستئنافين.

وقالت فيرغسون لـ ICIJ إنها كانت مستعدة للذهاب إلى المحكمة إذا لزم الأمر، لكنها وزوجها شعرا أن القرار النهائي يجب أن يكون بينها وبين طبيبها. لذلك لجآ إلى أسلوب آخر، وهو الضغط العلني على شركة التأمين عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

وكتبت فيرغسون، التي تساهم أحيانًا في مدونات ونشرات صحية، عن تجربتها، وتحدثت عنها في بودكاست “Talk Ten Tuesday” الشهير بين العاملين في قطاع الرعاية الصحية.

كتب أوهارا منشورًا مطولًا على منصة “لينكدإن” عبّر فيه عن إحباطه من الإجراءات، من دون ذكر اسم زوجته. وقال: “هذا ليس الاستخدام الذي أفضل أن أستخدم به وسائل التواصل الاجتماعي، لكن أحيانًا، كمستهلكين، هذا هو الخيار المتاح لنا. أنا أعمل في هذا المجال، وسأفعل ذلك لأي شخص، لكنه أيضًا أمر شخصي بالنسبة لي كما يعلم كثير منكم”. وأضاف: “هناك عدد كبير جدًا من الأشخاص الذين لا يحصلون على الرعاية التي يحتاجونها لأن شركات التأمين، وليس الأطباء، هي التي تتحكم في تقديم العلاج”.

وأعادت فيرغسون نشر المنشور، وكتبت: “من الواضح أن هذا أمر شخصي جدًا بالنسبة لي، وما زلت أحاول صياغة كلماتي. نحن أشخاص نعرف هذا النظام المعقد… كثير من الناس لا يملكون الوصول إلى الموارد لفهم طرق التعامل مع هذا النظام المربك. وحتى مع كل هذه الامتيازات، يتم رفض علاجي — العلاج الذي أبقى السرطان تحت السيطرة ومكّنني من عيش حياة شبه طبيعية”.

قالت فيرغسون لـ ICIJ إنها شعرت بـ“انكشاف جزئي” بعد نشر قصتها علنًا، مضيفة: “لقد شاركت قصتي من قبل، لكنني لم أجعلها يومًا منصّة لي”.

وبعد النشر، تابعت يومها بشكل طبيعي: “الحياة تستمر، لديك أطفال، عشاء، وواجبات منزلية”، كما قالت.

لكن بعد ساعات قليلة، تفقدت حسابها على “لينكدإن” لتجد أن منشوراتها قد تمت مشاركتها من قبل عشرات الأشخاص مع تعليقات تعاطف من غرباء. والأهم أنها لاحظت أن موظفين من شركة التأمين CareFirst BlueCross BlueShield قد شاهدوا المنشورات.

وفي أوائل آب/ أغسطس، تلقت اتصالًا مفاجئًا من شركة التأمين، قال فيه المتصل: “لدينا أخبار جيدة! سنوافق على تغطية “كيترودا””.

وقالت فيرغسون إنها شعرت برغبة في الصراخ: “ماذا تقصدون بأخبار جيدة؟! لأي شيء؟ لأنكم عرّضتم حياتي للخطر برفضكم التغطية التي أحتاجها؟ أنا في هذا الوضع بسببكم!”. لكنها اكتفت بشكر المتصل، وأغلقت الهاتف، ثم حددت موعد جرعتها التالية مباشرة.

وفي كانون الأول/ ديسمبر 2025، قبل عيد الميلاد بقليل، تلقت رسالة رفض جديدة. وقالت إنها كانت مستعدة للاستسلام: “كنت مرهقة”، لكنها أوضحت أن أسباب الرفض كانت غامضة للغاية، إذ أرفقت شركة التأمين رسالة تشير إلى حد 24 شهرًا مع أكثر من 15 صفحة حول الاستخدامات المعتمدة لـ “كيترودا”، ما دفع مقدم الرعاية الصحية لديها لتقديم استئناف جديد. وتم إلغاء الرفض لاحقًا، وعادت إلى تلقي العلاج.

واختتمت قائلة: “أفهم لماذا يستسلم بعض المرضى. عليك أن تقاتل بشدة لأنهم يرفضون الدواء الذي يبقيك على قيد الحياة. ولأي سبب؟ فقط لتوفير بعض المال؟”

15.04.2026
زمن القراءة: 25 minutes

“أرباح مرض السرطان” (The Cancer Calculus)، وهو تحقيق استقصائي استمرّ عامّاً كاملاً أنجزه “الاتّحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين”، بالتعاون مع ICIJ و47 شريكاً إعلامياً في 37 دولة، ويستند إلى مئات المقابلات مع متخصّصين بالأورام، ومرضى سرطان وعائلاتهم، وخبراء في البراءات، وجهات تنظيمية، ومطّلعين من داخل صناعة الأدوية، وغيرهم، إضافة إلى بيانات حصرية عن الأسعار وتحليلات للبراءات، وآلاف الصفحات من عروض الشركات التقديمية، ووثائق هيئات البراءات، والدعاوى القضائية، وسجلّات الشركات والجهات الرقابية.

بريندا ميدينا، وميكا ريدي، وجودي غارسيا (ICIJ)

في مدينة كيتزالتنانغو الجبلية في غواتيمالا، في الطابق الثاني من منزل آدا فيوليتا تشوك، توجد غرفة ذات جدران باهتة تحتضن هيكلاً لتكريم أسلاف عائلتها. يقف صليب خشبي في وسط طاولة مغطاة بمفارش مطبوعة بزهور البوينسيتيا الحمراء. تحيط بالصليب عشرات التماثيل لآلهة أصلية ومسيحية، إلى جانب الشموع والماء والبخور وقرابين أخرى.

على الحائط خلف الطاولة تُعلَّق صور لسبعة من أقاربها المتوفين، توفي أربعة منهم بسبب السرطان.

وقالت تشوك حديثاً لمراسل “الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين“: “الأعلى هو جدتي، والدة أمي؛ توفيت بسبب سرطان المعدة.” وأشارت إلى الإطارات أثناء حديثها. وأضافت: “ابنة عم أمي أيضًا توفيت بسرطان الرحم. وهذه أخت أمي؛ توفيت بسرطان القولون. كانت تبلغ من العمر 23 عامًا فقط”.

الصورة في وسط المعرض هي الأحدث: والدة تشوك، فرانسيسكا فيوليتا سام كولوب، التي توفيت في تموز/ يوليو 2025 بعد رحلة طويلة مع سرطان الجلد. في الصورة، تظهر سام كولوب، وهي معلمة من المايا الكيتشي الأصلية من مرتفعات غواتيمالا، مبتسمة على نطاق واسع، جالسة وذراعاها متقاطعتان، مرتدية بلوزة تقليدية منسوجة يدوياً أو ما يُعرف بـ”هويبيل”، مطرزة باللونين الأزرق والأخضر والبنفسجي.

أضافت تشوك: “هناك دائمًا خوف من أن يصيب [السرطان] أحدنا بعد ذلك، أو يصيبني أنا. هناك الكثير مما لا يمكنك التحكم به”.

في إحدى ليالي عام 2012، لاحظت سام كولوب بقعة داكنة عنيدة في قدمها اليمنى. تجاهلت الأمر، وأخبرت ابنتها أنها مجرد شامة. لكن طبيب الأمراض الجلدية شخّصها بالميلانوما، وهو نوع من السرطانات الجلدية. خلال السنوات التسع التالية، تنقلت سام كولوب بين المستشفيات، خضعت لعمليات جراحية وتحملت جولات متكررة من العلاج الكيميائي، ومع ذلك استمر انتشار الأورام.

