fbpx

وباء ارتفاع الأسعار في مصر: العمالة اليومية تدفع الثمن

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

تشهد مصر موجة مستمرة ومتزايدة من ارتفاع الأسعار مع استمرار تدهور قيمة سعر صرف الجنيه وهي  تتغير يومياً، لتأتي الفئة التي تعمل تحت خانة وظائف غير ثابتة، أو يطلق عليهم العمالة غير المنتظمة، لتكون الأكثر تضررا من تلك الأزمة.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

في المطبخ تقف يمنى أمام المشتريات التي طلبتها بالهاتف من السوبر ماركت، ووصل ثمنها لـ450 جنيها “فضلت ساعة بحاول أدور على الغلط في الفاتورة، ما هو مش ممكن أكيد في حاجة غلط”، طلبت يمنى كيسا من العدس الأصفر ولبناً وكريمة طهي وقالبا من الزبدة وخبزاً مع كيس من الشعيرية، لإعداد طبق شوربة عدس، لتكتشف أن المبلغ تضاعف عن الأسبوع الماضي “نفس الحاجات دي من نفس السوبر ماركت كانت قيمتها النص بالضبط من أسبوع”.

تضيف يمنى “في النهاية دي شوربة عدس، يعني لا لحمة ولا فراخ، وجبة كده بنعملها لما نكون مكسلين نطبخ أو مش معانا فلوس أخر الشهر”، لكن تكاليف تلك الوجبة البسيطة الخالية من البروتين الحيواني، دفعت يمنى للاتصال بالشخص المسؤول عن تنظيف السلم، وطلبت منه عدم الحضور لأنها ستتولى الأمر بنفسها “الشخص اللي بينضف السلم كان بيجي مرتين في الأسبوع وبياخد 200 جنيه، بس فعلا حاليا المبلغ ده بقى صعب وكتير عليا، ولو هقارن بين نضافة السلم أو الأكل هختار الأكل”.

بالرغم أنه ليس من السهل أن تتولى يمنى الأمر، وتقوم بتنظيف السلم بمفردها، لما سيكلفها من وقت وجهد، إلا أنه كان البديل لمواجهة أزمة أثرت على كل القطاعات، بما فيها قطاع العمالة غير المنتظمة، وأيضا العمالة المنتظمة التي لا تحصل على زيادات بالراتب تتناسب مع الزيادات اليومية للأسعار.

أما مريم فهي تستيقظ في التاسعة صباحا، تستعد لتعقيم أدوات التجميل من مقصّ ومبرد للأظافر، حتى تلحق بالميعاد المحدد، ولكن قبل الموعد المحدد بدقائق، تتلقى اتصالا هاتفيا “أسفة مش هينفع تيجى النهاردة”.

مريم عيد، تبلغ من العمر 38 عاما، لا تملك مركز تجميل خاص بها، لكنها تعمل لحسابها الخاص، بعد تدربها على المهنة التي أحبتها منذ الصغر، فأصبحت معروفة لدى سيدات، يحجزن معها المواعيد، تقوم بجلسات التجميل في المنزل، مثل تنظيف البشرة أو فرد الشعر أو “البادكير والمناكير”، وغيرها، ليصبح الأمر بمثابة دخلها الأساسي، الذي يساهم في مصاريف المنزل بجانب عمل زوجها كفرد أمن بأحد الشركات.

تقول مريم في حديثها لـ”درج”، إنها كانت تتمكن من الحصول على ما يقرب من 3 لـ4 آلاف جنيهات شهريا “ده كان بيساعد مع دخل جوزي اللي مش بيزيد عن 3 آلاف جنيه، وبيساعد في مصاريف الإيجار والأكل والشرب والمدارس لطفلين”، لكن هذا الأمر بدأ يتأثر مؤخرا بسبب غلاء الأسعار المستمر، وتراجع قيمة صرف الجنيه بحيث لم يعد مجمل ما تجنيه مريم يتجاوز ما يعادل الـ١٥٠ دولاراً.

تضيف مريم “ده تالت ميعاد حجز يتكنسل في أقل من أسبوع، وكل ست بتقول هتكلمني بكرة أو تشوف ميعاد تاني بس مش بيحصل، وكمان فرص إني أدور على شغل في محل مش سهلة، لأن كتير من أصحابي اللي شغالين في محلات يا مرتباتهم قلت، يا أصحاب المحلات بتمشي منهم ناس علشان برضه مفيش فلوس”.

تشهد مصر موجة مستمرة ومتزايدة من ارتفاع الأسعار مع استمرار تدهور قيمة سعر صرف الجنيه وهي  تتغير يومياً، لتأتي الفئة التي تعمل تحت خانة وظائف غير ثابتة، أو يطلق عليهم العمالة غير المنتظمة، لتكون الأكثر تضررا من تلك الأزمة، فيتجه قطاع كبير من المصريين للتخلي عن خدمات تقدمها تلك الفئة من العمالة، كنوع من أنواع توفير النفقات، وهو ما حدث مع مريم وآخرين.

ويأتي ارتفاع الأسعار بنسبة وصلت لما يقرب من 50% وأكثر، خلال الأشهر القليلة الماضية، ووصل متوسط سعر كيلو الدواجن في الأسواق إلى 112.13 جنيه، بزيادة حوالي 60 جنيها قبل 6 شهور مضت، ووصل متوسط سعر كيلو اللحم 400 جنيها بزيادة تصل للضعف أيضا عن الأشهر السابقة.

تلك الأزمة، جعلت وجوها إعلامية كثيرة محسوبة على النظام ومعروفة بالموالاة له، الحديث  والمطالبة بوضع ضوابط لارتفاع الأسعار، فكما قال الإعلامي عمرو أديب ببرنامجه “الحكاية”، المذاع على شاشة “إم بي سي مصر”، إنه لا يمر أسبوع من دون أن تحدث ارتفاعات في الأسعار، متابعا “ارحموا من في الأرض يرحمكم من السماء.. كل ده بيحصل قبل رمضان”.

“في النهاية دي شوربة عدس، يعني لا لحمة ولا فراخ، وجبة كده بنعملها لما نكون مكسلين نطبخ أو مش معانا فلوس أخر الشهر”

لم يختلف حال أزهار السيد كثيرا عن مريم، والتي تعمل كمساعدة في تنظيف المنازل “بشتغل 5 أيام في الأسبوع كل يوم في بيت معين بجدول، وباخد في اليوم 30 جنيه، بس الأسبوع ده 3 من البيوت اللي بشتغل معاهم بقالي سنين طلبوا مروحش غير لما يتصلوا بيا، ومفيش دخل ليا تاني غير الشغل ده”.

أزهار لا يوجد لديها دخل سوى عملها اليومي بعد وفاة زوجها، والذي تتمكن خلاله من تدبير نفقات المنزل وأبنائها الثلاثة “في واحد من عيالي متجوز ومخلف ومش بيشتغل وقاعد معايا في البيت هو كمان، وفلوس الشغل دي كانت بتصرف عليا وعليه وعلى الولدين التانين، ولو في حد لغى الشغل في يوم فعلا بتبقى أزمة وبتأثر عليا”.

تأتي تلك الأزمة، مع إعلان الحكومة عن السعي لإيجاد حلول وأن هذا السعي لا يتم الترويج له دوما في وسائل الإعلام بحسب مسؤولين فيها، والتي كان آخرها الإعلان عن حزمة إجراءات اجتماعية، تهدف إلى دعم المواطن المصري ومساندته في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة، وفقا لتصريحات إعلامية، ومن بينها رفع الحد الأدنى للأجور بنسبة 50% ليصل إلى 6 آلاف جنيه شهريًا، و50% زيادة الرواتب للموظفين بجانب زيادة المعاشات بنسبة 15%.

على الرغم أن تلك الإجراءات يتم الترويج لها على أنها تأتي لمواجهة الأعباء الاقتصادية على المواطنين، ولكنها على أرض الواقع لا تمثل مريم وأزهار وغيرهم، لأنها قرارات لن يتم تطبيقها إلا على العاملين في القطاع العام فقط، في مقابل 2.8 مليون عامل ضمن العمالة غير المنتظمة في مصر، وأيضا 12.6 مليون عامل بالقطاع الخاص.

وباء الغلاء

الأزمة تأتي بوجهين، الأول تأثيره على الفئات صاحبة الدخل اليومي، مثل مريم وأزهار، أما الوجة الثاني فهو تأثيره على الأسر التي تقرر التخلي عن تلك الخدمات، والبحث عن بدائل، لتوفير الأموال أو تقليل النفقات، والتخلي عن أمور أصبحت رفاهية في مقابل أساسيات لا يمكن الاستغناء عنها.

تتذكر أزهار ومريم أيام سابقة مشابهة للوضع الحالي، فمع انتشار فيروس كورونا، عانت العمالة غير المنتظمة أيضا، ليس بسبب الغلاء حينها، ولكن بسبب الخوف من الوباء، الذي جعل أسراً عديدة تتخلى عن المساعدة في تنظيف المنازل، أو الحصول على خدمات التجميل، في محاول لمنع وتقليل الاختلاط بالآخرين كإجراءات احترازية.

كانت بعثة صندوق النقد الدولي قد أعلنت في أوائل الشهر الجاري إنهاء مناقشات مع الحكومة المصرية لبرنامج الإصلاح الاقتصادي الذي يدعمه الصندوق بالبلاد، ولكن تم ذلك مع عدم الإفصاح عما تم الاتفاق عليه بين الطرفين، واكتفت البعثة بالقول إنها حققت تقدما وصفته بالممتاز في المناقشات حول حزمة السياسات الشاملة اللازمة للتوصل إلى اتفاق على مستوى الخبراء، وأوضحت أن السلطات المصرية أعربت عن التزامها القوي بالتحرك الفوري بشأن جميع الجوانب المهمة لبرنامج الإصلاح الاقتصادي.

وعقب تلك المناقشات، أعلنت الدولة رفع الحد الأدني للأجور، ووفقا لخبراء ومحللين، فتكلف تلك القرارات موازنة الدولة ا يقرب من 180 مليار جنيه، وهي ما اعتبروها قرارات غير مسبوقة في نسب الزيادات التي أضيفت للأجور والمعاشات وبرامج الحماية، مما دفع البعض للتوقع أن تلك القرارات ربما تكون تمهيدا للتعويم الكامل للجنيه الذي يصر عليه صندوق النقد للوصول للسعر الحقيقي للصرف أمام الدولار.

ومع استمرار أزمة ارتفاع الأسعار، وانخفاض سعر الجنيه أمام الدولار، والتوقعات بالتعويم الكامل الذي سيحمل معه المزيد من الغلاء وعدم الانضباط بالأسعار، لا تزال مريم تتلقى اتصالات من سيدات لإلغاء الحجز، وهو ما يتكرر مع أزهار التي تعتذر لها الأسر التي تعمل معها منذ سنوات، بينما تبحث يمنى عن حلول جديدة لتخفيض النفقات، والتركيز على الأساسيات فقط.