fbpx

“هل نعلن هزيمة الربيع العربيّ؟”… أمومة الاستبداد

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

لم تخرج الجماهير عام 2011 لإعلان الولاء للقائد الفذ، والتغنّي بسلامة حبل السرة الذي يصلها به، وإنما لتعلن على الملء عزمها على قطع هذا الحبل، والخروج عن حالة الانصهار بفرد، والتمايز عن الأب القائد، عن الرئيس ـ الأم.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

ما الذي حل بالفردانية التي نادى بها الربيع العربي، هل جُرحت، قُتلت، خصوصاً مع صعود ديكتاتوريات ما بعد الثورة؟ وهل يصح هنا كلام عن نكء للـ”جرح النرجسي” للشخصية العربية المأزومة، على مثال ما قرأ جورج طرابيشي نكسة حزيران/ يونيو؟

أستلهم هذه الأسئلة من سؤال “هل نعلن هزيمة الربيع العربي؟”، ولما كنت عاملاً ميدانياً في مجالي الطب والعلاج النفسيين، ارتايت أن أرتكز في محاولة إجابتي على الابتداء من تأمّل الأعراض السريرية لا النظرية، بل الصورة السريرية لراهن المجتمعات العربية التي شهدت ثورات الربيع العربي. 

وعلى رغم أنني أميل عموماً إلى منظار يرى أن البنية النفسية الجمعية للمجتمع العربي تحاكي الاضطرابات النرجسية الفردية، فإني أعتقد أن المعاناة العربية الراهنة جمعياً والأشيع فردياً، أكثر توافقاً مع اضطراب ما بعد الصدمة. فإن كانت تحمل شيئاً من سمات مذلّة نرجسية، فالأمر في ظني مزمن سابق للثورات، إضافة إلى كونه حَدَثِية ثانوية ناجمة عن نكوص مترتب على الصدمة، آخذين بالاعتبار كون الاضطراب النرجسي بحد ذاته من وجهة نظر التحليل النفسي، نتاج نوع من الصدمة المبكرة أو خللٍ مبكر في البنية النفسية مكافئ للصدمة.

لا بد هنا من التنويه إلى أن توظيفي في الأطر الجمعية لعمل ومصطلحات ومراجعات نظرية عدة خاصة بـ”الإمراضيات” الفردية، من دون ضبط مصطلحي دقيق لهذه النقلة، يبقي مقاربتي هذه في إطار المجاز، لتكون أقرب إلى الفهم الثقافي منها إلى الأكاديمي.

خواء داخلي

تتفق الاتجاهات التحليلية النفسية الأحدث على أن الاضطرابات النرجسية الفردية عادة ما تترافق مع خلل في العلاقة بين الرضيع وبين الموضوع الأولي الأقرب (وهو مصطلح تحليلي يقصد به الشخص الأقرب إلى الرضيع في حياته المبكرة، الدور الذي تضطلع به الأم غالباً، وسنعتمد هنا اختصاراً الأم)، خلل يكافئ ما يسمى باضطراب التعقيل (Mentalisation). 

يقصد بالتعقيل العملية التي يتم من خلالها إدراك الأحوال النفسية (العقلية) لدى كل من الذات ولدى الآخر، بتفسير سلوك الآخرين من خلال إحالته إلى حالات عقلية، الأمر الذي يتطور من خلال إدراك المعاني الذاتية الى الوجدانات المختلفة وفهم المشاعر المرتبط بالخبرات البشرية المبكرة. 

فلا يعتبر وفقاً لذلك فهم الذات والآخر والتمييز بين الحقائق النفسية الذاتية والغيرية، وبين الذاتي والموضوعي، شأناً بيولوجياً صرفاً ولا معرفياً محضاً، بل هو بالدرجة الأولى عملية شعورية تبدأ في حياة الرضيع بعلاقته مع الأم، ومن خلالها تتطور القدرة على التنظيم الشعوري، وعلى الاستشعار العاطفي للذات والآخر، كما القدرة على التقمص الوجداني (Empathy). يؤدي الخلل العاطفي في علاقة الرضيع بأمه، وعدم قدرة الأم على الاحتواء العاطفي (Containing) وعلى تمثّل واحتمال معاناة الطفل لتجربة غيابها المؤقت إلى اختلال قدرته على إعادة اختراع صورتها في غيابها وإلى النكوص (النرجسي) إلى نفسه. 

اختلال التوسّط العاطفي الأمومي يعقّد شعور الرضيع الناشئ بنفسه كذات مستقلة، فعدم القدرة على احتمال غياب الأم وتصوّره، يشكل القدرة على تصور الانفصال عنها، الأمر الذي يوافق اختلالاً في الشعور بالذات، يترافق مع رضّ مبكّر متمثل باختبار خواء داخلي متمثّل بالنكوص النرجسي إلى الذات. عبر استراتيجيات غير واعية، يلجأ الرضيع الى تجاوز هذا الرض إلى ثوابت مطلقة تتمثل في أمْثَلَة (Idealisation) الذات والآخر. 

فعندما لا يتلقى الرضيع توكيداً أمومياً يعترف بخبراته الشعورية ويطمئنها، فإنه يعجز عن إدراك الآخرين عاطفياً بشكل مناسب، وعن التواصل معهم عبر تبادل الخبرات الشعورية، فيميل إلى تجاهلهم عاطفياً، ما يتمظهر تالياً في تبخيس الآخرين، ما نراه بكثرة في اضطراب الشخصية النرجسية، أو يميل إلى الإعلاء من هذا الشأن، ليعوّض بهذا وذاك عن العجز عن اختبارهم عاطفياً بشكل مناسب، عبر إرساء ثوابت (وهمية) في عالم متداع لا يجد له جذوراً خارج تجربة اختبار الخواء الراضّة. 

ينتج من ذلك اختلال في العلاقات، يتراوح بين أمثَلَة الآخر والحط منه، ما يترافق في الوقت ذاته مع خلل في تقييم الذات غير القابلة للتعيين شعورياً، متمّثل بتعظيم الذات النرجسي الأشيع، أو بتبخيس الذات الفادح (غير الموسوم بالنرجسية في العرف الشائع مع أنه تعبير أكثر مباشرة عنها)، أو باختلاط الأمرين (وهو الأشيع) من دون أن يسفر هذا الاختلاط إلى التوصل إلى معادلة متوازنة لقيمة الذات. 

يرتكز مفهوم الجرح النرجسي على استمداد قيمة الذات (العاجزة عن تقدير ذاتها شعورياً) من تقدير الآخر والشعور بمذلة عميقة في غياب هذا التقدير. تجدر الإشارة هنا، إلى أن الخلل النرجسي الذي تكاد آثار منه على الأقل تكون موجودة عند جميع البشر، ليس مكافئاً لاضطراب الشخصية النرجسية الأندر حدوثاً، والذي ينتج عادة من رض مبكر هو من الشدة بمكان بحيث يؤدي إلى اضطراب تعقيل جسيم، يتسم بفقد كامل أو شبه كامل للقدرة على اختبار متناسب لقيمة الذات والآخر والاضطرار إلى اللجوء إلى مرجعيات غير شعورية، بل معرفية محضة لفهم الذات والآخر، ما ينتج منه الإفراط في التمركز حول الذات والنزوع الى استغلال الآخرين للأغراض الشخصية (أو الخضوع الكامل لهم) ونقص لافت في القدرة على التعاطف. 

الاضطرابات الأقل حدة هي الأكثر انتشاراً، وانتشارها هو ما يشكل المرجعية الشعبية الواسعة، الشعبوية ربّما، التي تحظى بها شخصيات نرجسية. ولا بد من التوضيح بأني لا أستخدم مصطلح النرجسية من قبيل الشتيمة أو أعدالها، بل بدلالاته الباتولوجية: إشكالية وعي الذات والموضوع (الآخر) وعياً عاطفياً متناسباً غير مضطر إلى الأمثلة أو التبخيس من شأن الذات أو الآخر، لتجنب تهديدات الفناء وعدم الاعتراف بالوجود.

ما الذي حل بالفردانية التي نادى بها الربيع العربي، هل جُرحت، قُتلت، خصوصاً مع صعود ديكتاتوريات ما بعد الثورة؟

إن يشأ شئت

يتماشى اعتبار نكسة حزيران نكأً لجرح نرجسي في رأيي مع فكرة التحام القائد مع الجماهير: الزعيم النرجسي الذي تعيش فيه الجموع تجسيداً لنرجسياتها الفردية، وتتراضى في العلاقة معه على التنازل عن حدودها الفردية، فهي امتداد وتماد له وهو كذلك لها. ولطالما كان هذا الالتحام قيمة ينشدها الإعلام الاستبدادي صراحة، ونادراً ما تلقى استنكاراً. وحسبنا أن نتذكر الهوى الشعبي السوري الذي لقته مناشدة الضباط السوريين لجمال عبد الناصر لعقد الوحدة مع سوريا، وإن على حساب الحريات الفردية والمجتمعية والسياسية والاقتصادية. 

وإلا فلمَ على مفترق كهزيمة حزيران أن يؤثر على التوازن النفسي لمجموع بشري لا وزن لرأي الواحد فيه في القرار السياسي؟، ستتركز أمثلتي في ما يلي على سوريا ومصر، انطلاقاً من تقاطع تاريخ الاستبداد في هذين البلدين عند نقاط حاسمة عدة.

نقل الكاتب والصديق عمر قدور على صفحته على “فيسبوك”، المشهد التالي من كتاب “من أسرار حرب اليمن” لمؤلفه وجيه أبو ذكرى: 

بدأ الرئيس عبدالناصر يتحدث عن التدخل العسكري في اليمن، وكان يتحدث بنشوة ما بعدها نشوة، وعلى يمينه يجلس المشير أركان حرب عبدالحكيم عامر. وكان كمال الدين حسين ينظر إلى الأوراق التي أمامه دون أن ينظر للرئيس، وكأنه لا يعيره اهتماماً. فسأله عبدالناصر: مالك يا كمال؟. وسكت كمال الدين حسين. فواصَل الرئيس عبدالناصر حديثه: تكلم يا كمال… سمعت إنك تعارض دخولنا في اليمن. – أيوه يا ريسأنا رأييوقاطعه الرئيس عبدالناصر: ومن إمتى بقالك رأي؟ فرد كمال الدين حسين: والله أنا شايف إن البلد بتغرق وأنا محسوب من اللي بيقودوا البلد. فرد عليه عبدالناصر: اسمع يا كمال.. روح شوف الأول أنت عملت إيه في التعليم.. وبعدين تعال اعترض.. أنت يظهر تعبان.. وأنا من رأيي تستريح شوية. فرد كمال الدين حسين: أنا فعلا تعبان.. البلد ما تتحملش مصاريف أكتر في اليمن.. احنا بنينا الجيش عشان يحارب اليهود مش عشان يغزو اليمن. احنا مالنا ومال اليمن.. احنا صرفنا دم قلبنا في سوريا.. ودي كانت النتيجة؛ الانفصال. ولا يجوز إن دم أولادنا يهدر على جبال اليمن. فرد عليه عبدالناصر: الله.. ده أنت بقيت تعرف في السياسة.. وبقيت زعيم.. ونظر الرئيس عبدالناصر لسيادة المشير عامر وقال له: – كمال بقى سياسي يا عبدالحكيم.. في ذمتك ده مش تعِبْ ومن حقه يستريح شوية؟.

ما يلفت الانتباه، أن الصحافي وجيه أبو ذكرى يرى أن انشغال كمال الدين حسين بأوراق أمامه، وعدم التفاته إلى عبد الناصر، يثيران شبهة، كونه لا يعير اهتماماً للرئيس، فيثير بذلك حفيظة الأخير، كأنه يحرّض لديه مشاعر هوان نرجسي.

يبدو أن الكاتب نفسه يراها مفهومة ومتسقة مع جو الجلسة العام، فيرتكس الرئيس بالتذكير بالمبادئ العامة للزعامة النرجسية: لا أحد غير الزعيم الأوحد يدلي برأيه، بل ليس لغيره أن يكون له رأي أصلاً. 

في وقت لاحق، عندما يعالج جمال عبد الناصر هزيمة حزيران بتقديم استقالته، نجد أن الجموع (الممعنة في النكوص إلى فموية ما قبل الكلامية) تتلقف هذه المبادرة (الأمومية)، فتخرج إلى الشارع مناشدة ممثلها الفموي، الذي يثرثر كثيراً من دون أن يقول شيئاً، ويمنع الآخرين في الوقت نفسه أن يتكلموا، أو حتى أن يكون لهم رأي، كي يعود إلى كرسي الرئاسة ويصدح كالكروان في الميكروفونات المحببة. وسيرثي كبار الشعراء العرب في ما بعد رحيل جمال عبد الناصر، كنزار قباني في قصيدة مطلعها “قتلناك يا آخر الأنبياء”، ومحمود درويش في قصيدته “الرجل ذو الظل الأخضر”. بل إن شعراء تعرضوا للسجن في عهده مثل عبد الرحمن الأبنودي وأحمد فؤاد نجم، عادوا متأخرين إلى رثائه، وفي قصيدة الأخير إشارة تدعم ما أزعمه من تلاحم فموي ونرجسي بين عبد الناصر ومحبيه، فيصفه نجم في قصيدته “زيارة لضريح جمال عبد الناصر” بلقب يختصه لنفسه عادة، فعبد الناصر: “فاجومي من جنسنا”.

 تشرح لنا الكاتبة والناشطة نوارة نجم، ابنة الشاعر، في لقاء متلفز مع الإعلامية منى الشاذلي، معنى هذا اللقب: “والدي هو اللي سمى نفسه الفاجومي، وطلعها من المعجم مشتقة من كلمة فجم… اللي هو لما بييجي يتكلم من كتر ما بيتكلم بسرعة ورا بعض يطلع رذاذ من فمه يخبط في وش اللي قدامه”.

القائد الأم

لألفة جمال عبد الناصر مع زمانه خصوصية ما ستثير لدى من تلاه من زعماء العرب مشاعر الحسد، وإلا فالغبطة والحنين إلى زمن الاستبداد الجميل (يطلق الشاعر محمد الماغوط على إرهاب الدولة في زمن عبد الناصر مقارنة بما يليه إسم “لإرهاب النبيل”!). سيشقّ على الزعماء العرب (المتنازعين بمال النفط والوعود الأميركية والسوفياتية) تحقيق الانصهار النرجسي المنشود مع الجماهير. 

وعلى رغم النرجسية التي لا تخفى لمعظم الزعماء العرب، لم يستطع أحد منهم (فلا بد لمثال الأنا من ميّزات أخلاقية تعوزهم) أن يتوصل إلى حالة تصادٍ مع “الشعب” يكون الزعيم فيها لوحة إسقاط منشودة للنرجسيات الفردية وتجلياً جسدياً للأمة، بما يمكن مقارنته بالحالة الناصرية. لكنهم كانوا يرغمون الجماهير على التظاهر بهذا الالتحام. ولا بد من الاعتراف بأن الجموع العربية، وعلى رغم وعيها للإرغام، عاشت الدور مطولاً وأبلت في أدائه بلاء حسناً، ما يشير إلى أن الزعامات العربية، رغم انخفاض شعبيتها، تمكنت حتى وقت قريب من مداعبة وتر جماهيري حساس، متمثل بالنزوع إلى تخلي المواطن عن فرديته ومواطنيته لصالح الانصهار بالزعيم (من تمظهرات هذه الحاجة، الشعار الذي رددته بعض الجموع الإسلامية المنتمية إلى الثورة السورية: “قائدنا إلى الأبد سيدنا محمد”. ظاهر الأمر تحريف لشعار روّجه النظام في الثمانينات “قائدنا إلى الأبد الأمين حافظ الأسد”، إلا أن إقحام النبي العربي في هذا القالب البعثي يحمل إشارة تأصيل تاريخي الى الميل للانصهار الجماعي في الزعيم الفرد). 

ربما كان حسن نصر الله (على الرغم من كونه قائد ميليشيا طائفية) الزعامة العربية الوحيدة التي حققت تفاعلاً جماهيرياً واسعاً من غير إرغام، إثر مناوشاته مع إسرائيل في بداية الألفية الثالثة، إلا أنه سرعان ما فقد معظم رصيده (النرجسي) عند المواطن العربي، بعد تدخل “حزب الله” في سوريا لقمع المعارضين لنظام الحكم. 

لم تعاود الجماهير العربية بعد جنازتي جمال عبد الناصر وهواري بومدين، وجنازتي أم كلثوم وعبد الحليم حافظ في سبعينات القرن العشرين، الخروج إلى الشارع خروجاً مدوياً إلا بعد انقضاء عقود. بيد أن خروجها هذه المرة لم يكن لإعلان الولاء للقائد الفذ، والتغنّي بسلامة حبل السرة الذي يصلها به، وإنما لتعلن على الملأ عزمها على قطع هذا الحبل، والخروج عن حالة الانصهار بفرد، والتمايز عن الأب القائد، عن الرئيس ـ الأم. 

لربما هو الظهور الجماعي الأول للنزعة الفردية العربية، على ما هذه الجملة من تناقض صميم! فعند هذا المنعطف الحاسم من التشافي النرجسي، كيف للفرد أن يعّبر عما لا يمكن التعبير عنه؟! كيف له أن يستعيد الخبرة الراضّة الأصلية ويعاني الخواء؟ كيف يصف معاناة ما لا يمكن معاناته؟ عبّر الإنسان العربي عن القسر التربوي العميق وعن إجباره فرداً على ابتلاع الصمت، بالصراخ الجماعي في الشوارع. وعاد الزعيم العربي بذلك ليكون محور الحدث، وشاشة إسقاط للمجتمع، ولكن على اعتباره علة الشقاء والعقبة الكأداء في درب التحرر. 

وسرعان ما عادت مؤشرات الحاجة إلى الانصهار الأعمى بالزعامات  لتظهر مجدداً (من شعار “قائدنا إلى الأبد سيدنا محمد” إلى ظاهرة زهران علوش و”جيش الإسلام” في سوريا، إلى الالتفاف الشعبي المصري النسبي حول شخص محمد مرسي (من دون تمحيص في خططه السياسية)، ما أعقبه ظهور نكوصات إلى حالات الانصهار بالزعيم في أسوأ أشكالها، مثال الحماسة الهذيانية التي أبداها بعض المتحمسين السابقين للثورة المصرية لشخص عبد الفتاح السيسي، الذي يبز عبد الناصر في القدرة على التفوّه بثرثرة  لا تقول شيئاً.

محترفون عباقرة

إن كان هتاف الجموع في ميدان التحرير القاهري قد جسّد أول الاستثناءات البصرية – السمعية لمرحلة الثورات العربية وما بعدها، فإن ثاني هذه الظواهر الاستثنائية كان مشهد المدن السورية المخربة، وإنزال الدمار الشامل على رؤوس الناس على الهواء مباشرة. أوقعت أقسى العقوبات بالسوريين، وصولاً إلى قصف أحيائهم عشوائياً ببراميل متفجرة، وخنقهم بالأسلحة الكيميائية، وتعذيبهم حتى الموت على مرأى العالم وسمعه، وإلا فبعلمه. ليظهر بعد ذلك الرئيس السوري في خطاب أو مع صحافيين أجانب، تجسيداً لسادية فموية تنزع الى ابتلاع الواقع كاملاً، واستهانة نرجسية بالذات وبعقول من يصغي إليه في الداخل والخارج، كما في تصريحه حمّال الأوجه لوكالة أميركية “لا يقتل شعبه إلا زعيم مجنون”.

إن كان مشهد ميدان التحرير تجسيداً  لعفوية الحراك الاجتماعي، فإن الانتقام الجماعي العلني للنظام السوري تجسيد للرد القصدي المخطط والأبعد من العفوية. من أقوال الأسد الأب إبان حرب 1973، والتي صُدّعت بها رؤوسُ السوريين: “لسنا هواة قتل وتدمير، وإنما نحن ندفع عن أنفسنا القتل والتدمير”، عدّلت مجموعة “الشعب السوري عارف طريقه”، المكونة من ناشطات وناشطي الثورة السورية، هذه المقولة “الخالدة” لتستخدمها في إنتاج ملصق استعيرت فيه الأجواء البصرية لملصق فيلم كوبولا الشهير “العرّاب”، لنرى الطاغية السوري الراحل ترافقه المقولة ذاتها محرّفة “لسنا هواة قتل وتدمير… نحن محترفون”.

بخبرته الإجرامية الطويلة، فهم النظام السوري المدرك استحالة إصلاحه، أنه أمام تحدّ وجودي، إذ بات عاجزاً عن استمالة السوريين بالأساليب النرجسية القديمة، وحتى عن إرغامهم على التظاهر بالعودة من جديد إلى تعظيم الزعيم بدل السخرية منه في الساحات. فعمد مدفوعاً بمشاعر الإهانة النرجسية، إلى تصديع الوعي السوري والعربي معه، ليسدّ دروباً تم البدء بتلمّسها، ويعرقل محاولات التمايز الفردي والخروج عن المعارف المستغلقة عن الذات والآخر، والتي لا تستطيع الأنظمة الاستبدادية البقاء من دونها. 

لا أزعم هنا بأن الثورات العربية كانت مساعي واعية للتمايز الفردي، فهي بحد ذاتها ظواهر جماعية تستقوي بالجماعة، إلا أنها خروج سافر عن سيناريو دُربت الجماهير العربية مطولاً على استظهاره، لتكون بذلك إرهاصات أولى نحو وعي الذات. بإرهاب الدولة في أبشع صوره، انتقم النظام بضراوة من محاولة التحرر من مفاهيمه مسبقة الصنع. وعلى الرغم من الخبث المتجلّي بالكذب المنهجي وتصنيع الإرهاب الجهادي  واستخدامها(خبرة كوّنها النظام في العراق ولبنان)، لم يزدد إعلام النظام في أزمته إلا ضحالة، فبعد أن كان الحذاء العسكري تمثيلاً مجازياً يستخدم رمزياً في معرض نقد الأنظمة الشمولية وهجائها، بات التمجيد الفج والمباشر للحذاء العسكري وتوثينه غرضاً يتردد في تصريحات أبواق النظام، وطقساً شبه رسمي لحملات إعلامية واسعة وأعمال فنية رعتها وموّلتها حلقات قريبة من مركز القرار.

 فاستجلاء النزعة التخريبية لنظام لا تقل الغاية لديه سوءاً عن الوسيلة، لا يحتاج إلى كثير من التنقيب، وإن كان هناك من فهم مقولة بشار الأسد “لا يقتل شعبه إلا زعيم مجنون” على أنه لاعتبارات طائفية لا يعتبر هذا الشعب شعبه، فإن هذا الفهم لا يتناقض مع التأويل النرجسي الأعمق، لطالما كان العظماء خوارج لا ينضوون في قطيع أو شعب، والجنون لا يعيب العباقرة!.

حدث ذات مرة في سوريا

إن كان لوعي الشعوب الجمعي لذاتها بالعموم قرابة نرجسية، بمعنى أن الأفراد يلجأون إلى تكريس صلتهم بالكلانية التي تجمعهم تحت مسمى شعب انطلاقاً من دوافع نرجسية تتداخل فيها الهوية الفردية بالجمعية، فإن الثورات العربية كثفت هذه الأزمة ورفعتها إلى مستوى القمة، دافعة بها إلى الزعامات المصابة أصلاً باضطرابات نرجسية فردية عميقة يبدو أنها شرط لازم للوصول إلى قمة أنظمة حكم استبدادية فاسدة على شاكلة ما عرفته بلادنا. 

طالب إعلام الأنظمة العربية باستعادة صورته المعهودة عند جماهيره، بأداء الأنا المزيفة (false self) التي تستعيض بترديد ما ينتظر منها عن غياب الذات الفعلية، بالمستدمجات (Introjects) التي بثها في نفوس مواطنيه: بصوت حسني مبارك الصغير، حافظ الأسد الصغير، وحتى جمال عبد الناصر بل أنطون سعادة الصغيرين، بكل ما جرى ازدراعه بأساليب واعية وأخرى غير واعية، عبر التهديد والترغيب، كي لا تعكس مرآةٌ شيئاً إلا صورة الزعيم الأم. 

عندما اتضح أن الآليات القديمة لم تعد صالحة، سلك الجيش المصري درباً ملتفاً، واستطاع بأكبر قدر من الدهاء والاعتماد على قوة الخصم (الشعب هنا) تحقيق أهداف المؤسسة، عبر استخدام مرشّد نسبياً للعنف، والتضحية برأس النظام، وإتاحة فرصة للديمقراطية، حُمّل جزء لا يستهان به من مسؤولية إهدارها للإخوان المسلمين ومن انتخبوهم، ثم عبر تعويم عبد الفتاح السيسي بوصفه شخصية توحي بمطلق الاستيعاب والتفهم من دون أن تحقق في الواقع أي شيء منهما!.

في المنقلب الآخر، لجأ النظام السوري إلى التنكيل، مستهدفاً أجساد المواطنين ووعيهم، عبر إنهاك من ينجو من المقتلة بأعراض الصدمة التي تنال قبل كل شيء من القدرة على الشعور، وتدفع بالأفراد إلى النكوص إلى مستوى الوعي الطفلي النرجسي، والعودة إلى اللغات البدائية، والاستخدام غير اللغوي للغة، من حيث هو تعبير مبهم عن الألم الهائل والمتراكم والسخط على الذات والعالم. فهل نحن أمام مذلة نرجسية؟، لا يخلو الأمر من ذلك. لكننا أدنى لأن نكون بمواجهة فشل إرهاصات لتجاوز حالة المذلة النرجسية المزمنة عبر إحياء الذات الحقيقية والوعي الذاتي الفعلي. 

وما يغلب اليوم على الجموع العربية التي شهدت انتقام الزعامات المهانة، هو الصدمة وأعراضها: من قلق وخوف، استرجاع قهري للذكريات الراضّة، كوابيس ليلية، تثلّم وكلل الشعور، انفصال انشقاقي عن الواقع، تجنب الانفتاح على التجربة الشعورية، ارتياب، واستغراق في كل ما من شأنه أن يخدّر الحواس والوعي، ويمنع عود إغراق المشاعر بفيضانات الألم التي اختبرها سكان المنطقة والمنتمون إليها في السنوات المنصرمة، في المختبر السوري الذي قصد منه إعادة تربية المنطقة والعالم.