fbpx

خامنئي يمجّد الباسيج ويهدد المحتجين “المرتزقة”:
الثابت والمتغير في سياسة “الولي الفقيه”

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

ليس ثمّة جديد في خطاب المرشد الإيراني سوى أنّه يبعث في ذاكرة الجميع، خاصة، ممن يعتقدون بجدوى أو إمكانية الانعطافة تجاه الإصلاح، موقع خامنئي في السلطة، وخلفياته.

مثلّ خطاب المرشد الإيراني علي خامنئي، لحظة اصطفاف قصوى مع سياساته ورؤيته التي لم تشهد تبدلاً، على مدار ثلاثة عقود. 

مواقفه المتشددة لا تزال كما هي بخصوص معارضته للاحتجاجات، التي لا تخرج عن كونها “مؤامرة” ضد الجمهورية الإسلامية، وكذا تأييده لقوات الباسيج التي تحمي نظامه في مواجهة قوى “الاستكبار العالمي”.

ليس ثمّة جديد في خطاب المرشد الإيراني سوى أنّه يبعث في ذاكرة الجميع، خاصة، ممن يعتقدون بجدوى أو إمكانية الانعطافة تجاه الإصلاح، موقع خامنئي في السلطة، وخلفياته. 

فالمرشد الثمانيني الذي انتقل لمواقع عديدة داخل النظام، منذ تدشين الجمهورية الإسلامية، عام 1979، بداية من توليه منصب وزير الدفاع، مطلع الثمانينات، مروراً بإشرافه على الحرس الثوري في ذروة الحرب العراقية الإيرانية، وحتى استلامه منصب إمام جامعة طهران، قد وصل إلى منصب الرئيس (كأول رجل دين يصل لهذا المنصب بإيران)، عام 1981، في ظل ملابسات معقدة، من بينها تعرضه لمحاولة اغتيال نفذتها حركة “مجاهدي خلق” المعارضة، والتي قضى فيها أكثر من مئة مسؤول إيراني، منهم الرئيس الإيراني السابق، محمد علي رجائي. 

ورغم نجاة خامنئي من الموت، إلا أنّ آثار الحادث ما تزال حاضرة في قدرته المحدودة على تحريك يده اليمنى، وعواملها النفسية الأخرى.

فاز خامنئي بفترتين رئاسيتين، بدعم ونفوذ كبيرين من المرشد السابق الإمام الخميني، في الفترة بين عامي 1981 و1989. فيما ظلت خطاباته الأولى، تحديداً، التي جاءت بعد توليه منصب “الولي الفقيه”، تعكس رؤية تأسيسية حول ما يتصل بما هو قادم، واستراتيجيته التي لن يتراجع عنها، محلياً وإقليمياً. وأكد عزمه القضاء على “الانحراف والليبرالية واليساريين الخاضعين لنفوذ أميركا”.

ومن بين عباراته في حزيران/ يونيو عام 1989 التي ذكرها في خطابه وعرج فيها على طبيعة المنصب الجديد الذي حازه بعد وفاة الخميني: “أنا فرد كثير العيوب والنواقص ولست سوى عالم دين متواضع”. 

لا تعدو الإشارات التي لمّح إليها خامنئي في خطابه، مطلع الأسبوع، سوى كونها إضاءات قوية على ثوابته السياسية والأيدولوجية. بل إنّها تؤشر إلى استمرار مقاربته المتشددة تجاه عدم تقديم أيّ تنازلات سواء في سياساته الداخلية أو الخارجية. 

وقد سبق للمرشد الإيراني أن قاوم وعطل رغبة الرئيس السابق علي أكبر هاشمي رفسنجاني في التوصل إلى تسوية مع واشنطن، والأمر ذاته مع محاولات الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي في الانفتاح السياسي. وفي المحصلة، دعم خامنئي خيارات وصول الرئيس المتشدد والأصولي محمود أحمدي نجاد، عام 2005، إلى السلطة.

وهنا، برز ميل المرشد الإيراني الحاد إلى الأصوليين على حساب التيار الإصلاحي. بل وإنهاء هذه التجربة برمتها. وفضل الذهاب في مواجهة قصوى ومفتوحة مع ما يعرف في أدبيات “آيات الله” بـ”قوى الاستكبار العالمي”. 

وبعد انتهاء الشروط المرحلية لفترة رفسنجاني التي فرضت ضرورة التركيز على إعادة الإعمار والإصلاح الاقتصادي، ثم مجيء الحقبة الإصلاحية مع خاتمي والتي شهدت زخماً للحركة الطلابية ونشاط المجتمع المدني، قرر خامنئي تدشين مرحلة عودة التشدد الثوري مع أحمدي نجاد وعسكرة النظام. هذا التحول رافقته (وما يزال) عدة متغيرات بارزة، منها زيادة نفوذ الحرس الثوري، سياسياً واقتصاياً، وبنفس الدرجة تراجع الشباب عن الانخراط السياسي في ظل متتالية إحباطاتهم مع فشل التجربة الإصلاحية، وعدم تنفيذ وعودها.

