fbpx

محمد جواد ظريف… حبال السلطة الصوتية في إيران بين المنع والتسريب!

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

ظريف، وبحسب التسريب الأخير، قام بعدّة أدوار وظيفية، ربما جعلته يتفادى هجوم الأصوليين، وجاهزيتهم للعنف والاتهامات سواء كانت بـ”الخيانة” أو “العمالة” أو “الجهل”. 

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

التسريب الصوتي لوزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، في جامعة طهران التي يُدرّس فيها منذ عام 2021 تقريباً بعد مغادرة منصبه، يشير إلى إدارة سياسية غامضة وخفيّة لملء المجال العام، خاصة في أعقاب الاستحقاقات السياسية والانتخابية.

هذا الجدل في المجال العام يتضح عبر تشويش من هذا النوع، للتعميّة عن الأزمات، وتحقيق نتائج أخرى، مثل تعويم بعض الشخصيات أو حرقها.

المقاربة المباشرة والملحّة بخصوص تسريب جواد ظريف، هي استدّعاء ثنائية الصراع التقليدي بين الإصلاحيين والتيار الأصولي الراديكالي المقرب من الحرس الثوري والمرشد الإيراني.

يلمّح الوزير السابق في التسجيل الذي يعود إلى عام 2021، إلى هيمنة “الحرس” أو بالأحرى توغله في السياسة الخارجية، للحدّ الذي أضحت فيه الديبلوماسية الإيرانية مجرد مجال لتحقيق مصالح ورؤية قائد فيلق القدس السابق، قاسم سليماني. 

الاعتبارات الميدانية بفعل عسكرة السياسة الخارجية، كانت لها الأولوية القصوى على الجوانب التفاوضية الديبلوماسية، كما أشار ظريف والذي أشار في تسريبه بوضوح إلى أنّ الكتل الصلبة العسكريتارية هي التي تتولى إدارة الحكم، وأيّ أطراف وقوى أخرى إنّما هي لتقوية، وتمكين نفوذ القوى الأولى المتسيدة، محلياً وخارجياً. 

توقيت التسريب

تسريب وزير الخارجية الإيراني السابق الذي ظهر في المرة الأولى، وسط تعقيدات تتصل بمفاوضات فيينا لإعادة إحياء الاتفاق النووي، يختلف عن السياق الدلالي الجديد المتزامن مع انتخابات شهدت أدنى مشاركة، وحراك سياسي يضم قوى عديدة يكاد يطوق النظام. فضلاً عن الموقف المتباين من أزمة غزة وموقع إيران من تلك الحرب. بخلاف المرة الأولى، لم تنفتح شهية التيار الأصولي ومنصاتهم الإعلامية، كما هي العادة، لمهاجمة ظريف واتهامه بـ”الخيانة”. 

وصف الناشط الإعلامي المحسوب على التيار الأصولي، هاتف صالحي، عبر حسابه الرسمي على (إكس) موقف ظريف من الأصوليين بـ”الحكمة” و”العقلانية” في “انتقاد مسار الإصلاحات”، بل إنّها كلمة “جديرة بالثناء”.

اعتبرت صحيفة كيهان، التي يقوم بتعيين رئيس تحريرها المرشد الإيراني، ما جاء في التسريب الصوتي “اعترافات”، بينّما “تحمل نقاط مهمة ومثيرة بشأن تيار (ظريف) السياسي”.

 محمد علي أبطحي المحسوب على التيار الإصلاحي ونائب محمد خاتمي رفض ما نسب لظريف في الملف الصوتي. وقال إنّ الرئيس السابق محمد خاتمي كان “يعارض تغيير الدستور كليّاً”.

علي أفشاري، الذي كان أحد قادة الحركة الطلابية في فترة التسعينات، المقيم حاليًّا في الولايات المتحدة، وصف وزير الخارجية الإيراني السابق بـ”المخادع”. وذكر على منصة إكس/ تويتر أنّ الزعم بسعي الإصلاحيين إلى عزل المرشد الإيراني في نهاية التسعينات هي ضمن “نظرية مؤامرة” روّج لها الحرس الثوري لقمع موجة الاحتجاجات حينها.

المقاربة المباشرة والملحّة بخصوص تسريب جواد ظريف، هي استدّعاء ثنائية الصراع التقليدي بين الإصلاحيين والتيار الأصولي الراديكالي المقرب من الحرس الثوري والمرشد الإيراني.

“هندسة الانتخابات”

ظريف، وبحسب التسريب الأخير، قام بعدّة أدوار وظيفية، ربما جعلته يتفادى هجوم الأصوليين، وجاهزيتهم للعنف والاتهامات سواء كانت بـ”الخيانة” أو “العمالة” أو “الجهل”. 

عرج ظريف على الغضب المجتمعي المكتوم بشأن الانتخابات، واتهم رئيس مخابرات الحرس الثوري السابق حسين طائب، وقائد الحرس الثوري السابق محمد علي جعفري، بأنّهما السبب في كل نتائج وملابسات الانتخابات البرلمانية. ووصف فوز نائبين عن طهران، هما محمود نبويان وحميد رسايي، بأنّه “مصدر عار” للعاصمة. وقد اتهمهما بـ”الفاسدين” و”الكاذبين”. 

قال ظريف بوضوح إن الدور المركزي لهندسة تلك الانتخابات و”إعداد القوائم الانتخابية”، اضطلع بهما القياديون بالحرس الثوري حسين طائب، وكذا محمد علي وجعفري. وصرح بأنّ غالبية قطاعات وقوى المجتمع قامت بالمقاطعة، موضحاً أنّه “لو شارك عشرة ملايين شخص بالانتخابات في طهران، لما وصل محمود نبويان ومحمد باقر قاليباف، إلى البرلمان”. 

في المقابل شن ظريف هجوماً بدا متعمداً ولافتاً ضد التيار الإصلاحي المحسوب عليه، واتهمهم بالتآمر نهاية التسعينات لـ”إقالة المرشد”. وقال إنّه “بعد الفوز في انتخابات البرلمان السادس عام 2000، اتجه التيار الإصلاحي نحو تغيير الدستور”. وقد دافع عن موقف المرشد الإيراني وسياساته العدائية بحق الإصلاحيين، والتي قادت حتماً، إلى تهميشهم ونبذهم حتى عزلهم وتقويض مشاركتهم في الحكم. فقال بشكل موجز ومقتضب على طريقة الأحكام النهائية “عندما تهدد وجود شخص ما، فإنّه سيهدد وجودك”.

لم يكتف ظريف بهذا الاستعراض التاريخي، والانعطافة نحو هذا الحدث الذي شكل تحولاً لدى المرشد الإيراني، وقد زلزلت تظاهرات الحركة الطلابية على مدار ستة أيام الأرض من تحت أقدامه، ثم كانت سبباً في “عسكرة” النظام باعتبار الخيار الاستراتيجي لتأمين الحكم، وسلطة “الولي الفقيه”، فضلاً عن تبعات ذلك التي امتدت لتصفية الحركة الطلابية على يد حسن روحاني، وقتذاك، بصفته الأمين المؤسّس للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، بل إنّه اتهم الإصلاحيين كونهم أكثر الفئات التي تميل بشكل حاد إلى “احتكار” السلطة على نحو لا يقارن بـ”التيار اليميني”، في إشارة إلى القوى الأصولية والمحافظة التقليدية.

وتابع “خلال مظاهرات 1999 قالوا عبر اللاسلكي توجهوا نحو شارع أذربيجان (في إشارة لموقع سكن بيت المرشد علي خامنئي)”.

عرج ظريف على نقاش مع محمد خاتمي بما يشير إلى التباين والانقسام داخل التيار الإصلاحي الذي وصل حدّ تراشق الاتهامات. فقال ظريف “قلت لمحمد خاتمي ذات مرة، أصدقاؤك كانوا ضدنا ويصفوننا بالليبراليين. وبعد أن أصبحوا أكثر ليبرالية منا، فإنهم ما زالوا ضدنا. ماذا دهاهم؟”.

الحرس الثوري بمواجهة الإصلاحيين؟

إذًا، جاءت التسريب بعد نتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة التي هيمّن فيها الجناح الأكثر تشدداً على البرلمان، وذلك بعدما نجح النظام في “هندسة المنافسة” لتكون بين العناصر الموالية له، حسبما يوضح الباحث المختّص في الشأن الإيراني، الدكتور محمود حمدي أبو القاسم، الذي يقول لـ”درج” أنّ غالبية التيار الإصلاحي قاطع الانتخابات. فيما لم ينجح من خاض منهم المنافسة في الحصول على أي تّمثيل في البرلمان.

اتهام ظريف للحرس الثوري يشير إلى دور الحرس الواسع والمؤثر في إدارة العملية السياسية، والاضطلاع، بشكل مباشر، في بناء المؤسسات. وذلك لفرض مزيد من السيطرة على المشهد السياسي الداخلي. ويبدو أنّ الحرس بهذا التدخل يثبت أنه غير مستعد لوجود الإصلاحيين بأي درجة وهامش، كما حدث خلال فترة حسن روحاني وحكومته، أو البرلمان التاسع، وهي الأطراف الإصلاحية التي سعت لتقليص صلاحيات الحرس السياسية والاقتصادية وامتيازاتهم المختلفة. يقول حمدي أبو القاسم.

يضيف أبو القاسم :”تصريحات ظريف لها دلالتها حول الانقسام السياسي الكبير في إيران. كما يفضح رغبة الحرس المحمومة في الدفع بكافة العناصر، وتعميمها على كافة القطاعات. وإذا كان النظام على أبواب مرحلة تاريخية لترتيب السلطة ما بعد علي خامنئي، فإنّ الانقسام الداخلي وتهميش الإصلاحيين يحشر النظام في الزاوية، وقد يكون مقدمة لالتحام عناصر محسوبة على النظام مع الجماهير التي لديها قدر كبير من الغضب، نتيجة الفساد وسوء الإدارة وتردي الأوضاع المعيشية”.

يتفق والرأي ذاته الباحث المختص في الشأن الإيراني، مصطفى النعيمي، والذي يرجح بأنّ هناك صراعاً حقيقياً بين أجنحة نظام الحكم في طهران، لا سيّما بعد أن ظهرت مجموعة من الأزمات التي سببها الجناح المقرب من المرشد، في إدارتهم للأزمات المحلية والإقليمية والدولية، وبخاصة حرب اليمن، التي انعكست، بشكل كبير، على زيادة أزمات طهران الاقتصادية. وذلك على رغم تقديم الولايات المتحدة “الكثير من الحوافز لإعادة طهران إلى جادة الصواب وإجبارها على الامتثال إلى المنظومة الدولية بعد إبحارها بعيداً عن الحجم الطبيعي لها، ومحاولة تسويقها كقطب سياسي وإقليمي من خلال الدعم اللا محدود من قبل روسيا والصين، وكان آخرها ما جرى من مناورات عسكرية مشتركة بين روسيا والصين وإيران”.

يشير  النعيمي حديثه لـ”درج” قائلاً أن تفعيل مسألة “رفع مستوى وخفض مستوى الشخصيات الإيرانية يقرره المرشد الإيراني. وبناء على ذلك، فالبروباغاندا القائمة بخصوص الانتخابات البرلمانية والتسريبات، هي مدروسة بعناية فائقة من حيث الاستثمار الشامل لصانع القرار في طهران، ومفادها أنّه في حال استغناء طرف عن الترويج لمشروعها السياسي والأيدولوجي، سيتم تهميشه من دائرة النفوذ والحكم، ويقلص تأثيره تدريجيًّا وصولًا إلى تحييده بالمطلق”.

يرى النعيمي أنه ضمن تلك الرؤية “نحن مقدمون على مرحلة جديدة من نظام حكم أشد تطرفاً من السابق، ليس لأنّ أداءهم لم يكن كما ينبغي، وإنّما السبب الرئيسي في كون المرشد هو الشخص الوحيد القادر على التعيين من عدمه، بالرغم من وجود مسرحية الانتخابات الهزلية التي يُسَوَّق لها لذر الرماد في العيون”. 

أما عن دلالة ظهور التسريب في هذا التوقيت بالتحديد، فيرجح النعيمي أنّه محاولة لـ”توظيف الملف الصوتي المسرب، لتحذير الحلفاء والخصوم في آن معًا بأنّنا قادرون على تغيير المشهد والعودة إلى الوراء خطوات بناء على تقدير الموقف السياسي اللازم في الجهة الأكثر تعاوناً وإنجازاً للمرحلة الحالية والقادمة.

 بمعنى آخر، سيتم استثمار ذلك مؤقتاً لابتزاز بعض الأطراف، ربما الإصلاحية. والتلويح بمزيد من التسريبات التي سيكون هدفها، إرغام الجميع، قسراً أو طوعاً، على المسير ضمن الرؤية الاستراتيجية التي تُوضَع من قبل المرشد علي خامنئي.

يشير ظهور التسريب أيضاً حسب النعيمي” أن كل من يدخل معترك مراكز صنع القرار، ستتم إحاطته بمجموعة من التهم والحوافز، والتي يتم تحريكها وإدارتها حسب العقل البراغماتي للنظام، لتمرير ما يخدم بقاء نظام الحكم متماسك بشكل أكبر”.

أما عن استثمار ظريف للمناخ العام القائم في إيران وتوجيه الرسائل المباشرة، بأنّ تيار الإصلاحات يرغب بالإطاحة بالمرشد في تسعينات القرن الماضي، فهي عبارة عن “رسالة مزدوجة” للنظام، وتعني محاولة الإشارة لـ”عقلنة” النظام أو “وجود عقل للدولة” بعيداً عن النموذج التقليدي القائم على البطش والعسكرة والعنف.