fbpx

قيس سعيد يتمشى في المدينة العتيقة…
والمعارضة تترنّح في يوم الثورة

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

أهدرت الأحزاب التونسيّة المعارضة فرصة سانحة في ذكرى الثورة، كاشفةً عن تشتتها وعجزها عن تقديم بديل لقيس سعيد.

“تمخض الجبل فولد فأراً”، هذه حال المسيرات التي نظمتها مختلف فصائل المعارضة التونسية ضد الرئيس قيس سعيد يوم 14 كانون الثاني/ يناير 2023 الذي يتزامن مع عيد الثورة الثاني عشر. حشدت أحزاب المعارضة وخاطبت (الجماهير) لأسابيع استعداداً للنزول إلى الشارع، أملاً بإعادة التاريخ إلى الوراء وإسقاط رئيس البلاد كما حصل عام 2011، لكن، المعارضة أكدت مرة أخرى تشتّتها حين نزلت الى الشارع، وكشفت أنها ضحية الخلافات، لتبرهن مجدداً للشعب التونسي عن ضعفها وعجزها عن لملمة شتاتها، وتقديم بديل لمشروع الرئيس الحالي.

نزلت الأحزاب في مناطق مختلفة من العاصمة تونس، فـ”جبهة الخلاص” المكونة من “حركة النهضة” وحلفائها تجمعت في الشوارع المحاذية لشارع الحبيب بورقيبة، قبل أن تقتحمه وتفرض وجودها بالقوة فيه، متحديةً قوات الأمن التي نزلت بأعداد غفيرة لمنع المتظاهرين من الوصول الى الشارع ذي المكانة الرمزيّة. أما “تنسيقية الأحزاب الديمقراطية” المكونة من خمسة أحزاب ذات توجه وسطي ديمقراطي، فتجمعت أمام المسرح البلدي في شارع الحبيب بورقيبة، من دون أن تختلط بـ”جبهة الخلاص”. أما  عبير موسي، رئيسة “الحزب الدستوري الحر”، وريث نظام بن علي، فاختارت أن تتظاهر مع أنصارها في شارع خير الدين باشا على بعد بضعة كيلومترات من الحبيب بورقيبة، بعد منعها من الوصول إلى القصر الرئاسي في قرطاج.

بدا المشهد تمثيلية مضحكة، التجمعات الحزبية المعارضة نزلت بالشعارات نفسها تقريباً، مطالبة بعودة الديمقراطية والحرية، وبرحيل قيس سعيد من الحكم. لكن اللافت، أن كل جماعة كانت تحاول قدر الإمكان التملص من الآخرين، والابتعاد منهم جغرافيا وفكرياً. وكأن كل فريق يريد أن يبرهن للشعب التونسي أنه مختلف عنهم.

وهنا لا بد من التذكير أن عدداً كبيراً من التونسيين كان لفظ المنظومة الحزبية برمتها عندما ساند انقلاب قيس سعيد على منظومة الحكم السابقة في 25 تموز/ يوليو 2021 وخرق دستور 2014.  ما يفسر بحث الأحزاب عن عذرية جديدة في عيون الشعب التونسي، آملة في أن ينسى تكالبها على السلطة، وتخاذلها عن تحقيق مطالب الثورة من فرص عمل وحرية وكرامة وطنية طيلة العشرية السابقة.

“تمخض الجبل فولد فأراً”، هذه حال المسيرات التي نظمتها مختلف فصائل المعارضة التونسية ضد الرئيس قيس سعيد يوم 14 كانون الثاني/ يناير 2023 الذي يتزامن مع عيد الثورة الثاني عشر.

ولكن الغريب أن كل حزب لا ينفك يكرر في خطاباته الإعلامية، دعواته للأحزاب الأخرى إلى التوحّد والانضمام إلى مبادرته لإسقاط رئيس الدولة. هذه المفارقة الغريبة عكست ضعف المعارضة الحزبية وتشتُّتها، والأهم، عجزها عن إيجاد بديل للرئيس الذي تطالبه بالرحيل، فلا هي قادرة على التوحّد في جبهة واحدة، ولا على طرح مشروع سياسي واقتصادي يخرج البلاد من الأزمة الخانقة التي باتت تهددها بالإفلاس.

كل ما استطاعت فعله، هو استعراض القوة في الشارع على أمل انضمام الجماهير الغفيرة إليها، لكنها لم تستطع سوى استقطاب أنصارها، فمعظم الشعب التونسي يراها عاجزة عن إنتاج حلول للوضع الحالي.

أهدرت المعارضة فرصة ثمينة للتجمع حول رؤية واحدة لمرحلة ما بعد رحيل الرئيس، ما أعطى سعيد دفعاً جديداً لمواصلة مشروعه السياسي من دون خوف من معارضيه، وهو الذي بدأ يستشعر الخطر بعد النسبة الهزيلة (11.2 في المئة) لمشاركة الناخبين في الدور الأول من الانتخابات التشريعية في 17 كانون الأول/ ديسمبر 2022، وتعالي أصوات معارضيه السياسيين المطالبين برحيله عن الحكم، مستندين إلى تناقص شعبيته.

أمل معارضو قيس سعيد بإزاحته بعد هذه النتائج، لا سيما في ظل أدائه السيئ في حل  مشكلات البلاد الاقتصادية، والنقص المتواصل في المواد الأساسية، والارتفاع المطرد في الأسعار والعجز عن الحصول على قرض من “صندوق النقد الدولي” لسد العجز في الميزانية منذ سنة تقريباً، إذ لم تسفر المفاوضات عن أي حل، عدا رفع الضرائب والإجراءات التقشفية اللاشعبية التي يعتزم تنفيذها. 

مع إقتراب تاريخ 14 يناير/ كانون الثاني، عيد الثورة الذي قام سعيد بإلغائه، زادت حدة الدعوات إلى الإطاحة بالرئيس، إلى درجة دفعته الى تكثيف زياراته الليلية في المدة الأخيرة  للاطلاع على أحوال “الرعية”، فتارةً يزور بقالاً ليرصد مدى توافر المواد الأساسية مثل الزيت والحليب، وطوراً يتوجه إلى مقهى في حي شعبي ليتجاذب أطراف الحديث مع مرتاديه حول مشاغلهم، مُندداً أمامهم بمحاولات المحتكرين والفاسدين، حرمانهم من قوتهم، ليختتم جولاته قبيل ذكرى الثورة بيوم، بزيارة إلى المدينة العتيقة في تونس المجاورة لشارع الحبيب، محاولاً اختبار شعبيته لاستعراضها أمام معارضيه، ناعتاً إياهم من هناك بـ”الخونة والعملاء”.

ربح قيس سعيد هذا الشوط أمام المعارضة الضعيفة والمنقسمة، لكن لا يبدو أنه سيربح في سعيه إلى الحفاظ على السلطة، فالغضب الشعبي إثر الوضع الاقتصادي السيئ والأداء الحكومي الهزيل، يتزايد بشكل مطرد، وسينفجر قريباً، ليتحول إلى احتجاجات في الشارع قد تعصف بحكم سعيد، فـ”الاتحاد العام التونسي للشغل” يعد العدة للتحرك، مُعلناً عن تحركات نقابية قطاعية في الأيام المقبلة، رفضاً لطريقة إدارة سعيّد البلاد، وستنضم قوى من المجتمع المدني، إضافة إلى الأحزاب. هذا السيناريو قد يوصل تونس إما إلى مواجهة دامية بين الاتحاد والسلطة كما حصل في السنوات السابقة، أو سيرضخ الرئيس لمطالب الشارع الداعية الى رحيله، وينظّم انتخابات رئاسية مبكرة.