ولطالما كان الحرس الثوري الشبكة التي وفرت الحماية والدعم لـ”الولي الفقيه”، وترتكز عليها مشروعية وقوة استمرار الحكومة الإسلامية في طهران. ومن ثم، ليس مباغتاً إشادة خامنئي بقوات الباسيج على خلفية دورها في حملات القمع الدموية ضد المتظاهرين.

وخلال لقائه مع عناصر الباسيج في طهران، وصف خامنئي، السبت الماضي، المحتجين بـ “المشاغبين” و “البلطجية” المدعومين من القوات الأجنبية. وثمّن دور مقاتلي الباسيج “الأبرياء” في حماية الأمة.

وتشير منظمة العفو الدولية إلى أنّ الباسيج قد صدرت لهم أوامر “بمواجهة المحتجين بلا رحمة”.

ولذلك، يكاد لا يختلف موقف القائد العام للحرس الثوري الإيراني، حسين سلامي، عن ما ذكره المرشد الإيراني. واعتمد سلامي السردية ذاتها، وقال في لقاء مع عدد من عناصر الباسيج: “العدو يعتقد أن النظام سيسقط ويعيش في وهم أحلامه الزائفة”. وأضاف: “البعض في الداخل رافقته أوهام العدو، هذه الأوهام سراب، هذا النظام قوي”.

استلم خامنئي منصب الولي الفقيه بعدما نال دعم 60 من أعضاء مجلس الخبراء (الهيئة الدينية المسؤولة دستورياً عن تنصيب الولي الفقيه) ومعارضة 14 عضواً. فضلاً عن معارضة غير محدودة بين النخب الدينية في قمّ. وعزا آية الله مشكيني، رئيس مجلس الخبراء، اختيار خامنئي على خلفية قربه من الخميني، والذي يعود إلى فترة ما قبل نجاح الثورة الإسلامية عام 1979. وقد كان متأثراً بالأخير، وكذا رجل الدين المتشدد زعيم منظمة “فدائيو الإسلام”، نواب صفوي، بالإضافة إلى دور خامنئي في الحرب العراقية الإيرانية، ومعرفته بـ”المشاكل المعاصرة التي تواجه العالم الإسلامي”، حسبما جاء في صحيفة “كيهان” الأصولية بتاريخ 19 حزيران/ يونيو 1989.

وذكر أحمد الخميني (ابن الإمام الخميني) أنّ “الإمام الخميني كان يعتبرك (أي علي خامنئي) القائد الأكثر كفاءة للجمهورية الإسلامية”. 

إثر وفاة الخميني واجه المرشد الجديد علي خامنئي، والرئيس الإيراني، وقتذاك، رفسنجاني، جملة تحديات وتغييرات جمّة. منها ضرورة إعادة الإعمار بعد الحرب العراقية الإيرانية، ومعالجة المعضلات الاقتصادية، ناهيك عن قضايا تكريس الثورة ومأسستها، وخروج طهران من العزلة الدبلوماسية. ثم عمد خامنئي إلى تعزيز سلطته ونفوذه عبر تأسيس شبكة متينة من القادة الدينيين في هيئات ومؤسسات الدولة، لجهة فرض هيمنته.

وفي خطاب بعنوان: “الإصلاحات والاستراتيجيات والتحديات”، يقول خامنئي إنّ “المهمة الأساسية للولي الفقيه هي حفظ الثورة والنظام الإسلاميين. وصحيح إنّ إدارة شؤون البلاد مُنحت لمسؤولين تنفيذيين في الحكومة. لكن من واجب الولي الفقيه الإشراف على أداء الهيئات الحكومية المختلفة وضمان عملها بما يتناغم مع التعاليم الإسلامية ومبادئ الثورة”. 

ومن هنا، أمسى انتقاد أو معارضة “الولي الفقيه” وسلطاته وصلاحياته ضمن الخطوط الحمراء التي لا تمس. وقد تعرض رجل الدين الإصلاحي هادي الخامنئي (شقيق علي خامنئي) إلى اعتداء مبرح ودموي من قوات الباسيج بعد خطاب معارض للامتيازات التي يحظي بها الولي الفقيه.

ويكاد لا يختلف التاريخ السابق في وقائعه وأحداثه عما يجري راهناً، فقد تم اعتقال ابنة شقيقة المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، قبل أيام، بعدما سجّلت مقطع فيديو تصف فيه نظام الملالي بـ”النظام المجرم وقاتل الأطفال”.

وغرد شقيقها محمود مرادخاني على حسابه الرسمي في موقع التواصل الاجتماعي “تويتر” أنها اعتُقلت الأربعاء بعدما توجّهت إلى مكتب المدعي العام بناء على استدعائها.

وعلى أثر ذلك، نشر شقيقها السبت مقطع فيديو لها على يوتيوب مع رابط له شاركه على تويتر، ندّدت فيه بـ”القمع والواضح والصريح” الذي يتعرّض له الإيرانيون، ودان تجاهل المجتمع الدولي.

وقالت في الفيديو: “أيّها الأحرار، كونوا معنا! قولوا لحكوماتكم أن تكفّ عن دعم هذا النظام المجرم وقاتل الأطفال”.