في عام 2021، زارت أحد أبرز أطباء الأورام في البلاد، الذي وصف لها ما اعتبره العلاج الأكثر فعالية: “بمبروليزوماب”، دواء مناعي وريدي يعرف باسم “كيترودا” (Keytruda).

بعد موافقة إدارة الغذاء والدواء الأميركية على الدواء في 2014، بدأ بيع Keytruda في الولايات المتحدة وأوروبا واليابان، لكنه كان أقل توافرًا في البلدان النامية مثل غواتيمالا.

كانت سام كولوب بحاجة إلى جلسات منتظمة من الحقن، وتكلفة كل جلسة تقارب الـ11 ألف دولار. قال زوجها، خوان تشوك شوم، متذكرًا كلام أحد الأطباء: “تكلفة العلاج بالكامل بالملايين من الكيتزال [مئات الآلاف من الدولارات الأميركية]، وسيكون من المستحيل تحمّله”.

اضطرت سام كولوب الى القتال للحصول على الدواء، حتى لجأت إلى المحكمة ضد نظام التأمين الصحي العام في بلدها. وبحلول ذلك الوقت، كانت تعيش مع السرطان لأكثر من عقد من الزمن.

تتساءل تشوك: “هل كان بإمكان “كيترودا” أن ينقذ حياة والدتي؟ أعتقد أنه كان ممكنًا. كما أعتقد أنه كان متأخرًا جدًا عندما حصلت عليه”.

قضية سام كولوب تشبه وضع آلاف المرضى حول العالم، وخصوصًا في الدول النامية، الذين خاضوا معارك بيروقراطية مرهقة مع شركات التأمين العامة والخاصة للحصول على دواء Keytruda. تكاليف العلاج تتفاوت بشكل هائل، إذ قد تصل إلى نحو 29,000 دولار في إندونيسيا، و130,000 دولار في كولومبيا، و208,000 دولار في الولايات المتحدة لسنة علاج واحدة.

في الدول النامية، نادرًا ما يُدرج الدواء ضمن القوائم الوطنية للأدوية الأساسية، والتي تعتمد عليها الحكومات لتحديد ما يجب على شركات التأمين تغطيته. ونتيجة لذلك، تتجنب شركات التأمين في بعض الدول منخفضة ومتوسطة الدخل تغطية الدواء إلا إذا أجبرتها المحكمة أو الجهة التنظيمية على ذلك.

توفي بعض مرضى السرطان أثناء انتظار التزام الأنظمة الصحية بقرارات المحاكم، بينما اضطر آخرون الى دفع آلاف الدولارات من جيوبهم قبل أن تمتثل شركات التأمين لأوامر المحاكم أو الجهات المنظمة.

في جنوب أفريقيا، واحدة من الدول القليلة في أفريقيا جنوب الصحراء حيث يتوافر دواء Keytruda بسهولة، لا تستطيع صاحبة مشروع صغير مصابة بسرطان الرئة إجبار شركة التأمين الخاصة بها على الالتزام الكامل بقرار مهم أصدره المنظم الوطني لتغطية الدواء. وفي غواتيمالا وأماكن أخرى في أميركا اللاتينية، لجأ مرضى مثل سام كولوب إلى المحاكم لإجبار شركات التأمين أو أنظمة الصحة العامة على توفير الدواء. حتى في الدول الأغنى، يواجه المرضى صعوبات في الوصول إلى الدواء، ففي الولايات المتحدة، توقفت معالجة الرئيس التنفيذي لشركة استشارات طبية لأسابيع عدة أثناء محاولته الحصول على التغطية.

تؤدي أدوية كثيرة مرتفعة التكلفة إلى معارك قانونية، لكن Keytruda — الذي حقق نحو 163 مليار دولار لعائلة ميرك منذ إطلاقه قبل أكثر من عقد – أصبح أحد أبرز رموز النظام العالمي المعيب، الذي يضرّ بشكل غير متناسب بالدول الفقيرة ذات الميزانيات الصحية المحدودة، وقوة تفاوض ضعيفة مع شركات الأدوية الكبرى.

يأتي هذا التحقيق في سياق مشروع “أرباح مرض السرطان” (The Cancer Calculus)، بقيادة “الاتّحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين” (ICIJ)، وبالتعاون مع 47 منصّة صحافية، من بينها موقع “درج”. شارك في هذا المشروع أكثر من 120 صحافياً من 48 مؤسّسة إعلامية في 36 دولة، للتحقيق في السعر الباهظ والممارسات التجارية التي تقف خلف دواء لمرضى السرطان.

“أرباح مرض السرطان” (The Cancer Calculus)، وهو تحقيق استقصائي استمرّ عامّاً كاملاً أنجزه “الاتّحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين”، بالتعاون مع ICIJ و47 شريكاً إعلامياً في 37 دولة، ويستند إلى مئات المقابلات مع متخصّصين بالأورام، ومرضى سرطان وعائلاتهم، وخبراء في البراءات، وجهات تنظيمية، ومطّلعين من داخل صناعة الأدوية، وغيرهم، إضافة إلى بيانات حصرية عن الأسعار وتحليلات للبراءات، وآلاف الصفحات من عروض الشركات التقديمية، ووثائق هيئات البراءات، والدعاوى القضائية، وسجلّات الشركات والجهات الرقابية.

في تعليق على هذه العواقب، قالت شركة “ميرك” لـ”الاتحاد”: “نلتزم بالقوانين واللوائح المعمول بها، ولا ندعم أو نروّج أو نشارك في أي أنشطة تهدف إلى تشجيع الدعاوى القانونية. على رغم أن الدعاوى القانونية تمثل مسارًا إداريًا مشروعًا لبعض المرضى للحصول على الأدوية، نعتقد أنها ليست نهجًا مستدامًا، إذ قد تكون استخدامًا غير فعال لميزانيات الحكومات، ولا تضمن وصول المرضى إلى الدواء بشكل سريع ومتوقع وواسع”.

وأضافت الشركة أن تطوير “كيترودا” “يعد الآن واحدًا من أكبر وأغلى برامج البحث والتطوير الدوائي التي نُفِّذت على الإطلاق”.

قالت شركة ميرك أيضًا: “لدينا تاريخ طويل في تسعير أدويتنا بمسؤولية، بما يعكس قيمتها للمرضى والدافعين والمجتمع. ولضمان وصول منتجاتنا الى أكبر عدد ممكن من المرضى، نضع أسعارًا متفاوتة حسب الأسواق، وأحيانًا داخل السوق ذاته، وفق عوامل عدة، منها القيمة التي يوفرها العلاج للمرضى ونظام الرعاية الصحية، وأنظمة التسعير والتعويض في الدول، وقدرة الحكومات على تمويل الرعاية الصحية”.

لكن، كما أوضح دانيال و. ل. وانغ، أستاذ القانون في مؤسسة جيتوليو فارغاس (Fundação Getúlio Vargas) بساو باولو والمتخصص في الدعاوى الصحية في أميركا اللاتينية، لـ ICIJ: “الكثير من هذه الدول هي من فئة الدخل المتوسط أو المتوسط المنخفض، وتكافح لتوفير أبسط الخدمات الصحية بشكل شامل. لذلك، تمثل المطالبات للحصول على دواء بمبروليزوماب (Pembrolizumab / Keytruda) ضغطًا كبيرًا على ميزانية الصحة لديهم”.

وأضاف: “حتى لو حسّنا تمويل نظامنا الصحي أو سياساتنا، يظل هذا تحديًا ماليًا، لأن تكلفة العلاجات تنمو بمعدل لا تستطيع ميزانيات الأنظمة الصحية مجاراته”.

بالتالي، يجعل السعر المرتفع جدًا لدواء محتمل لإنقاذ الحياة، الوصول إليه خارج قدرة أنظمة صحية كثيرة، ما يضطر المرضى الذين يمتلكون الموارد والصبر للقتال من أجل حقهم في العلاج، لتصبح مسألة الحصول على أدوية باهظة الثمن أقل عن الحاجة الطبية والأدلة العلمية وأكثر عمّن تستحق حياتهم أن تُنقذ.

بحلول الوقت الذي شُخِّصت فيه إصابة سام كولوب بالسرطان عام 2012، كانت عائلتها قد انتقلت من منزل متواضع في أطراف مدينة كويتزالتننغو إلى منزل أفضل من طابقين بالقرب من مركز المدينة، وهو مؤشر إلى صعود اجتماعي نادر تحقيقه لعائلات المايا.

عملت سام كولوب كمعلمة ثم مديرة لمدرسة ثنائية اللغة (الإسبانية وكيشي) وأيضًا كمحاضرة جامعية، ما أتاح لها الوصول إلى برنامج التأمين الصحي العام في غواتيمالا، المعروف محليًا باسم المعهد الغواتيمالي للضمان الاجتماعي (Instituto Guatemalteco de Seguridad Social – IGSS).

يموَّل هذا المعهد (IGSS) عبر اقتطاعات إلزامية من الرواتب، ويغطي أكثر من 3.3 مليون شخص. للحصول على الرعاية، يجب على المستفيدين زيارة المستشفيات والأطباء المعينين من المعهد. أما المرضى الذين يحتاجون إلى رعاية أسرع أو متخصصة، فعادةً ما يلجأون إلى المستشفيات الخاصة، ويدفعون من جيوبهم أو عبر تأمين تكميلي.

خلال سنوات العلاج، خضعت سام كولوب لأكثر من 30 عملية جراحية في مستشفيات خاصة، ممولة من راتبها ومن بيع سيارتها وقطعة الأرض التي ورثتها عن والديها، حسب قول تشوك. أما لعلاجات الكيميائي والعلاج المستهدف، فكانت تتحمل رحلة شاقة بالحافلة لمدة أربع ساعات عبر الطريق المتعرج، الذي يربط كويتزالتننغو بالعاصمة غواتيمالا سيتي، لتلقّي دوائها في مستشفى IGSS.

قال تشوك: “أتذكر مرة اضطرت للذهاب إلى غواتيمالا سيتي لعلاجها ولم يكن لديها ثمن الحافلة. جاءتها مجموعة من الكنيسة وسلمتها ظرفًا يحتوي على تبرع”.

وفي نهاية المطاف، أخذت سام كولوب رأياً طبياً ثانياً من إدواردو غارزوزي، طبيب أورام خارج نظام “IGSS”. وأظهر اختبار جيني أنها مرشحة جيدة لتلقي دواء Keytruda، وفقًا لما أخبر غارزوزي شريك “ICIJ” – “بلازا بابليكا” .

لكن عندما طلبت سام كولوب من IGSS توفير دواء “كيترودا” ، لم تتلقَّ أي رد. 

(لم يُدرج IGSS دواء “كيترودا” على قائمته الرسمية للأدوية المغطاة، كما لا توجد بدائل حيوية “biosimilars” للدواء ضمن قائمة IGSS)

بعد استنفاد الخيارات، دفعت العائلة لمحامٍ نحو ألف و300 دولار لتقديم طلب “أمبارو” (amparo). يُعد هذا الإجراء القانوني، الشائع في أميركا اللاتينية، شبيهًا بأمر قضائي، ويهدف إلى حماية الحقوق الدستورية، مثل الحق في الصحة والحياة، من انتهاكات الدولة وأحيانًا جهات خاصة.

اعتُمد هذا الإجراء في المكسيك عام 1857، وألهم الكثير من دول أميركا اللاتينية لتبني آليات مشابهة، تحت مسمى “أمبارو” أو “توتيلا” (tutela). ولكل دولة قواعدها الخاصة بشأن من يمكنه استخدام هذه الأداة القانونية والحقوق التي تشملها.

وقال جوردان روداس، المحامي وأمين المظالم السابق لحقوق الإنسان في غواتيمالا، لـ “ICIJ”: “إن “الأمبارو” هو حق كل شخص في اللجوء إلى المحكمة في مواجهة تصرف تعسفي أو انتهاك لحق آخر. لكن من المفترض، في الحالة المثالية، ألا يضطر الناس إلى اللجوء للحماية القانونية لضمان حصولهم على الرعاية الصحية”.

يُعدّ الحصول على الرعاية الصحية المكلفة أحد أكثر الأسباب شيوعًا لتقديم طلبات “أمبارو” ، إذ يلجأ المرضى إلى القضاء لإجبار شركات التأمين والمستشفيات العامة على توفير الأدوية والعلاجات الباهظة. وبينما تُعد آليات “الأمبارو” أو “توتيلا” الوسيلة القانونية الأساسية للحصول على الأدوية مرتفعة التكلفة في الكثير من دول أميركا الجنوبية والوسطى، أوضح وانغ أنه في البرازيل يلجأ معظم المرضى إلى رفع دعاوى قضائية عادية. وأضاف أن عددًا أقل من المرضى يستخدمون “ماندادوس دي سيغورانسا” (“mandados de segurança”)، وهي النسخة البرازيلية من “الأمبارو”.

وقد أطلق الباحثون الذين درسوا هذه الظاهرة في البرازيل ودول أخرى في أميركا الجنوبية، ومن بينهم وانغ، عليها تسمية “قضية الرعاية الصحية”.

قال وانغ: “تتعامل المحاكم في أميركا الوسطى والجنوبية مع الحق في الصحة باعتباره حقًا فرديًا مطلقًا. لذلك، طالما أنك تستطيع إثبات حاجتك الى العلاج، بغض النظر عن تأثير ذلك على نظام الصحة أو على بقية مستخدميه، فإن لديك الحق في الحصول عليه”.

وتُظهر البيانات التي حللها ICIJ”” أن الأنظمة الصحية والقانونية أصبحت أكثر ترابطًا في بعض دول أميركا اللاتينية، حيث يتم الحصول على دواء “كيترودا” غالبًا عبر أوامر قضائية. ففي غواتيمالا، بين كانون الأول/ ديسمبر 2022 وشباط/ فبراير 2026، نظرت المحكمة الدستورية — وهي أعلى محكمة دستورية في البلاد — في 96 طلب “أمبارو” لتغطية تكلفة “كيترودا”، وقُبلت جميعها باستثناء طلب واحد.

في البرازيل، نظرت المحاكم الفيدرالية ومحاكم الولايات في نحو 4,300 طلب قضائي للحصول على دواء “بمبروليزوماب” منذ عام 2019، وقد حكمت الغالبية لصالح المرضى. وفي المكسيك، وجدت منصة “ICIJ” الشريكة “كوينتو إليمنتو” 55 طلب “أمبارو” قُدمت بين تشرين الأول/ أكتوبر 2017 وشباط/ فبراير 2026، حصل 36 منها على حق الوصول إلى “كيترودا”، فيما رُفضت 8 قضايا لأن الدواء كان قد قُدِّم للمرضى قبل صدور الحكم. وفي تشيلي، انحازت المحاكم لصالح المرضى في 10 من أصل 12 قضية.

كما أن معظم طلبات “الأمبارو” في غواتيمالا قدّمها مستفيدون من “IGSS”. وقد وفّر “IGSS” دواء “كيترودا” للمرضى منذ عام 2018 على الأقل، لكنه كان يتم ذلك غالبًا بعد صدور قرارات قضائية تُجبره على ذلك، بحسب السجلات العامة.

في بيان لـ “ICIJ”، قالت “IGSS” إن الأدوية مرتفعة التكلفة “تُعطى ضمن بروتوكولات تقنية وطبية تهدف إلى الموازنة بين الوصول في الوقت المناسب، والأدلة العلمية المتاحة، واستدامة النظام”.

وأضاف البيان: “في هذا السياق، خصصت “IGSS” موارد كبيرة لتوفير هذه العلاجات، بلغت نحو 1,703 مليون كيتزال (أكثر من 218 مليون دولار)، وهو رقم يعكس تزايد الطلب والتوسع التدريجي في إدخال العلاجات المتخصصة. وتطبق المؤسسة عمليات تقييم لإدراج علاجات جديدة، مع إعطاء الأولوية لسلامة المرضى والفعالية العلاجية والاستخدام الرشيد للموارد العامة”.

أما في قضية سام كولوب، فقد جاء في طلب “الأمبارو” أن العلاجات التي وافقت عليها IGSS — مثل العلاج الكيميائي والعلاج الموجّه — لم توقف تطور المرض. وفي أيار/ مايو 2021، حكمت المحكمة لصالحها، وبدأت بتلقي “كيترودا”.

قدّمت “IGSS” استئنافًا على القرار، بحجة أنها لم ترفض تقديم رعاية طبية شاملة لسام كولوب، وأثارت مخاوف بشأن أكثر من 30 أثرًا جانبيًا محتملًا لدواء “كيترودا”.

وجاء في وثائق المحكمة التي اطلعت عليها “ICIJ” أن جهة التأمين العامة قالت في استئنافها إنها “لا تتحمل أي التزام قانوني” بشراء علامات تجارية محددة من الأدوية. ووفقًا لحجج “IGSS”، فإن القضاة تجاوزوا صلاحياتهم عبر اتخاذ قرارات يُفترض أن تُترك لـ”الأطباء المتخصصين ضمن الإطار العلمي للطب”.

وصلت القضية إلى المحكمة الدستورية، التي حكمت لصالح سام كولوب في أيلول/ سبتمبر 2021، بعد أربعة أشهر من القرار الابتدائي لصالحها. وألزمت المحكمة IGSS بمواصلة توفير الدواء كما هو موصوف، وضمان عدم حدوث أي نقص فيه.

لمدة عامين، كانت سام كولوب تتلقى “كيترودا” عندما يكون متوافرًا. وتُعدّ حالات نقص الإمدادات الطبية شائعة في غواتيمالا ودول أخرى في أميركا الوسطى، بسبب ضعف تمويل الأنظمة الصحية والاعتماد الكبير على الأدوية المستوردة.

وتتذكر تشوك مرات عدة كانت فيها سام كولوب تسافر إلى العاصمة لتلقي الجرعات، لتتفاجأ بعدم توافر الدواء. وخلال هذه الفترات، كانت تعود إلى العلاج الكيميائي أو تضطر إلى تفويت العلاج بالكامل.

قالت IGSS في بيانها، إنها “تعمل وفق مبادئ الإنصاف والشرعية والشفافية، وتستخدم إجراءات داخلية تتيح مراجعة الحالات السريرية ومعالجة الطلبات وفق معايير طبية وإدارية”. وبخصوص الأحكام القضائية، أوضحت IGSS أنه “في الحالات التي يصدر فيها حكم قضائي نهائي يُلزم بتوفير دواء أو علاج محدد، فإن المؤسسة مُلزمة بالامتثال الكامل والدقيق لهذا القرار”.

وبحلول عام 2024، كانت سام كولوب قد أصبحت على كرسي متحرك. كان الورم السرطاني في قدمها اليمنى قد تحوّل إلى جرح عميق مفتوح، وأصبح غضروفها شبه مكشوف.

في نيسان/ أبريل من ذلك العام، وصلها خبر سار، وأرسلت رسالة إلى مجموعة عائلتها على واتسآب تقول: “الدواء عاد! سأعود إلى العلاج المناعي”. لكن بحلول ذلك الوقت، بدا أن الانقطاع المتكرر في العلاج قد ترك أثره؛ فبعد جرعتين من علاج مناعي مختلف، بدأت حالتها الصحية بالتدهور السريع.

ومع اقتراب وفاتها، أوصت سام كولوب بناتها باتباع تعليماتها التفصيلية لدفن وفق المعتقد الماياني: أن يُلبسنها “هوبييل” أخضر ارتدته في عيد ميلادها الستين، وأن يضعن في نعشها البخور، ومشطها، ومرآتها.

في ظهر يوم دافئ من شهر حزيران/ يوليو الماضي، كانت بنات سام كولوب وأكبر أحفادها السبعة يجلسون حول سريرها عندما توفيت.

قالت تشوك: “فتحت عينيها على اتساعهما، وكأنها أرادت أن تنظر إلينا لمرة أخيرة”.

على بُعد آلاف الأميال عبر المحيط الأطلسي، في مدينة ميناء دوربان في جنوب إفريقيا، تخوض أدري جيفرز، وهي مالكة علامة أزياء صغيرة (57 عامًا) وأم لثلاثة أطفال، معركتها الخاصة مع دواء “كيترودا”.

جيفرز، التي تتميز بمظهر أنيق وعملي وبشعر أسود نفاث ونظارات سميكة الإطار تُبرز ملامحها الحادة، تمتلك تغطية صحية خاصة من الدرجة الأولى، لكن قضيتها وصلت أيضًا إلى مسار قانوني مرهق، هذه المرة أمام جهة تنظيمية خاصة بالتأمين الصحي.

وكما هو الحال مع سام كولوب، فإن السرطان منتشر في عائلة جيفرز؛ فقد عاشت والدتها سنوات طويلة مع سرطان الثدي قبل وفاتها، كما توفي والدها بسرطان الرئة. ومع ذلك، عندما شُخّصت جيفرز للمرة الأولى بسرطان الثدي من المرحلة الثالثة عام 2005، وهي في سن 36 عامًا، كان ذلك “صدمة هائلة كما قالت لـ ICIJ في منزلها الفيكتوري ذي الطابقين.

وأضافت أن التشخيص كان “لحظة غيّرت حياتي — شيء لا يخطر ببالك في الثلاثينات إطلاقًا”. حاولت أن تبقى إيجابية أمام توأمها البالغ من العمر 9 سنوات وابنها الأصغر البالغ 3 سنوات، لكن الضغط كان مستمرًا: “كانوا ينظرون إليك بشجاعة، لكنك تمشي لاحقًا بجانب غرفهم وتسمعهم يبكون… داخليًا كنت أتحطم، لكنك تتظاهر بالقوة حتى لا تُحزن أطفالك أو زوجك”.

بعد العلاج الكيميائي، ودخولها في مرحلة هدوء المرض، ثم عودته مجددًا عام 2007، تمكنت جيفرز من إبقاء السرطان تحت السيطرة عبر مراقبة دقيقة وعلاج مُدار بعناية. لكن في عام 2015، بدأت تشعر بإرهاق وضعف غير مألوف.

في إحدى الليالي داخل مطعم، التفتت إلى زوجها وقالت: “أعتقد أنه عاد”. وكانت على حق؛ إذ أظهرت الفحوصات أن المرض بدأ بالانتشار مجددًا.

بدأت بعدها خطة علاج “تقليدية” تضمنت جلسات من العلاج الكيميائي، لكن في بعض الأحيان كان العلاج أسوأ من المرض نفسه. وقال زوجها، واين: “كانت تنهار أمامك مثل بالون يفرغ من الهواء”، وكانت تبقى طريحة الفراش لأيام. وكانت جيفرز تحاول جدولة جلسات العلاج أيام الجمعة لتتمكن من التعافي خلال عطلة نهاية الأسبوع.

ومع مرور الوقت، عدّل طبيب الأورام علاجها، فكانت لسنوات تتبع نمطًا متكررًا: “تضرب السرطان قليلًا، ترتاح قليلًا، ثم تعيد الكرة”، كما وصفت هي.

لكن في عام 2023، كشف فحص طبي عن عقدة في رئتها اليمنى، وسرعان ما تلقت تشخيصًا جديدًا: سرطان رئة أولي. وكان المرض ينتشر بسرعة، ولم تعد العلاجات المعتادة فعّالة.

كان لخبر المرض أثر ثقيل على أطفالها، الذين أصبحوا آنذاك في عمر 26 و21 عامًا. وقالت إن ابنها الأصغر “لم يتمكن من التكيف مع التشخيص”، فغادر تدريبًا مهنيًا في كيب تاون مبكرًا ليكون إلى جانب والدته.

أوصى طبيب الأورام بأن تكون جيفرز مرشحة مناسبة لتلقي “كيترودا”. وكانت على دراية بالدواء، إذ شاهدت أخبار استجابة الرئيس الأميركي السابق جيمي كارتر الملحوظة للعلاج بـ “كيترودا”.

في أيار/ مايو 2023، كتب طبيبها إلى شركة التأمين الصحي الخاصة بها “ميدشيلد”، يطلب تغطية علاج يجمع بين العلاج الكيميائي و”كيترودا”. وفي جنوب إفريقيا، تتم عادةً تغطية أصحاب القدرة على تحمّل تكاليف الرعاية الصحية الخاصة — وهم أقلية من السكان — عبر ما يُعرف بـ “أنظمة المساعدات الطبية”، وهي صناديق طبية غير ربحية خاضعة للتنظيم، وغالبًا ما تديرها شركات ربحية، وتدفع المطالبات من نظام مشترك قائم على مساهمات الأعضاء.

بعدما رفضت “ميدشيلد” طلبها بحجة أن “كيترودا” غير مشمول ضمن خطة التأمين الخاصة بها، قدّمت جيفرز — التي أصبحت أكثر دراية بإجراءات البيروقراطية وبمساعدة طبيبها — استئنافًا مرتين. وبعد الرفض، قدمت طلبًا خاصًا للحصول على تغطية “ex gratia”، أي أنها طلبت من الشركة تغطية العلاج بدافع الالتزام الأخلاقي أو حسن النية.

لكن قبل نهاية العام، رفضت “ميدشيلد” هذا الطلب أيضًا، مشيرة إلى أن “كيترودا” غير مدرج على قائمة الأدوية الأساسية في جنوب إفريقيا، ولم يستوفِ شروط الأهلية لتغطية حالة جيفرز.

ادّعت “ميدشيلد” أيضًا أن الطفرات الجينية في سرطان جيفرز تجعل دواء “كيترودا” غير مناسب من الناحية السريرية، وهو ما اعترض عليه طبيب الأورام بشدة في رسالة موجّهة إلى شركة التأمين الصحي.

وقالت جيفرز لـ ICIJ إنها كانت تمضي أكثر من أربع ساعات أسبوعيًا في إرسال رسائل البريد الإلكتروني ومتابعة موظفي “ميدشيلد” الذين لا يردون. وأضافت: “طريقة عمل شركات التأمين هي عدم دفع المطالبات إلا إذا اعترضتَ أنت كمريض، خصوصًا في حالات الأورام. لذلك عندما فهمت ذلك، أدركت أنك يجب أن تعترض وتطرح الأسئلة”.

وقد ساعدتها مهاراتها التنظيمية الدقيقة، التي صقلتها خلال سنوات إدارة عملها، في هذه المعركة؛ إذ احتفظت بجميع سجلاتها الطبية: الفواتير، رسائل البريد الإلكتروني، الخطابات، ونتائج الفحوصات الطبية، وكلها مؤرشفة وجاهزة للاستخدام في أي نزاع لاحق. وقالت: “ليس كل شخص لديه هذه القدرة على التحمل والظروف التي تسمح له بفعل ذلك”.

ومع استمرار المعركة، تدهورت صحتها، ودخلت المستشفى خمس مرات خلال عام 2023.

وفي النهاية، تواصلت مع محامٍ عبر الإنترنت متخصص في قضايا التأمين الطبي. وبناءً على نصيحته، لجأت في صيف 2024 إلى الجهة التنظيمية الرسمية لأنظمة التأمين الصحي الخاصة في جنوب إفريقيا، وهي “مجلس أنظمة التأمين الطبي”.

قالت جيفرز لـ ICIJ: “لقد فعلتُ ما كان يجب أن أفعله: خضعتُ لجراحة لإزالة الورم، ثم بدأت العلاج الكيميائي، لكنه فشل. لذلك يجب أن يكون من حقي استخدام العلاج المناعي”.

لا يُدرج دواء “كيترودا” على قائمة الأدوية الأساسية في جنوب إفريقيا، ويرجع ذلك بشكل أساسي إلى تكلفته الباهظة، لذلك هو غير متوافر في المستشفيات العامة التي تعاني أصلًا من ضغط شديد وتخدم غالبية السكان. (تبلغ تكلفة الجرعة الواحدة من 200 ملغ نحو 5,000 دولار في بلد يبلغ فيه متوسط الدخل السنوي للأسر نحو 5,200 دولار).

وقال آندي غراي، المحاضر الأول في علم الأدوية في جامعة “كوازولو ناتال” في دوربان، والمشارك في سياسات اختيار الأدوية وتنظيمها، إن “قائمة الأدوية الأساسية تعتمد على تقدير ما يمكن تحمّله من تكلفة، إضافة إلى الأولويات الصحية العامة”. وأضاف أنه على رغم تضمّن القائمة أدوية للسرطان، إلا أنها “غالبًا ما تكون أدوية قديمة غير محمية ببراءة اختراع، مع وجود قرارات من الشركات بتوفير نسخ بأسعار مختلفة للدولة، أو الاستفادة من دخول أدوية جنيسة جديدة”.

وقال غراي إن عدد الأجسام المضادة وحيدة النسيلة مثل “كيترودا” محدود جدًا بشكل عام، ويرجع ذلك أساسًا إلى تكلفتها المرتفعة.

وقد أرست المحاكم في جنوب إفريقيا سابقة قانونية تُعرف باسم “الإعمال التدريجي” للحق في الصحة، أي أن الدولة مُلزمة باتخاذ خطوات لتحسين الوصول إلى الرعاية الصحية وضمان تحقيق هذا الحق، لكن ضمن حدود المعقول مع مراعاة القيود على الموارد.

وفي حين يرفع المرضى في بعض الدول النامية الأخرى مثل غواتيمالا دعاوى متزايدة ضد الدولة للحصول على الأدوية، نادرًا ما تصدر المحاكم في جنوب إفريقيا أوامر دستورية تُلزم بتوفير علاجات باهظة التكلفة. كما أن فرص حصول مرضى السرطان غير المؤمن عليهم على دواء “كيترودا” شبه معدومة، إلا إذا تمكنوا من الالتحاق بتجارب سريرية.

بالنسبة الى أكثر من 9 ملايين جنوب إفريقي لديهم تغطية صحية خاصة، فإن النزاعات مع شركات التأمين تنتهي عادةً أمام “مجلس أنظمة التأمين الطبي”، وهو هيئة قانونية تنظّم أنظمة التأمين الصحي الخاصة. وتكون قرارات “CMS” ملزمة ولا يمكن إلغاؤها إلا عبر المحكمة. (وعندما تصل النزاعات بين المرضى وشركات التأمين إلى المحاكم، فإنها تركز عادةً على الالتزامات التعاقدية والقانون الذي يحكم التأمين الطبي، وليس على الحق الدستوري في الرعاية الصحية الشاملة).

لم تستطع جيفرز انتظار انتهاء مسار شكواها عبر القنوات الرسمية، فقررت هي وعائلتها جمع التمويل اللازم لشراء “كيترودا”. وكان بإمكان العائلة إطلاق حملة تبرعات عبر الإنترنت، لكنها قالت: “لم أكن مرتاحة لذلك”.

وكانت العائلة قد تقدمت بالفعل بنجاح للحصول على دعم من صندوق مساعدة مرضى السرطان المعروف باسم “مؤسسة الوصول إلى الرعاية المبتكرة” (“AICF”)، وهي مؤسسة تساعد المرضى في جنوب إفريقيا على تغطية الفجوات في التأمين — مثل الدفعات الكبيرة المشتركة لعلاجات السرطان المكلفة.

لكن هذه المؤسسة ممولة من شركات أدوية كبرى — من بينها روشه ونوفارتس — وهو ما يجعلها “مثيرة للجدل إلى حد ما” بحسب بول روف، طبيب أورام وأستاذ في جامعة ويتواترسراند في جوهانسبرغ.

وفي جنوب إفريقيا، يضمن نظام “السعر الموحد للخروج من المصنع” أن تبيع الشركات المصنعة والمستوردة المنتج بسعر موحد لجميع المشترين في القطاع الخاص، ويُمنع عليها تقديم خصومات أو حسومات أو حوافز مماثلة. ويرى روف أن مؤسسة “AICF” تمثل وسيلة للالتفاف على هذا التنظيم، إذ تساهم في جعل الأدوية أكثر قدرة على التحمل بدون الحاجة إلى خفض الأسعار فعليًا.

رفضت “AICF” الإفصاح عن أسماء شركات الأدوية الكبرى التي تمولها، لكنها قالت في بيان لـ ICIJ إنها “تساهم في ضمان الوصول إلى الرعاية الصحية عندما يتعطل هذا الوصول بسبب تحديات التعويض والضغوط المالية”، وأنها “تعمل بشكل مستقل عن المانحين، تحت إشراف مجلس إدارة يضم مديرين مستقلين ذوي خبرة في قطاع المنظمات غير الحكومية، إضافة إلى خبراء صحيين مرموقين، من بينهم أطباء أورام”.

وقالت شركة ميرك لـ ICIJ في بيان مكتوب إنها “ملتزمة بجعل أدويتنا متاحة للمرضى الذين قد يستفيدون منها في أسرع وقت ممكن، ولهذا توفر ميرك الكثير من برامج الدعم والخدمات للمساعدة في ضمان حصول الأشخاص الذين يُوصف لهم كيترودا على الدواء”. ولم ترد شركة ميرك في جنوب إفريقيا، المعروفة باسم “MSD”، على أسئلة حول ما إذا كانت تموّل “AICF”.

في حالة جيفرز، وافقت “AICF” على تغطية نصف تكلفة كيترودا، ما ترك لعائلتها دفع مئات الآلاف من الراندات من جيبهم (نحو 85,000 دولار حاليًا)، فيما كان دخلهم يتراجع مع تعافي أعمالهم بصعوبة من صدمة جائحة كوفيد-19 والقيود الحكومية.

وكانوا يحتاجون كل ستة أسابيع إلى دفع نحو 2,450 دولارًا بسعر اليوم مقابل جرعة واحدة من كيترودا. واضطرت العائلة إلى تقليص حجم مصنعها وبيع “الدراجات الصغيرة، وآلات الخياطة، والأقمشة، والمعدات، وأجهزة الكمبيوتر، وأرفف التخزين”، بحسب زوج جيفرز لـ ICIJ.

جمعت جيفرز وعائلتها المال اللازم بحلول أوائل عام 2024. وبعد أشهر قليلة من بدء العلاج بـ “كيترودا”، لاحظت تحسنًا كبيرًا في حالتها. كانت الآثار الجانبية محتملة، واستعادت قوتها تدريجيًا، كما أظهرت الفحوصات أن الورم بدأ بالانكماش. وقالت: “للمرة الأولى شعرت أنني قد أتمكن فعلاً من النجاة”.

ومع ذلك، كان الضغط المالي مرهقًا للغاية. وقالت جيفرز إن كل شهر كان “اختيارًا بين البقاء على قيد الحياة أو الإفلاس”. وقد توقعوا الحاجة إلى 35 جرعة من “كيترودا” وفق وصفة طبيب الأورام، مع تغطية نصف التكلفة من “AICF”، وأملوا بقرار إيجابي من CMS. وبعد استنفاد مدخراتهم، قال زوجها لـ ICIJ إن “الخطة كانت استخدام معاشها التقاعدي”.

وفي تموز/ يوليو 2024، تلقت جيفرز خبرًا إيجابيًا: إذ أصدر “CMS” قرارًا لصالحها، تضمن تقييمًا سريريًا مفصلًا أشار إلى تحسن “مثبت بشكل جيد” في معدلات البقاء على قيد الحياة لدى مرضى حالتها، وأمر شركة “ميدشيلد” بتمويل علاج “كيترودا” بالكامل. كما ذهب القرار أبعد من ذلك، إذ نصّ على أن هذا الحكم ينطبق أيضًا على “جميع الأعضاء الآخرين الذين هم في وضع مشابه”.

كانت جيفرز “مذهولة” مما وصفته بأنه “إعلان تاريخي” اعتبرته انتصارًا لها ولغيرها من مرضى السرطان.

لكن بعد القرار، قالت إن “ميدشيلد” بدأت بالمماطلة، ولم تلتزم بدفع التكاليف على رغم رسائلها الإلكترونية المستمرة التي كانت تذكّرهم بالالتزام. وأضافت: “الضغط بين العلاج والموافقات هائل، لأنك تعرف أن الوقت يمر، وتعرف ما تقوله الدراسات، وتعرف أنك مضطر لمواصلة العلاج”.

وبعد شهر من قرار “CMS”، وتحديدًا في 21 آب/ أغسطس، تلقت جيفرز رسالة إلكترونية من موظف في “ميدشيلد”، لكنها أدركت لاحقًا أن الرسالة لم تكن موجهة لها عن قصد. إذ يبدو أن الموظف أرسلها إليها عن طريق الخطأ ضمن مراسلات داخلية.

وكان مضمون التواصل الداخلي بين موظفي “ميدشيلد” يناقش قرار رفض التغطية بسبب التكلفة المرتفعة جدًا لـ”كيترودا” و“ضعف الفائدة الإجمالية في إطالة البقاء على قيد الحياة”، وهو ما كان صادمًا لقراءته. وقالت جيفرز: “كانوا يناقشون كيف أنهم غير متأكدين من بقائي على قيد الحياة — وأنهم لا يستطيعون ضمان ذلك لأنني خضعت لعدد كبير من العلاجات”.

قال زوجها إنه صُدم “لرؤية قيمة حياتها تُحسب على ورقة”.

أرسلت جيفرز فورًا المراسلات إلى محاميها، وقررت عدم إبلاغ “ميدشيلد” بما رأته، خوفًا من أي تبعات قانونية محتملة. وفي أيلول/ سبتمبر، أرسلت لها “ميدشيلد” رسالة تفيد بأنها ستعيد فقط المبالغ التي دفعتها، ولن تموّل أي علاج إضافي.

لكنها قالت: “كان لدي حكم قضائي من CMS… بالنسبة لنا كان ذلك صدمة وعدم تصديق”.

وبعد تواصل محاميها مع “ميدشيلد”، وافقت الشركة على مواصلة تمويل علاج “كيترودا”. لكن كل انتصار كان يبدو مؤقتًا. ففي حزيران/ يوليو من العام الماضي، أبلغتها “ميدشيلد” بأنها ستغطي علاجات “كيترودا” فقط حتى تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، أي عند 16 جلسة فقط، وهو أقل بكثير من الجرعات الـ35 المقررة. وقالت جيفرز إن شركة التأمين تراجعت مجددًا، وهذه المرة بسبب انتقادها العلني لها على وسائل التواصل الاجتماعي.

وأضافت أنها باتت تستعد يوميًا لعقبة جديدة، قائلة: “أصبح صراعي ليس فقط مع السرطان، بل مع النظام نفسه الذي من المفترض أن يحميني”.

ردّت “ميدشيلد” على أسئلة مكتوبة من ICIJ قائلة: “بعد دراسة دقيقة، بما في ذلك الأدلة المقدمة في جلسة CMS والتي تُظهر، خلافًا للدراسات السريرية المتاحة، أن العلاج أظهر نتائج إيجابية، قررت “ميدشيلد” عدم المضي في الاستئناف والالتزام بالقرار”.

وأضافت أنها “تقرّ بحدوث تأخيرات متقطعة في حصول العضوة على العلاج بسبب أخطاء تقنية سابقة في إجراءات المطالبات، لكن ذلك لا يُعد رفضًا للعلاج المطلوب ولا سحبًا لنظام العلاج المعتمد”.

كما شددت “ميدشيلد” على العبء المالي الذي تفرضه علاجات السرطان الباهظة، والمخاطر التي تهدد استدامة أنظمة المساعدات الطبية التي “تخضع لتشريعات تُلزمها بقبول جميع المتقدمين بغض النظر عن التاريخ الصحي السابق، وتعمل ككيانات غير ربحية لا يمكنها الوصول إلى رأس مال خارجي”.

وأشارت إلى أن ارتفاع تكاليف العلاج و”التمويل المفتوح” له يجب أن يُنقل إلى الأعضاء، موضحة أن “المطالبات المدفوعة كل عام يجب أن تُغطّى بالكامل من الاشتراكات المحصّلة، ما يعني عدم وجود أي احتياطي لمواجهة النفقات الكارثية لعلاجات الأورام خارج إطار رفع الأقساط”.

في الولايات المتحدة، الدولة التي تُسجّل أعلى أسعار للأدوية وأعلى إنفاق على الرعاية الصحية بين الدول المتقدمة، تخشى تيفاني فيرغسون، مثل جيفرز، من أن تتلقى في أي لحظة رسالة من شركة التأمين الخاصة بها ترفض تغطية دواء “كيترودا”.

فيرغسون، (42 عامًا)، شُخّصت بمرض اللمفوما الهودجكينية في كانون الثاني/ يناير 2019، بعدما بدأت تفقد وزنها بسرعة وتعاني من سعال عنيف وقيء وتعرّق ليلي. وقالت: “أراني الطبيب صورة الأشعة وقال: هذا ليس جيدًا، إما أن يكون سلًا أو سرطانًا. أتذكر أنني كنت أدعو الله أن يكون سلًا”.

في آذار/ مارس 2022، حوّل طبيبها، وهو اختصاصي أمراض دم وأورام في “عيادة مايو” في فينيكس — على بُعد نحو ساعتين بالسيارة من منزلها في فلاغستاف — علاج فيرغسون إلى دواء “كيترودا”.

وبعد بضعة أشهر، كانت في فينيكس، غير بعيد عن “عيادة مايو”، جالسة مع زوجها رايان أوهارا داخل شاحنتهم من نوع “فورد F-150” عندما تلقت رسالة من طبيب الأورام الخاص بها تقول: “فحصك يبدو رائعًا”.

قرأت فيرغسون الرسالة بصوت مرتجف، وقالت إنها لم تستطع الانتظار لإبلاغ أطفالها بالخبر.

بعد أول أربع جلسات من علاج “كيترودا”، دخلت في حالة هدوء أيضي كامل، وهو المصطلح الطبي الذي يعني عدم وجود نشاط سرطاني. وقالت: “أتذكر أنني كنت جالسة في عيادة الطبيب، أنظر إلى الفحوصات النظيفة وأفكر: كنت أتمنى لو بدأت بـ”كيترودا” في وقت أبكر”.

سنوات من العلاجات، بما في ذلك العلاج الكيميائي، وزراعة الخلايا الجذعية، والعلاج الوريدي الموجّه، نجحت في كبح الأورام، لكنها عادت مجددًا في عام 2021.

في أحد أيام تموز/ يوليو 2024، وبينما كانت جالسة على كرسي التسريب جاهزة لتلقي جرعتها التالية، دخل أحد الموظفين وأبلغها بأن شركة التأمين رفضت تغطية العلاج الإضافي.

كانت فيرغسون تدرك أنه إذا استمرت في الجلسة، فإنها أو هي أو مركز السرطان سيتحمّل تكلفة “كيترودا” البالغة 12 ألف دولار، إضافة إلى تكاليف أخرى. وقالت: “كنت قد تلقيت الإبرة بالفعل، لكنني اخترت التوقف وإعادة جدولة الموعد”.

وكان رفض التأمين بداية عملية بيروقراطية أدت إلى تأخير علاجها لمدة خمسة أسابيع، بينما استنفدت فيرغسون وزوجها وفريقها الطبي تقريبًا كل الخيارات الممكنة للطعن في القرار.

في الولايات المتحدة، من الصعب تقريبًا معرفة عدد الأشخاص الذين يتجاوزون الـ220 مليون شخص لديهم تأمين صحي خاص وتم رفض تغطية علاجات محددة لهم. لكن تحليلًا لبيانات عام 2023 أجرته منظمة سياسات الصحة “KFF” أظهر أن 20 في المئة من المطالبات المقدمة إلى خطط التأمين المباعة عبر السوق الحكومية قد رُفضت، وأن أقل من 1 في المئة من هذه الرفضات تُستأنف، فيما يتم تأييد 56 في المئة من تلك الاستئنافات.

وفي ما يتعلق بأسعار “كيترودا” في الولايات المتحدة، قالت شركة “ميرك” في بيان، إن ما يدفعه المرضى يعتمد بشكل كبير على شركة التأمين الخاصة بهم. وأوضحت أن أكثر من نصف المرضى لا يدفعون شيئًا لكل جرعة، بينما يُطلب من الذين يدفعون مبالغ تتراوح “بين سنت واحد و375 دولارًا لكل جرعة بعد استيفاء الحسم السنوي”.

وأضافت الشركة أنها قدمت نحو 125 مليون دولار كمساعدات لتغطية الدفع المشترك في عام 2025، كما دعمت برنامجًا خيريًا وفّر أكثر من 1.7 مليار دولار من الأدوية مجانًا للمرضى في الولايات المتحدة خلال عام 2024.

لكن عندما يتم رفض تغطية العلاج للمرضى، تكون خياراتهم محدودة. فإذا فشلت الطعون المقدمة إلى شركة التأمين، قد يكون تقديم شكوى إلى الجهة التنظيمية للتأمين في الولاية هو الملاذ الأخير.

وبحسب قوانين كل ولاية، قد تصبح الشكاوى المقدمة إلى الجهات التنظيمية سجلات عامة. وقد طلب ICIJ الاطلاع على شكاوى قُدّمت بشأن رفض تغطية دواء “كيترودا” من الجهات التنظيمية في تسع ولايات، إلا أن ولايتين فقط قدمتا معلومات.

وراجع ICIJ وثائق من ولاية “تكساس”، التي وفّرت ستة قرارات نهائية للشكاوى، إذ تم إلغاء قرار الرفض في ثلاث حالات بعد مراجعة الجهات التنظيمية.

وفي ولاية “كاليفورنيا”، أظهر تحليل ICIJ لطلبات المرضى لإجراء مراجعات طبية مستقلة، أن 17 حالة تم تأييد رفضها، بينما أُلغي الرفض في 10 حالات.

تدرك فيرغسون هذا النظام جيدًا؛ فهي أخصائية اجتماعية طبية والرئيسة التنفيذية لشركة استشارات صحية صغيرة تقدّم التدريب لموظفي المستشفيات حول إدارة الحالات، بما في ذلك أوراق التأمين. وقالت: “هذا الوضع جعل حياتي الشخصية تختلط بحياتي المهنية… أنا الآن على الجهة المتلقية من المشكلة”.

وفي رسالة رفض مؤرخة في 17 حزيران/ يوليو 2024، قالت شركة إدارة مزايا الأدوية “CVS Caremark”، وهي الجهة التي تدير الصيدلة لصالح شركة تأمين “CareFirst BlueCross BlueShield”، إنها تغطي الدواء فقط لمدة 24 شهرًا لحالتها الصحية.

لكن بالنسبة الى فيرغسون، فإن هذا التبرير “لا معنى له على الإطلاق”. وقالت إن دواء “كيترودا” هو العلاج الوحيد الذي حافظ على دخولها في مرحلة هدوء المرض لفترة طويلة. كما أوضحت هي وفريقها الطبي أنهم وجدوا دراسة حديثة تشير إلى فعالية الدواء بعد فترة السنتين. وأضافت: “كيف لا تكون شركة التأمين على علم بذلك؟”.

ولم ترد شركة “CareFirst BlueCross BlueShield” على طلبات التعليق من ICIJ بشأن هذا التقرير.

قدّم فريق رعاية فيرغسون وثائق تتعلق بالدراسة الحديثة. كما ساعد طبيب من جهة دفاعية خارجية تُدعى “PayerWatch”، والتي كان يعمل لديها زوجها آنذاك، في تقديم الاستئناف.

وقضت فيرغسون وأوهارا ساعات طويلة على الهاتف وأمام الكمبيوتر في التعامل مع موظفي شركة التأمين. وفي النهاية، أيدت شركة التأمين قرار الرفض، ورفضت كلَي الاستئنافين.

وقالت فيرغسون لـ ICIJ إنها كانت مستعدة للذهاب إلى المحكمة إذا لزم الأمر، لكنها وزوجها شعرا أن القرار النهائي يجب أن يكون بينها وبين طبيبها. لذلك لجآ إلى أسلوب آخر، وهو الضغط العلني على شركة التأمين عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

وكتبت فيرغسون، التي تساهم أحيانًا في مدونات ونشرات صحية، عن تجربتها، وتحدثت عنها في بودكاست “Talk Ten Tuesday” الشهير بين العاملين في قطاع الرعاية الصحية.

كتب أوهارا منشورًا مطولًا على منصة “لينكدإن” عبّر فيه عن إحباطه من الإجراءات، من دون ذكر اسم زوجته. وقال: “هذا ليس الاستخدام الذي أفضل أن أستخدم به وسائل التواصل الاجتماعي، لكن أحيانًا، كمستهلكين، هذا هو الخيار المتاح لنا. أنا أعمل في هذا المجال، وسأفعل ذلك لأي شخص، لكنه أيضًا أمر شخصي بالنسبة لي كما يعلم كثير منكم”. وأضاف: “هناك عدد كبير جدًا من الأشخاص الذين لا يحصلون على الرعاية التي يحتاجونها لأن شركات التأمين، وليس الأطباء، هي التي تتحكم في تقديم العلاج”.

وأعادت فيرغسون نشر المنشور، وكتبت: “من الواضح أن هذا أمر شخصي جدًا بالنسبة لي، وما زلت أحاول صياغة كلماتي. نحن أشخاص نعرف هذا النظام المعقد… كثير من الناس لا يملكون الوصول إلى الموارد لفهم طرق التعامل مع هذا النظام المربك. وحتى مع كل هذه الامتيازات، يتم رفض علاجي — العلاج الذي أبقى السرطان تحت السيطرة ومكّنني من عيش حياة شبه طبيعية”.

قالت فيرغسون لـ ICIJ إنها شعرت بـ“انكشاف جزئي” بعد نشر قصتها علنًا، مضيفة: “لقد شاركت قصتي من قبل، لكنني لم أجعلها يومًا منصّة لي”.

وبعد النشر، تابعت يومها بشكل طبيعي: “الحياة تستمر، لديك أطفال، عشاء، وواجبات منزلية”، كما قالت.

لكن بعد ساعات قليلة، تفقدت حسابها على “لينكدإن” لتجد أن منشوراتها قد تمت مشاركتها من قبل عشرات الأشخاص مع تعليقات تعاطف من غرباء. والأهم أنها لاحظت أن موظفين من شركة التأمين CareFirst BlueCross BlueShield قد شاهدوا المنشورات.

وفي أوائل آب/ أغسطس، تلقت اتصالًا مفاجئًا من شركة التأمين، قال فيه المتصل: “لدينا أخبار جيدة! سنوافق على تغطية “كيترودا””.

وقالت فيرغسون إنها شعرت برغبة في الصراخ: “ماذا تقصدون بأخبار جيدة؟! لأي شيء؟ لأنكم عرّضتم حياتي للخطر برفضكم التغطية التي أحتاجها؟ أنا في هذا الوضع بسببكم!”. لكنها اكتفت بشكر المتصل، وأغلقت الهاتف، ثم حددت موعد جرعتها التالية مباشرة.

وفي كانون الأول/ ديسمبر 2025، قبل عيد الميلاد بقليل، تلقت رسالة رفض جديدة. وقالت إنها كانت مستعدة للاستسلام: “كنت مرهقة”، لكنها أوضحت أن أسباب الرفض كانت غامضة للغاية، إذ أرفقت شركة التأمين رسالة تشير إلى حد 24 شهرًا مع أكثر من 15 صفحة حول الاستخدامات المعتمدة لـ “كيترودا”، ما دفع مقدم الرعاية الصحية لديها لتقديم استئناف جديد. وتم إلغاء الرفض لاحقًا، وعادت إلى تلقي العلاج.

واختتمت قائلة: “أفهم لماذا يستسلم بعض المرضى. عليك أن تقاتل بشدة لأنهم يرفضون الدواء الذي يبقيك على قيد الحياة. ولأي سبب؟ فقط لتوفير بعض المال؟”