fbpx

“كتاب الوصايا”… كلمات الضحايا في غزّة لا تطمح إلى الشعر

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

“كتاب الوصايا”، الصادر عن دار مرفأ في بيروت، يحمل عنواناً فرعياً “شهادات مبدعات ومبدعين من غزّة في مواجهة الموت”. يراهن الكتاب على مسافة تفترضها الوصيّة، هي هنيهة لصبّ ما تبقى من حياة على ورق، والتطلع نحو المستقبل أبعد من الموت الحاضر آناً ولحظاً.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

ما الذي يمكن أن يُكتب لحظة المقتلة؟ السؤال المتكرر دوماً لا إجابة له، سواء كنا نتحدث عن الصنعة أو الأسلوب أو حتى المضمون. عالم السحر أنجدنا وهماً بتعويذات، تكوينات لغويّة قادرة على فك الكرب وشفاء الأبرص وغيرهما من الشؤون الفرديّة، لكن لا جملة أو نص أو كتاب ذو قدرة سحريّة أو سياسيّة على الوقوف بوجه دبابة، أو تعطيل ذكاء اصطناعيّ، يولّد آلاف “الأهداف” لقصفها في غزّة.

نعلم “كلّنا” أن الكلمة، وإن ادّعى البعض العكس، لا يُمكن أن توقف مذبحة حين تنطقها/ تكتبها ضحيّة، لتبقى المسافة بين النصّ والضحية هي محطّ التحديق، هل نقرأ يوميات من يموت أو من يسجل لحظات موته؟ ضمن هذه المسافة  هناك الوصيّة، النص الأخير قبل الموت، هي وعد بحياة ما لن يختبرها “الكاتب”، بل سلالته إن لم تُفنَ، هي نداء موجه إلينا  نحن القرّاء، المُستريحين في أرائكنا نقرأ عن أولئك الذين ماتوا (أو على وشك الموت) وأمنياتهم. 

في لحظة الموت العموميّ والمُشاع أمام أعين “الجميع”، الكتابة آخر طقس حميمي في ظل انهيار الجدران والأرض والسماء واللحم الهشّ الذي لا يرد رصاصة، هي آخر مساحة لـ”الأنا” قبل أن تفقد البدن الذي يحتويها، الوصية إذاً شهادة على النهاية وربما الخيبة، قيمتها من لحظة إدراك الموت، والمسافة المأخوذة منه، هي لحظة السكينة للكتابة على مسافة من الموت القريب.

الوصية علامة على أن الموت قادم لا محالة، لكن ماذا لو كان مشروع الميت يعلم من قتله، ذاك الذي يردد يومياً أنه سيبيده، فهل تبقى الوصية على حالها؟

غواية الشهادة أمام الحصار

انتشرت منذ بداية الحرب على غزة، إثر هجمات 7 تشرين الأول/ أكتوبر، كتب كثيرة تحوي نصوصاً من الحصار ومن الموت، وتنشر الشهادات بصورة يوميّة يخطّها أولئك الذين ينتقلون من احتمالات موت إلى احتمالات موت أخرى، حملت اسم يوميات، مذكرات، شهادات، كلها تتناول “الآن” وما يحصل، لتحول مشروع الميت إلى صحافيّ أو شاهد يلتقط الكلمات وما تبقى منها ليغذي ماكينة المأساة.

 صحيح  أن الشهادات تُحيي صوت الغزيّ وتذكّر باسمه، لكنها حذلقة لاجتناب العجز الذي نختبره جميعاً، وهو غياب الصحافيين ومنعهم من دخول قطاع غزّة، والاعتماد على من تبقى “داخلاً” كي يكتب ما يراه لا بوصفه على مسافة منه ومن ذاته، بل كجزء من المقتلة التي لا تستثني من يكتب/ يسجّل، لا مسافة إذاً للكتابة للمستقبل، الآن هو ما يهمّ “العالم”.

الاختلاف عما سبق نتلمسه في “كتاب الوصايا”، الصادر عن دار مرفأ في بيروت، والذي يحمل عنواناً فرعياً “شهادات مبدعات ومبدعين من غزّة في مواجهة الموت”،  إذ هناك مسافة ما تفترضها الوصيّة، هنيهة لصبّ ما تبقى من حياة على ورق، والتطلع نحو المستقبل أبعد من الموت الحاضر آناً ولحظاً.

هذا “المستقبل”  نلاحظه منذ العنوان، وعتبات بعض النصوص، نحن أمام وصيّة، نص أخير ربما لحين عموم المقتلة، ولا نوع محدد يضبط هذه النصوص، شعراً كانت أو نثراً، هي وصيّة، نص ملتصق بصاحبه المدرك موته لحظة ما، والمسافة بينهما.

 المرعب في الكتاب أننا نقرأ نصوصاً لمن رحلوا كرفعت العريري ( إذا كان الموت لزاماً علي) وآخرين على وشك الرحيل، الموت في غزّة لا يعرف عمراً، إذ نقرأ “وصيّةً” للطفلة ميار الجزار ذات الـ12 عاماً، الوصية هنا بمواجهة القتل المتعمد، لا سرّ لفضحِه أمام فحش القتل في هذه الحالة سوى المُخيّلة والأمنيات.

الكتاب فكرة وتحرير الكاتبة والمترجمة الفلسطينيّة ريم غنايم، والتي لم تقدّم للكتاب، بل يظهر اسمها على الغلاف والهوامش، إذ ما الذي يمكن أن يكتبه من يشاهد مقتلة أبناء جلدته؟ تتخلل النصوص لوحات الفنانة التشكيلية الفلسطينيّة هبّة زقّوت، التي قُتلت مع أطفالها على يد القصف الإسرائيلي، والكتاب مهدى إلى روحها.

 قدّم للكتاب بدايةً الروائي الأرجنتيني ألبيرتو مانغويل، الذي عنون مقدمته بـ”بيان ضد الموت”، مناقشاً سؤال “ما الذي يجعلنا بشراً”، مؤكداً أن “وحدهم الضحايا يمتلكون القدرة على نقل الظروف التي يعيشونها إلى من يشهدون هذه المأساة”، لكن، “تُخفق اللغة” حين تكون على لسان المتألّمين، ليختم قائلاً أن لهذه الوصايا هدفاً واحداً، هو علامة للتاريخ مفادها: “نحن هنا”.

المقدمة الثانية كتبتها الفيلسوفة الأميركيّة جوديث باتلر، التي وقعت على رسالة مفتوحة إلى الرئيس الأميركي جو بايدن، تدعو إلى وقف الحرب على غزة. تشير باتلر بوضوح في مقدمتها، إلى أن هذه”الوثائق” تكشف “الدمار الهائل الذي حلّ بحياة الفلسطينيين ومنازلهم على يد القوات الإسرائيليّة”، فهذه الوصايا “نداء” لنا نحن الأحياء لنطرح على أنفسنا سؤال:”هل قاومنا ما أسميناه بـ الإبادة الجماعيّة”.

اغتيال الكاتب !

هل يمكن أن نأخذ مسافة نقديّة من هذه النصوص/ الوصايا، كيف نحاكم الكلمات الأخيرة لمن يدرك أنه راحل عن عالمنا، أي أداة يمكن توظيفها لقراءة حلم يسري الغول الذي يريد أن يكون عملاقاً يقضي على الدبابات، تلك التي حسب قوله “قنصت ابن خالتي ودمرت بيت أخي “، هل نقارنه بالعملاق بانتاغرويل الذي يبتلع السحاب إن عطش؟ أو بواحد من الأبطال المعاصرين الذين يشير إليهم؟

الكاتبة هناء أحمد تقول ما تتمناه ببساطة في نصها “أريد أن أنجو”، الذي يفضح عنوانه محتواه، لكن كيف نحاكم “نقدياً” من تكتب :”أحب الحياة، وكتابة وصيتي تعصر قلبي وجعاً، أريد ألا أضطر لفعل هذا، ألّا يكون الموت قريباً الى هذا الحد، لست مستعدة للموت”.

لا فائدة من مساءلة النصوص المكتوبة نقدياً، فكيف أجرؤ على أن أكتب من منطلق موت المؤلف مثلاً، وأنا أعلم أنه يُقتل، وأقارن المجازات والتقنيات والإحالات؟ أو هل أستدعي الحداد ولغته؟ لكن المقتلة لم تنته، لا وقت حتى للحداد، والجثث تُدفن تحت أسوار المدارس في غزّة،  وبعضها تُرك تحت الركام.

ليان أسامة أبو القمصان تفتح وصيتها التي تحمل عنوان “لا أمل لنا بالنجاة” بعبارة “أعلم تمام العلم أننا خلقنا لنموت، أن كل مصائرنا تنتهي إلى مكان واحد وهو التراب، لكن أبي يحاول دوماً إقناعي بعكس ذلك…”، لكن من تقصد بدقة، نحن المرتاحين المتيقنين أن الموت بعيد؟ أم سكان غزّة الذين يحصون الآن موتاهم في الطريق نحو تهجير جديد وربما أخير قبل الموت الكليّ في رفح؟

هناك صلة وطيدة بين نص الوصية وصاحبها، تخون الكلمات دوماً في هذه الحالة، معجمي الخاص عن الموت لا يتطابق مع معجم الكاتبة نعمة حسن مثلاً، التي تكتب عن السفر وحلمها به. أتعاطف، لكن يعجز الجسم المرتاح عن إدراك التجربة الجسديّة لمن يهدده الفولاذ والنار، أي أعجز أن أكون مكانها ولا أن أتخيّل ذلك.

الأبدان في ظل الخوف والقصف لا تحيط بها اللغة التي تبدو هزيلة، يقول مانغويل في مقدمته إن “اللغة أداة ضعيفة…. فنحاول استحضار الرعب الذي نشهده عن طريق ما يشبه تعويذة السحرة، حيوية بعض الشيء، تحذيرية إلى حد ما”، وهنا يتضح معنى جملة نعمة حسن التي تتخيل “مونديال في غزة تشارك فيه كل الأقدام المبتورة، فهي الوحيدة التي تعرف خريطة البلاد”.

كريم شفيق - صحفي مصري | 29.03.2024

محمد جواد ظريف… حبال السلطة الصوتية في إيران بين المنع والتسريب!

ظريف، وبحسب التسريب الأخير، قام بعدّة أدوار وظيفية، ربما جعلته يتفادى هجوم الأصوليين، وجاهزيتهم للعنف والاتهامات سواء كانت بـ"الخيانة" أو "العمالة" أو "الجهل".