وتابعت: “هذا النظام ليس مخلصاً لأيّ من مبادئه الدينية ولا يعرف أي قانون أو حكم سوى القوة والحفاظ على سلطته بأيّ طريقة ممكنة”.

وبخلاف رفسنجاني وخاتمي اللذين كانت لهما رؤية أو مقاربة أقل تشدداً لنظام الحكم الإسلامي، فإنّ خامنئي يرى في حكومته، التي هي (إسلامية أكثر مما كونها جمهورية)، ضرورة الخصومة والقطيعة مع فكرة الانفتاح السياسي، بل إنّ الإسلام كأيدولوجيا ومرجعية للحكم ينبغي أن يصبح مصدر قوة وليس سبباً لضعف أو تهاون.

ويؤكد خامنئي في خطاب بمناسبة مولد الحسين(الإمام الشيعي الثالث) في 21 أيلول/ سبتمبر 2002، أنّ إيران، التي تدفع أثماناً هائلة على خلفية معارضتها للولايات المتحدة وإسرائيل، وذلك عبر العقوبات والعزلة، تعاود التذكير بمقولة الإمام الخميني عن إنّ “إيران تفضل الهزيمة على نصر قد يتحقق عبر الجور والقمع”.

وبالتالي، فإنّ العقوبات الأميركية عندما فرضت، للمرة الأولى، من قبل الولايات المتحدة، والتي تهدف، بالأساس، إلى تغيير سلوك إيران “أعرب الإمام الخميني عن سعادته في هذا الصدد ورحب بالخطوة. وقد كان لردة فعل الإمام معنى بالغاً بما إنّه بسبب هذه العقوبات لجأ الشعب الإيراني إلى موارده الخاصة ووقف على قدميه… واليوم أيضاً تهدد تلك الدول بفرض عقوبات على الجمهورية الإسلامية. والوضع ما زال كما كان والعقوبات لن يكون لها أثر سلبي على بلادنا وأمتنا”.

عسكرة الجمهورية الإسلامية كانت من بين أهداف المرشد الإيراني خامنئي، الأمر الذي بدا واضحاً مع دعمه اللا محدود والعلني لأحمدي نجاد في مقابل رفسنجاني. ومن بين خطاباته التي دعم فيها الأول: “أنا شخصيا أود لو ينتخب رئيس هدفه الأساسي خدمة الشعب.. رئيس وفيّ لمثل ثورتنا ونظامنا الإسلامي وهادف حقاً إلى إحقاق الحق ومكافحة الفساد..”. 

وبينما كان أحمدي نجاد المرشح الرئاسي الوحيد من بين ثمانية آخرين لهم خلفية علمية مرتبطة بالهندسة وهو الحائز على دكتوراه في هندسة المرور، قال خامنئي في خطاب آخر: “لطالما درس أكثر طلابنا موهبة في كلياتنا التقنية… وعلى ما أذكر فإنّ أذكى الطلاب وأكثرهم ديناميكية لطالما كانوا يقبلون الالتحاق بكليات الهندسة المختلفة وغيرها من مراكز التعليم العالي الشبيهة بها”.

إذاً، البنية الأيدولوجية لنظام الجمهورية الإسلامية لم تتغير قط. ولا تخرج خطابات خامنئي عن فكرة المؤامرة المتكررة والتقليدية.

ومثلما كان خامنئي في السابق يقرّ بأنّ أعداء إيران لا يحتاجون إلى “المسدسات والمدافع، إنّما نشر قيم ثقافية تقود للفساد الاخلاقي”، فإنّه شدد على رفض التفاوض مع الولايات المتحدة باعتباره الوسيلة المثلى لإنهاء الاضطرابات. وقال خامنئي: “المشكلة ليست أربعة مثيري شغب في الشارع، حتى لو عوقب كل مثير شغب وكل إرهابي… ساحة المعركة أوسع من ذلك بكثير. العدو الرئيسي هو الاستكبار العالمي”. 

وأردف: “يقول لنا البعض في الصحف والفضاء الإلكتروني إنه يكفي حلّ مشكلتكم مع أميركا وسماع صوت الشعب، لإنهاء الاضطرابات التي بدأت قبل عدة أسابيع”. وتساءل: “كيف نحل المشكلة مع أميركا؟ هل ستُحل المشكلة بالجلوس والتفاوض والحصول على التزام من أميركا؟”. وأجاب: “لا. التفاوض لن يحل مشكلتنا مع أميركا، لأنّها تمعن في السعي وراء انتزاع التنازلات من إيران”.

ورأى خامنئي أنّ “صوت الشعب” الذي يطالبه الغرب بالاستجابة لندائه، ليس هو الصوت المتردد في التظاهرات بشوارع طهران وأقاليمه، إنّما هو الصوت الذي “دوّى في الرابع من تشرين ثاني/ نوفمبر (خلال التظاهرات الموالية للحكومة) أو أثناء تشييع (الجنرال قاسم) سليماني. كان هذا الحشد الضخم صوت الشعب الإيراني”.

إقرأوا أيضاً: