مدينة “نيوم” السعودية: اغتيالات وإعدامات وتهجير قسريّ

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

مشروع “نيوم” الذي يتغنى به محمد بن سلمان، ليس إلا واجهة برّاقة، تخفي وراءها التهجير القسري لقبيلة الحويطات، التي يُعدم أفرادها لرفضهم تسليم منازلهم وانتقادهم سياسات ولي العهد.

“بعد عشرة أعوام من الآن، سننظر الى الخلف ونقول إننا أول من جاء إلى هنا”، يقول أحد أعضاء الفريق العامل في مشروع “نيوم” ضمن فيديو ترويجي للمدينة، التي تعد أحد أضخم مشاريع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان. 

تُعتبر مدينة “نيوم” أحد المشاريع الرئيسة في رؤية 2030، التي يقودها بن سلمان لوقف اعتماد اقتصاد البلاد على النفط، هي مدينة مستقبلية عملاقة تُبنى على ساحل البحر الأحمر في السعودية، بتكلفة 500 مليار دولار.

مدينة نيوم

أطلق بن سلمان مجموعة من الوعود الخياليّة عند إعلانه عن المشروع عام 2017: شواطئ مضيئة تتوهج في الظلام، مليارات من الأشجار وسط الصحراء، قطارات بسكك معلقة في الهواء، قمر صناعي، مدينة خالية من السيارات مبنية على خط مستقيم يزيد طوله عن 100 ميل، في “مخطط مستقبلي يمكن للبشرية أن تتطور وتتقدم فيه من دون المساومة على سلامة الكوكب”. لكن بعكس ما يروِّج له الداعمون للمشروع، اصطدم MBS بقبيلة الحويطات، والتي يقول المتحدثون باسمها إن نيوم “تُبنى على دمهم وعظامهم”.

عمليات إخلاء وتهجير قسري

تمتد المدينة المرتقبة على مساحة تزيد عن 26500 كيلومتر مربع، يسكنها حوالى 20 ألف شخص معظمهم من قبيلة الحويطات، وفق وكالة “فرانس برس”، والحويطات قبيلة عربية تنتشر شمال غربي السعودية، ولها فروع كثيرة تتوزع في الأردن وفلسطين ومصر. وعلى رغم كل الوعود الرسمية بتعويضات مادية سخية، يواجه أبناء القبيلة الترحيل القسري عن منازلهم وأراضيهم، التي تعتزم السلطات السعودية بناء المدينة الجديدة عليها. 

أطلق ناشطون من أبناء الحويطات عام 2020، حملة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، للتعبير عن رفضهم الانتقال من أراضيهم تحت وسم بعنوان “الحويطات ضد ترحيل نيوم”. وشاركوا مقاطع مصوّرة لهم وهم يناشدون الحكومة السعودية إعادة النظر في قرار نقلهم من المنطقة نظراً الى وجودهم التاريخي فيها.

تزامن ذلك، مع تصاعد حملة السلطات السعودية لإبعادهم من أراضيهم، عبر ملاحقة أفراد من قبيلة الحويطات واعتقالهم في ظروف غامضة، وتعزيز الوجود الأمني في المنطقة وقطع المياه والكهرباء عنها، وتحليق طائرات المراقبة فوقها.

الحويطات

عادت قضية الحويطات إلى الواجهة مجدداً في 23 كانون الثاني/ يناير 2023، بعد تأييد محكمة الاستئناف الجزائية المتخصصة في السعودية، أحكام الإعدام الصادرة بحق ثلاثة أفراد من قبيلة الحويطات، وهم شادلي وإبراهيم وعطالله الحويطي، على خلفية رفضهم عمليات الإخلاء القسري والتهجير، التي تشهدها عائلات المنطقة على يد السلطات السعودية من أجل مشروع مدينة “نيوم”. 

تشير منظمة “القسط” الحقوقية، إلى أن المتهمين حوكموا إثر “عدد من التهم الغامضة التي تتعلق بأعمالهم السلمية، بما فيها النشاط على “تويتر”، بموجب نظام مكافحة جرائم الإرهاب السعودي، وذلك لرفضهم بناء المدينة على أراضٍ تسكنها قبيلتهم”.

تعرّض شادلي الحويطي منذ اعتقاله عام 2020، لمختلف أنواع التعذيب وسوء المعاملة في السجن. فشادلي شقيق عبد الرحيم الحويطي الذي قتلته قوات الأمن السعودية في نيسان/ أبريل 2020، بعد مداهمتها منزله في “الخريبة” في منطقة تبوك، الواقعة ضمن الأراضي التي خصصتها السلطات لمشروع “نيوم”.

 يُشكل القمع الذي تتعرض له قبيلة الحويطات جزءاً من تدهور أوضاع حقوق الإنسان في السعودية منذ منتصف عام 2022.

قُتل عبد الرحيم بعدما نشر مقاطع فيديو عبر مواقع التواصل الاجتماعي، يعلن فيها رفضه التهجير القسري الذي تمارسه السلطات بحقّ أهالي المنطقة في سبيل تنفيذ المشروع، وانتقاده التعويضات التي تزعم الدولة منحها لعائلات المنطقة مقابل تخلّيهم عن أراضيهم. وثّق عبد الرحيم أيضاً بشكل دوري، الحصار المفروض عليه وعلى عائلته بواسطة سيارات الشرطة لإجباره على تسليم منزله، في حين ادّعت قوات الأمن السعودية أن الحويطي فتح النار عليهم، الأمر الذي نفاه أفراد عائلته.

“هذا إرهاب دولة”، يقول عبد الرحيم في آخر فيديو نشره قبل مقتله بيوم، ويضيف: “أنا ضد التهجير القسري للناس. لا أريد أن أغادر، لا أريد تعويضاً، أريد فقط أن أبقى في منزلي. لن أُفاجأ إن جاؤوا لقتلي في منزلي، وألقوا السلاح فيه ووصفوني بالإرهابي. هذا بيتي وسأحميه”.

اعتُقل العشرات من أفراد قبيلة الحويطات، وصدرت أحكام بسجنهم لفترات طويلة بسبب رفضهم إخلاء منازلهم، وكان أفراد القبيلة قد دعوا الأمم المتحدة الى التحقيق في قضيتهم، معتبرين أن ما تفعله السلطات السعودية يرقى إلى مستوى “إبادة شعب أصلي”.

وعود كاذبة

نقلت منظمة “سند” الحقوقية عن علياء الحويطي، ناشطة تقيم في لندن، قولها إن “السلطات وعدت سكان المنطقة بأنهم سيكونون جزءاً من المشروع، وبأنهم سيشاركون في تطوير المنطقة وتحسينها”، ولكن منذ عام 2020، “باتوا مجبرين على ترك أراضيهم”. 

وُعِدَت القبيلة، وفق الحويطي، بتعويضات من خلال الوظائف والمزايا التي ستُمنح لأبنائها، إلا أن السلطات السعودية اختارت مطاردتهم بدلاً من ذلك، وأشارت الحويطي أيضاً إلى أن “السلطات أرادت، بقتلها عبد الرحيم الحويطي، أن توجه رسالة الى كل المعترضين بأنهم سيُقتلون في حال عبّروا عن اعتراضهم على مواقع التواصل الاجتماعي”.

يقول جوش كوبر من منظمة “القسط”، إن مشروع “نيوم” يستهدف النخبة المحلية والدولية للترويج للسعودية الجديدة، المنفتحة والليبرالية، ولا يسمح بمشاركة السكان المحليين أو تدخّلهم في عملية اتخاذ القرار، ويضيف: “نيوم ليست رؤية براقة عن المستقبل، بقدر ما هي رمز قاتم عن انتهاكات حقوق الإنسان، التي ظهرت بشكل جلي من خلال تعامل السلطات السعودية مع قبيلة الحويطات، وغياب المنابر التي يستطيع المواطنون التعبير من خلالها عن مواقفهم في القضايا الحقوقية السياسية والمدنية”.

 يُشكل القمع الذي تتعرض له قبيلة الحويطات جزءاً من تدهور أوضاع حقوق الإنسان في السعودية منذ منتصف عام 2022، مع إصدار أحكام بالسجن تصل إلى 50 عاماً استهدفت ناشطين لمجرد ممارسة حقهم في حرية التعبير. وبالتوازي، زادت السلطات من وتيرة تنفيذ عقوبة الإعدام، وأعدمت 148 شخصاً في عام 2022، ضعف عدد الأشخاص الذين نُفذ فيهم حكم الإعدام في عام 2021.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني