fbpx

سوريون يجيبون على سؤال: “هل نعلن هزيمة الربيع العربي؟”

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!
"درج"

الهزيمة بالمفهوم النمطي كلمة تتداولها الأنظمة، أما نحن فيمكننا القول: التاريخ لا يختصر بسنوات، والثورات تتعثر وترمم نفسها طالما بقيت إرادة الشعوب حية، هذه ليست نظرة تفاؤلية وإن انطوت على ذلك، تجارب الشعوب ما زالت أمامنا.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

نطرح سؤال “هل نعلن هزيمة الربيع العربي؟” في السياق السوري، بعد عودة رأس النظام السوري بشار الأسد إلى الحضن العربيّ، واستخدامه اللاجئين خارج سوريا إلى ورقة للضغط السياسي، تحت شعار “المال مقابل إعادة اللاجئين”.

سؤال يحمل في طياته أكثر من عقد من الثورات ومواجهة الأنظمة الديكتاتورية في المنطقة العربية، بما تبعها من حروب ومعارك ومجازر واعتقالات، لكنه قد يعني أيضاً قبول إعلان نهاية الأحلام. في سوريا قدم نظام الأسد نموذجاً مرعباً عن نظام سياسي سفاحٍ، لم يتوانَ عن قتل أي كبير أو صغير بهدف بقائه، ومع ذلك تمّ تعويمه عربياً حتى عاد الأسد في 19 أيار/ مايو الماضي إلى الجامعة العربية وكأن شيئاً لم يكن! هذه العودة كانت أشبه بقطع خيط الأمل الأخير مع الثورة السورية، فما الذي بقي منها اليوم؟ وهل حان وقت إعلان الهزيمة؟ توجّه “درج” بهذا السؤال إلى مجموعة من المثقفين والفنانين السوريين. هنا إجابات لأربعة نشطاء وفنانين سوريين بحسب الترتيب الأبجدي:

رقية العبادي – صحافية

أعتقد بأن تطبيع بعض الدول العربية مع النظام السوري، والمكاسب التي حققها النظام على المستوى العربي، زادت المشهد تعقيداً ويأساً. لكن علينا أن ننظر إلى الربيع العربي كعملية تاريخية متواصلة، وعلى رغم التحديات التي قد تواجهها، فإن الأمل لا يزال موجوداً في القدرة على المطالبة بالحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية.

بالرغم من ذلك، يجب ألا ننسى أن الربيع العربي يمثل بذرة التغيير والأمل في نفوس كثيرين. لا يمكن لأحد أن ينكر أحد أن هذه الحركات الثورية أسقطت بعض الأنظمة القمعية، وأحدثت تحولاً في الوعي السياسي والاجتماعي للشعوب. ربما فشلت الثورات في تحقيق جميع أهدافها، وقد تعاني اليوم من تدخلات خارجية وصراعات داخلية، لكن الثوار لا يزالون يحملون أحلاماً وطموحاتٍ لمستقبلٍ أفضل.

بقي من الربيع العربي شغف الشباب وعزيمتهم على المضي قدماً نحو تحقيق التغيير والعدالة. بالرغم من التحديات والعقبات التي تواجههم، إلا أن روح الثوار لا تُطفأ وتستمر في إلهامهم. خلال هذه الرحلة المملوءة بالتحديات، تراكمت تجارب وخبراتٌ قيّمة تمكنهم من بناء مستقبلٍ أفضل. ربما الأحلام تأخرت، ولكن التغيير ليس عملاً فردياً بل هو جهدٌ جماعي يتطلب الصمود والتعاون المستمر. على رغم طول الطريق وتعقيداته، الثوار ما زالوا يعملون بجد لتحقيق أهدافهم وبناء مستقبلٍ أفضل للشعوب العربية.

كصحافية ومعارضة للنظام السوري، أنا جزء من الحراك الشعبي في سوريا. أصف نفسي سياسياً بأنني أؤمن بقيم الديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان، سواء قبل عودة النظام السوري إلى الجامعة العربية أو بعدها، أظل واثقة من أن الحراك الشعبي جزءٌ من النضال الشامل لتحقيق الحرية والعدالة في سوريا، تجب محاسبة النظام القمعي على انتهاكه حقوق الإنسان وجرائمه ضد المدنيين، وبالتالي، يُعتبر التطبيع السياسي مع النظام خيانةً للقضية السورية ومعاناة الشعب السوري الذي ناضل من أجل الحرية والكرامة.

إعلان هزيمة الربيع العربي لا يعكس الحقيقة، فأنا أؤمن بأن الربيع العربي ينبع من إيماننا بمواجهة أنظمة عربية مأزومة. برغم التحديات، لا يزال الأمل موجوداً في القدرة على المطالبة بالحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية.

لذا، يجب أن ننظر إلى الربيع العربي كعملية تاريخية مستمرة. برغم التحديات، لا يمكن إلغاء الإنجازات الإيجابية التي تحققت في بعض الدول، فقد شهدت بعض البلدان تغييرات سياسية مهمة وإصلاحات مؤسسية، وزاد الوعي السياسي والمشاركة المدنية في تلك المجتمعات. وعلاوة على ذلك، يحدث التحول والتغيير المستمر في المشهد السياسي، وقد يظهر ربيعٌ جديدٌ في المستقبل.

إننا بحاجة إلى أن نتطلع إلى المستقبل بتفاؤل وثقة، وأن نستمد القوة من روح الثوار وصمودهم. فالتغيير ليس مهمة سهلة، ولكنها ليست مستحيلة. إنها مسؤولية مشتركة تقع على عاتق الشعوب العربية كلها، ويجب أن نواصل النضال من أجل إحداث التغيير الذي نطمح إليه.

في النهاية، الربيع العربي هو رحلة طويلة من التحديات، لكنها أيضاً رحلة للأمل والتغيير من أجل إحلال العدل والديمقراطية والحرية في الوطن العربي. 

 برغم التحديات، لا يزال الأمل موجوداً في القدرة على المطالبة بالحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية.

غطفان غنوم – ممثل ومصور

كثيراً ما تمَّ إعلان موت الربيع العربي منذ انطلاقه في تونس وانتشار عدوى الثورات في بلدان عربية عدة، والمؤشرات على أرض الواقع تثبت للمتابع صحة ذلك، غير أن قراءة أكثر عمقاً لا بد أن تضع أمامنا مآلات أكثر تنوعاً، فالحكم بموت الربيع العربي يعادل القول بأن إرادة الشعوب قد ماتت أيضاً، وهذا ما لا تدعمه نظرية ولا تاريخ. الربيع العربي لم يكن في حال من الأحوال حركة منظمة ومفتعلة كمسيرات التأييد الشعبية المجهزة لدعم حكم ديكتاتوري ما، بل كان تحولاً في الوعي وتجدداً في الروح العربية، وهو بهذا قد حقق تبدلاً جذرياً لا يمكن العودة لما قبله، من غير الطبيعي ألّا يجد ذلك التحول ممانعة وحرباً ضروساً في مواجهته من فلول الأنظمة السابقة أو من متكسبي ما قبل الربيع، وتحت تلك المقاومة ستندرج كل النكسات التي نراها ونسمع عنها، ذلك كله في ظل انعدام الخبرات الثورية وضعف المجتمعات المدنية من جانب الثائرين، واستفحال العنف وحشد الخبرات القديمة وترويج الافتراءات حول حقيقة الربيع العربي من قبل الطرف الآخر. الربيع العربي سيستمر وهذه حتمية تاريخية لا يمكن لأحد إنكارها حتى لو تأخر القطاف، كل ذلك مشروط باكتساب الوعي من التجارب المريرة، والانتباه لضرورة بناء مجتمع مدني مواز وقادر على السير للأمام وفق متطلبات العصر.

لن ننكر أن عودة النظام السوري إلى الجامعة العربية كان مخيباً، وعلى مستويات عدة، عربية ووطنية، غير أن ذلك لم يشكل أي فارق بالنسبة إلي على الصعيد الحيوي الشخصي. ما زلت أجد القوة اللازمة كي أرفض وأصرخ وأعمل بحرية، وهذا هو الأهم حالياً.

الهزيمة بالمفهوم النمطي كلمة تتداولها الأنظمة، أما نحن فيمكننا القول: التاريخ لا يختصر بسنوات، والثورات تتعثر وترمم نفسها طالما بقيت إرادة الشعوب حية، هذه ليست نظرة تفاؤلية وإن انطوت على ذلك، تجارب الشعوب ما زالت أمامنا.

مايا محمد الجرف – كاتبة وصحافية

جاء الحديث عن إعادة العلاقات والتطبيع مع نظام الأسد مُرافقاً للذكرى العاشرة للثورة، وتكرّس بعودة سورية لجامعة الدول العربية، ما شكّل خيبة أمل كبيرة للمعارضة السورية التي رفضت أن تعتبر هذه الخطوة بمثابة إعلان لهزيمة الثورة، وشنّ أفرادٌ حملات على مواقع التواصل الاجتماعي تُدين فيها عودة سورية إلى “حضن” جامعة الدول العربية، وترفض إعادة العلاقات لا سيما فيما يتعلّق بقطاعي الاقتصاد والسياحة. وهُنا يجب علينا أن نسأل؛ ماذا بقي لنا من الثورة السورية؟ ولماذا نرفض الاعتراف بهزيمتها؟

لم تكن عودة النظام السوري إلى جامعة الدول العربية مُفاجئة بعد سلسلة المُصالحات التي حدثت في العامين السابقين، ولكن مع ذلك انكسر لنا حلم أخير في وقوف بعض الدول العربية في صفّ الثورة السورية، أو حتّى في صفّ أي ثورة يمكن أن تقومَ لاحقاً، فخطورة التطبيع مع نظام الأسد تكمن في إخلاء مسؤولية النظام عن كلّ ما ارتكبه في حقّ الشعب السوري  من مجازر وتهجير واعتقالات. فتلك المُصالحات سمحت للنظام ومناصريه بالترويج لسورية كدولة “آمنة” تتخلّص من الحرب وتستعدّ لعودة اللاجئين إليها، ممّا شكّل قاعدة لدول الجوار يعتمدون عليها عند المطالبة بترحيل اللاجئين السوريين، وقد شهدنا في الآونة الأخيرة اعتقالات جديدة اتسهدفت سوريين عائدين من لبنان لم يلتفت إليها المطبّعون، ولم تحرّض أي دولة على إعادة النظر في مدّ يد المصالحة مع النظام. إذاً، بعد أكثر من عقد من الدمويّة، جاء التطبيع بمثابة تبرئة للأسد ومُطالبة للشعب السوري بنسيان الدم وهذا ما يجعلنا نصر على الرفض.

إضافة إلى أمر آخر يجعلنا نرفض التطبيع، وهو خوفنا من تكرار هذا السيناريو في بلد آخر؛ أن يقف ديكتاتور آخر أمام العالم ناكراً ما ارتكبه بحقّ شعبه، بل وأكثر من ذلك، ففي كلمته في قمة جامعة الدول العربية لم يبدِ رأس النظام السوري أي اهتمام بالشعب، بل اعتبر ما حدث من مقاطعات ومصالحات في السنين الأخيرة أمراً يمسّ بسيادة الدولة دوناً عن سكّانها ومواطنيها، ووصف تدخّل الغرب بالأمر غير المرغوب به، وطالب بترك القضايا الداخلية لشعوبها في حين لا يزال الوجود الروسي في الأراضي السورية قائماً، ولم يُحاسَب على جعل البلد مشاعاً لأي تدخل أجنبي وعلى كونه المسبّب الأوّل لهذه الفوضى.

لم تنجح ثورات الربيع العربي في تحقيق ما نادت لأجله – ولم تكن مطالبة بهذا النجاح- إلّا أن قيمها زُرعت في شعوبها، وإن أردنا الحديث عن الثورة السورية بشكل خاصّ، فإنها نجحت في تحقيق زيادة الوعي السياسي العام، لم يعد الحديث في السياسة “تابو” سواء عند من شارك في الثورة أو من لم يشارك، عند من غادر سوريا أو من بقي فيها. ولكن من باب رؤية الحقائق الواقعية، فأرى أنه علينا الاعتراف بانتهاء ثورة 2011، وإن كان هذا الاعتراف وهذه النهاية خارجين عن رغبتنا إلّا أنه لم يأتِ سوى من الإيمان بأن الثورة شكل من أشكال النضال من أجل التغيير. اعتراف يأتي دون نكران لأحقية وأهلية هذه الثورة التي عززت عند الشعب السوري وخصوصاً الشباب، أهميتها وفاعليتها في التغيير.

هاني عباس – رسام كاريكاتور

أفضل التحدث دائماً على المستوى البسيط من أي فكرة أي أنني أذهب في الفكرة إلى أساسها وأطرح أسئلة بسيطة لأحدد موقفي، ببساطة لم تخرج ثورات الربيع العربي بأوامر أو حتى بتحريض من دول عربية معينة (كما أشاع النظام السوري في بداية الثورة)، بل كانت حراكاً شعبياً ينادي بالتغيير نحو الأفضل وهذه صفة أصيلة في كل كائن حي أن يسعى لتحسين ظروف حياته. 

خلال السنوات الـ12 من عمر الثورة السورية لم تقدم الجامعة العربية الدعم الحقيقي للشعب السوري، ليس لأنها لا ترغب بذلك بل لأنها ببساطة لا تستطيع  التحرك من دون أوامر الغرب، الذي الذي استطاع في النهاية  تجيير كل شيء بمصلحته في المنطقة.

ما أريد قوله هو أن الجامعة العربية لم تكن مؤثرة  في التغييرات الكبيرة التي حصلت في سوريا واكتفت بدور المتفرج، وبالتالي فقبولها بعودة النظام إلى الجامعة نابع من مراقبتها لموازين القوى على الأرض وضغط عمليات تهريب الكبتاغون الذي يرعاها النظام السوري، إضافة إلى موافقة غربية غير معلنة. 

بداية فقدان الأمل في التغيير لم تبدأ الآن، بل بدأت مع أول قصف بالطائرات الحربية مروراً بأول هجوم كيماوي صمت العالم عنه بكل سفالة، بدأ بأول مجزرة، وصولاً إلى دخول روسيا بجيشها وطائراتها وإبادة المدن السورية، إضافة إلى المليشيات الإيرانية الإرهابية التي أوغلت في سفك الدماء، إضافة إلى الاحتلالات التي تملأ مساحة الجغرافية السورية الآن من شرقها إلى غربها ومن شمالها إلى جنوبها. 

في النتيجة لدينا وطن هرب أكثر من نصف سكانه وسكن معظمهم الخيام وفضّلوا تحمل ذلّ اللجوء على أن يعود إلى مناطق النظام، لدينا شعب فقدنا مئات الآلاف منه في المعتقلات وفي المجازر الجماعية وتحت ركام البيوت المقصوفة.

خسر الجميع، لا أحد يستطيع أن يعلن خسارته كما أن أحد اًلا يستطيع إعلان انتصاره.

تُحاسب الثورة على أسبابها وليس على مآلاتها، من يُحاسب على نتائج الثورة برأيي هو من قمعها وقتلها ومن دعمه ومن صمت عن ذلك وأيضاً من ركبها وكان أسوأ من النظام وليس من حاول التغيير بكل صدق وضحى من أجل ذلك.

ما يهمني شخصياً الآن  وفي هذه المرحلة هو حياة من تبقى، حياة أفضل لهم، بخاصة مع الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعصف ببلدان عربية عدة، إضافة إلى الأمل بمحاسبة كل من ارتكب جريمة بحق هذا الشعب. 

"درج"
لبنان
29.06.2023
زمن القراءة: 8 minutes

الهزيمة بالمفهوم النمطي كلمة تتداولها الأنظمة، أما نحن فيمكننا القول: التاريخ لا يختصر بسنوات، والثورات تتعثر وترمم نفسها طالما بقيت إرادة الشعوب حية، هذه ليست نظرة تفاؤلية وإن انطوت على ذلك، تجارب الشعوب ما زالت أمامنا.

نطرح سؤال “هل نعلن هزيمة الربيع العربي؟” في السياق السوري، بعد عودة رأس النظام السوري بشار الأسد إلى الحضن العربيّ، واستخدامه اللاجئين خارج سوريا إلى ورقة للضغط السياسي، تحت شعار “المال مقابل إعادة اللاجئين”.

سؤال يحمل في طياته أكثر من عقد من الثورات ومواجهة الأنظمة الديكتاتورية في المنطقة العربية، بما تبعها من حروب ومعارك ومجازر واعتقالات، لكنه قد يعني أيضاً قبول إعلان نهاية الأحلام. في سوريا قدم نظام الأسد نموذجاً مرعباً عن نظام سياسي سفاحٍ، لم يتوانَ عن قتل أي كبير أو صغير بهدف بقائه، ومع ذلك تمّ تعويمه عربياً حتى عاد الأسد في 19 أيار/ مايو الماضي إلى الجامعة العربية وكأن شيئاً لم يكن! هذه العودة كانت أشبه بقطع خيط الأمل الأخير مع الثورة السورية، فما الذي بقي منها اليوم؟ وهل حان وقت إعلان الهزيمة؟ توجّه “درج” بهذا السؤال إلى مجموعة من المثقفين والفنانين السوريين. هنا إجابات لأربعة نشطاء وفنانين سوريين بحسب الترتيب الأبجدي:

رقية العبادي – صحافية

أعتقد بأن تطبيع بعض الدول العربية مع النظام السوري، والمكاسب التي حققها النظام على المستوى العربي، زادت المشهد تعقيداً ويأساً. لكن علينا أن ننظر إلى الربيع العربي كعملية تاريخية متواصلة، وعلى رغم التحديات التي قد تواجهها، فإن الأمل لا يزال موجوداً في القدرة على المطالبة بالحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية.

بالرغم من ذلك، يجب ألا ننسى أن الربيع العربي يمثل بذرة التغيير والأمل في نفوس كثيرين. لا يمكن لأحد أن ينكر أحد أن هذه الحركات الثورية أسقطت بعض الأنظمة القمعية، وأحدثت تحولاً في الوعي السياسي والاجتماعي للشعوب. ربما فشلت الثورات في تحقيق جميع أهدافها، وقد تعاني اليوم من تدخلات خارجية وصراعات داخلية، لكن الثوار لا يزالون يحملون أحلاماً وطموحاتٍ لمستقبلٍ أفضل.

بقي من الربيع العربي شغف الشباب وعزيمتهم على المضي قدماً نحو تحقيق التغيير والعدالة. بالرغم من التحديات والعقبات التي تواجههم، إلا أن روح الثوار لا تُطفأ وتستمر في إلهامهم. خلال هذه الرحلة المملوءة بالتحديات، تراكمت تجارب وخبراتٌ قيّمة تمكنهم من بناء مستقبلٍ أفضل. ربما الأحلام تأخرت، ولكن التغيير ليس عملاً فردياً بل هو جهدٌ جماعي يتطلب الصمود والتعاون المستمر. على رغم طول الطريق وتعقيداته، الثوار ما زالوا يعملون بجد لتحقيق أهدافهم وبناء مستقبلٍ أفضل للشعوب العربية.

كصحافية ومعارضة للنظام السوري، أنا جزء من الحراك الشعبي في سوريا. أصف نفسي سياسياً بأنني أؤمن بقيم الديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان، سواء قبل عودة النظام السوري إلى الجامعة العربية أو بعدها، أظل واثقة من أن الحراك الشعبي جزءٌ من النضال الشامل لتحقيق الحرية والعدالة في سوريا، تجب محاسبة النظام القمعي على انتهاكه حقوق الإنسان وجرائمه ضد المدنيين، وبالتالي، يُعتبر التطبيع السياسي مع النظام خيانةً للقضية السورية ومعاناة الشعب السوري الذي ناضل من أجل الحرية والكرامة.

إعلان هزيمة الربيع العربي لا يعكس الحقيقة، فأنا أؤمن بأن الربيع العربي ينبع من إيماننا بمواجهة أنظمة عربية مأزومة. برغم التحديات، لا يزال الأمل موجوداً في القدرة على المطالبة بالحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية.

لذا، يجب أن ننظر إلى الربيع العربي كعملية تاريخية مستمرة. برغم التحديات، لا يمكن إلغاء الإنجازات الإيجابية التي تحققت في بعض الدول، فقد شهدت بعض البلدان تغييرات سياسية مهمة وإصلاحات مؤسسية، وزاد الوعي السياسي والمشاركة المدنية في تلك المجتمعات. وعلاوة على ذلك، يحدث التحول والتغيير المستمر في المشهد السياسي، وقد يظهر ربيعٌ جديدٌ في المستقبل.

إننا بحاجة إلى أن نتطلع إلى المستقبل بتفاؤل وثقة، وأن نستمد القوة من روح الثوار وصمودهم. فالتغيير ليس مهمة سهلة، ولكنها ليست مستحيلة. إنها مسؤولية مشتركة تقع على عاتق الشعوب العربية كلها، ويجب أن نواصل النضال من أجل إحداث التغيير الذي نطمح إليه.

في النهاية، الربيع العربي هو رحلة طويلة من التحديات، لكنها أيضاً رحلة للأمل والتغيير من أجل إحلال العدل والديمقراطية والحرية في الوطن العربي. 

 برغم التحديات، لا يزال الأمل موجوداً في القدرة على المطالبة بالحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية.

غطفان غنوم – ممثل ومصور

كثيراً ما تمَّ إعلان موت الربيع العربي منذ انطلاقه في تونس وانتشار عدوى الثورات في بلدان عربية عدة، والمؤشرات على أرض الواقع تثبت للمتابع صحة ذلك، غير أن قراءة أكثر عمقاً لا بد أن تضع أمامنا مآلات أكثر تنوعاً، فالحكم بموت الربيع العربي يعادل القول بأن إرادة الشعوب قد ماتت أيضاً، وهذا ما لا تدعمه نظرية ولا تاريخ. الربيع العربي لم يكن في حال من الأحوال حركة منظمة ومفتعلة كمسيرات التأييد الشعبية المجهزة لدعم حكم ديكتاتوري ما، بل كان تحولاً في الوعي وتجدداً في الروح العربية، وهو بهذا قد حقق تبدلاً جذرياً لا يمكن العودة لما قبله، من غير الطبيعي ألّا يجد ذلك التحول ممانعة وحرباً ضروساً في مواجهته من فلول الأنظمة السابقة أو من متكسبي ما قبل الربيع، وتحت تلك المقاومة ستندرج كل النكسات التي نراها ونسمع عنها، ذلك كله في ظل انعدام الخبرات الثورية وضعف المجتمعات المدنية من جانب الثائرين، واستفحال العنف وحشد الخبرات القديمة وترويج الافتراءات حول حقيقة الربيع العربي من قبل الطرف الآخر. الربيع العربي سيستمر وهذه حتمية تاريخية لا يمكن لأحد إنكارها حتى لو تأخر القطاف، كل ذلك مشروط باكتساب الوعي من التجارب المريرة، والانتباه لضرورة بناء مجتمع مدني مواز وقادر على السير للأمام وفق متطلبات العصر.

لن ننكر أن عودة النظام السوري إلى الجامعة العربية كان مخيباً، وعلى مستويات عدة، عربية ووطنية، غير أن ذلك لم يشكل أي فارق بالنسبة إلي على الصعيد الحيوي الشخصي. ما زلت أجد القوة اللازمة كي أرفض وأصرخ وأعمل بحرية، وهذا هو الأهم حالياً.

الهزيمة بالمفهوم النمطي كلمة تتداولها الأنظمة، أما نحن فيمكننا القول: التاريخ لا يختصر بسنوات، والثورات تتعثر وترمم نفسها طالما بقيت إرادة الشعوب حية، هذه ليست نظرة تفاؤلية وإن انطوت على ذلك، تجارب الشعوب ما زالت أمامنا.

مايا محمد الجرف – كاتبة وصحافية

جاء الحديث عن إعادة العلاقات والتطبيع مع نظام الأسد مُرافقاً للذكرى العاشرة للثورة، وتكرّس بعودة سورية لجامعة الدول العربية، ما شكّل خيبة أمل كبيرة للمعارضة السورية التي رفضت أن تعتبر هذه الخطوة بمثابة إعلان لهزيمة الثورة، وشنّ أفرادٌ حملات على مواقع التواصل الاجتماعي تُدين فيها عودة سورية إلى “حضن” جامعة الدول العربية، وترفض إعادة العلاقات لا سيما فيما يتعلّق بقطاعي الاقتصاد والسياحة. وهُنا يجب علينا أن نسأل؛ ماذا بقي لنا من الثورة السورية؟ ولماذا نرفض الاعتراف بهزيمتها؟

لم تكن عودة النظام السوري إلى جامعة الدول العربية مُفاجئة بعد سلسلة المُصالحات التي حدثت في العامين السابقين، ولكن مع ذلك انكسر لنا حلم أخير في وقوف بعض الدول العربية في صفّ الثورة السورية، أو حتّى في صفّ أي ثورة يمكن أن تقومَ لاحقاً، فخطورة التطبيع مع نظام الأسد تكمن في إخلاء مسؤولية النظام عن كلّ ما ارتكبه في حقّ الشعب السوري  من مجازر وتهجير واعتقالات. فتلك المُصالحات سمحت للنظام ومناصريه بالترويج لسورية كدولة “آمنة” تتخلّص من الحرب وتستعدّ لعودة اللاجئين إليها، ممّا شكّل قاعدة لدول الجوار يعتمدون عليها عند المطالبة بترحيل اللاجئين السوريين، وقد شهدنا في الآونة الأخيرة اعتقالات جديدة اتسهدفت سوريين عائدين من لبنان لم يلتفت إليها المطبّعون، ولم تحرّض أي دولة على إعادة النظر في مدّ يد المصالحة مع النظام. إذاً، بعد أكثر من عقد من الدمويّة، جاء التطبيع بمثابة تبرئة للأسد ومُطالبة للشعب السوري بنسيان الدم وهذا ما يجعلنا نصر على الرفض.

إضافة إلى أمر آخر يجعلنا نرفض التطبيع، وهو خوفنا من تكرار هذا السيناريو في بلد آخر؛ أن يقف ديكتاتور آخر أمام العالم ناكراً ما ارتكبه بحقّ شعبه، بل وأكثر من ذلك، ففي كلمته في قمة جامعة الدول العربية لم يبدِ رأس النظام السوري أي اهتمام بالشعب، بل اعتبر ما حدث من مقاطعات ومصالحات في السنين الأخيرة أمراً يمسّ بسيادة الدولة دوناً عن سكّانها ومواطنيها، ووصف تدخّل الغرب بالأمر غير المرغوب به، وطالب بترك القضايا الداخلية لشعوبها في حين لا يزال الوجود الروسي في الأراضي السورية قائماً، ولم يُحاسَب على جعل البلد مشاعاً لأي تدخل أجنبي وعلى كونه المسبّب الأوّل لهذه الفوضى.

لم تنجح ثورات الربيع العربي في تحقيق ما نادت لأجله – ولم تكن مطالبة بهذا النجاح- إلّا أن قيمها زُرعت في شعوبها، وإن أردنا الحديث عن الثورة السورية بشكل خاصّ، فإنها نجحت في تحقيق زيادة الوعي السياسي العام، لم يعد الحديث في السياسة “تابو” سواء عند من شارك في الثورة أو من لم يشارك، عند من غادر سوريا أو من بقي فيها. ولكن من باب رؤية الحقائق الواقعية، فأرى أنه علينا الاعتراف بانتهاء ثورة 2011، وإن كان هذا الاعتراف وهذه النهاية خارجين عن رغبتنا إلّا أنه لم يأتِ سوى من الإيمان بأن الثورة شكل من أشكال النضال من أجل التغيير. اعتراف يأتي دون نكران لأحقية وأهلية هذه الثورة التي عززت عند الشعب السوري وخصوصاً الشباب، أهميتها وفاعليتها في التغيير.

هاني عباس – رسام كاريكاتور

أفضل التحدث دائماً على المستوى البسيط من أي فكرة أي أنني أذهب في الفكرة إلى أساسها وأطرح أسئلة بسيطة لأحدد موقفي، ببساطة لم تخرج ثورات الربيع العربي بأوامر أو حتى بتحريض من دول عربية معينة (كما أشاع النظام السوري في بداية الثورة)، بل كانت حراكاً شعبياً ينادي بالتغيير نحو الأفضل وهذه صفة أصيلة في كل كائن حي أن يسعى لتحسين ظروف حياته. 

خلال السنوات الـ12 من عمر الثورة السورية لم تقدم الجامعة العربية الدعم الحقيقي للشعب السوري، ليس لأنها لا ترغب بذلك بل لأنها ببساطة لا تستطيع  التحرك من دون أوامر الغرب، الذي الذي استطاع في النهاية  تجيير كل شيء بمصلحته في المنطقة.

ما أريد قوله هو أن الجامعة العربية لم تكن مؤثرة  في التغييرات الكبيرة التي حصلت في سوريا واكتفت بدور المتفرج، وبالتالي فقبولها بعودة النظام إلى الجامعة نابع من مراقبتها لموازين القوى على الأرض وضغط عمليات تهريب الكبتاغون الذي يرعاها النظام السوري، إضافة إلى موافقة غربية غير معلنة. 

بداية فقدان الأمل في التغيير لم تبدأ الآن، بل بدأت مع أول قصف بالطائرات الحربية مروراً بأول هجوم كيماوي صمت العالم عنه بكل سفالة، بدأ بأول مجزرة، وصولاً إلى دخول روسيا بجيشها وطائراتها وإبادة المدن السورية، إضافة إلى المليشيات الإيرانية الإرهابية التي أوغلت في سفك الدماء، إضافة إلى الاحتلالات التي تملأ مساحة الجغرافية السورية الآن من شرقها إلى غربها ومن شمالها إلى جنوبها. 

في النتيجة لدينا وطن هرب أكثر من نصف سكانه وسكن معظمهم الخيام وفضّلوا تحمل ذلّ اللجوء على أن يعود إلى مناطق النظام، لدينا شعب فقدنا مئات الآلاف منه في المعتقلات وفي المجازر الجماعية وتحت ركام البيوت المقصوفة.

خسر الجميع، لا أحد يستطيع أن يعلن خسارته كما أن أحد اًلا يستطيع إعلان انتصاره.

تُحاسب الثورة على أسبابها وليس على مآلاتها، من يُحاسب على نتائج الثورة برأيي هو من قمعها وقتلها ومن دعمه ومن صمت عن ذلك وأيضاً من ركبها وكان أسوأ من النظام وليس من حاول التغيير بكل صدق وضحى من أجل ذلك.

ما يهمني شخصياً الآن  وفي هذه المرحلة هو حياة من تبقى، حياة أفضل لهم، بخاصة مع الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعصف ببلدان عربية عدة، إضافة إلى الأمل بمحاسبة كل من ارتكب جريمة بحق هذا الشعب. 

"درج"
لبنان
29.06.2023
زمن القراءة: 8 minutes

اشترك بنشرتنا البريدية