fbpx

أي إسلام سياسي للغد الأقرب؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

تطرح الحكومة الإسرائيلية الجديدة تحدياً كبيراً، إذ ترمي على قارعة الطريق الحداثة والتقدم والتنوير وكل الصفات التي جعلت إسرائيل تُسمى، حقيقةً أو كذباً أو بين بين، “واحة الديمقراطية في الشرق الأوسط”.

من العلمنة والمحكمة الدستورية العليا إلى الفلسطينيين والمرأة والتعليم والمثلية الجنسية، هناك بشر وقيم، يهددهم شركاء بنيامين نتانياهو الأصوليون في حكومته. 

هل يلمّ الفلسطينيون والعرب هذا الكائن المرمي على القارعة فيتبنّون القيم والعلاقات التي تتخلى عنها إسرائيل ويواجهونها من موقع تقدمي وعصري، أم سيقولون: في مقابل تضخم الدين في السياسة الإسرائيلية لا بدّ من أن نضخّمه نحن أيضاً، أي اعتماد معادلة: مزيد من الإسلام لمواجهة مزيد من اليهودية.

استعداد “حماس” و”الجهاد الإسلامي” الخيار الأخير أكبر بما لا يقاس من حجم واستعداد القوى التي قد تتبنى الخيار الأول، والتي لا تزال غير منظورة حتى اللحظة. مع هذا لا بأس بالإشارة إلى أن قوى الوعي الديني في المنطقة، والعلاقات التي بنتها وتبنيها، ليست في أحسن أحوالها. فإذا اختار الفلسطينيون ما تريد “حماس” و”الجهاد” أن يختاروه، فإن حاضنتهم العريضة لن تكون قادرة على توفير المدد والإسناد.

في تركيا، وعشية انتخابات صعبة ستجرى في 18 حزيران (يونيو) القادم، ووسط أزمة اقتصادية طاحنة، تتحول العنصرية حيال السوريين الذين لجأوا إليها إلى أبرز مواضيع السجال السياسي والتعبئة الشعبية الداخليين. وإذ يتوقع المراقبون حصول مصالحة في أي وقت بين رجب طيب أردوغان وبشار الأسد، نقلت وسائل إعلامية أخباراً عن مفاوضات سورية- تركية راهنة حول عودة اللاجئين السوريين من تركيا، فضلاً عن التنسيق في محاربة “حزب العمال الكردستاني”، فيما نُسب إلى “مصادر مقربة من النظام السوري” خبر عن وصول وفد من المخابرات التركية إلى دمشق.   

وهكذا لا يفقد الرئيس التركي صورته كحليف للسوريين فقط. إنه يفقد أيضاً صيته كحامٍ للمسلمين السنة ولإيمانهم. فتركيا- أردوغان تجاوزت، في المرحلة السابقة، فتح الذراعين للسوريين الهاربين من الجحيم الأسدي، إلى رعاية تنظيمات عسكرية وسياسية إسلامية معارضة، بل إلى تقديم تسهيلات لـ “داعش” في لوجستياتها واستقبالها للمتطوعين الأجانب.  

هذه الرعاية التي اختلط فيها السياسي بالديني والمذهبي يبدو أنها ولّت. وهناك الآن من يشبّه معاناة السوريين (السنة) في تركيا (السنية) بمعاناة العراقيين (الشيعة) الذين لجأوا من بطش صدام حسين إلى إيران (الشيعية). 

فكيف وأن علاقات أنقرة بتل أبيب استعادت حيويتها أيضاً: فالرئيس الإسرائيلي اسحق هيرتزوغ زار تركيا والتقى أردوغان في آذار/ مارس 2022، ثم أعلن يائير لابيد، حين كان رئيساً للحكومة، أن إسرائيل وتركيا قررتا استئناف العلاقات الديبلوماسية الكاملة وإعادة السفراء، وهو ما حدث فعلاً. كذلك التقى أردوغان ولابيد في الأمم المتحدة في نيويورك، وهو ما يحصل للمرة الأولى منذ العام 2009 بين أردوغان ورئيس حكومة إسرائيلية. وأخيراً، فقبل أيام استقبل هيرتزوغ السفير التركي الجديد وحمّله دعوة لأردوغان لزيارة الدولة العبرية. 

وإذ يتبين اليوم أن الرئيس التركي ليس حامي حمى الإسلام السني، يُظهر ضعف إيران على الأصعدة جميعاً (الانتفاضة الواسعة والوضع الاقتصادي والعقوبات وسمعة الإعدامات) أن موقعها كقاعدة إقليمية للإسلام الشيعي مرشح للتراجع. وفي الآونة الأخيرة لاحظ عدد من المراقبين كيف أن التقارب التركي – السوري الذي ترعاه روسيا، والذي عبر عنه خصوصاً اجتماع موسكو بين وزراء دفاع البلدان الثلاثة، أواخر العام الماضي، إنما تجاهل طهران تجاهلاً كاملاً، ولم يستوقفه حضورها العسكري في سوريا ودورها الكبير في إنقاذ نظام الأسد. 

هل يلمّ الفلسطينيون والعرب هذا الكائن المرمي على القارعة فيتبنّون القيم والعلاقات التي تتخلى عنها إسرائيل ويواجهونها من موقع تقدمي وعصري، أم سيقولون: في مقابل تضخم الدين في السياسة الإسرائيلية لا بدّ من أن نضخّمه نحن أيضاً، أي اعتماد معادلة: مزيد من الإسلام لمواجهة مزيد من اليهودية.

الأهم من ذلك ربما أن محمد شياع السوداني، والذي أوصله حلفاء إيران العراقيون إلى منصبه رئيساً للحكومة في بغداد، سريعاً ما بدأ يبدي علامات استقلالية يُرجح أن يكون سببها التردي الاقتصادي الذي لن يجد علاجه في طهران.

أما السعودية، وهي تقليدياً من أهم مراكز التأثير الإسلامي، إن لم تكن الأهم، فتشهد انكفاء واضحاً عن هذا التوجه الديني تشاركها فيه دولة الإمارات العربية. فبعد سنوات على انهيار علاقتها مع جماعة الإخوان المسلمين، جاءت إجراءات ولي العهد في خصوص المرأة والانفتاح والترفيه والمطاوعة وغير ذلك لتعلن افتتاح مرحلة وتوجهات مختلفة، بل تدشين استراتيجية لا يبدو أن موضوع الإسلام والدعوة حاضر بقوة فيها.

ولا بد هنا أن نضيف الأوضاع المتردية لجماعة الإخوان، بوصفهم الأم الكبرى للحركات الإسلامية كما للوعي السياسي الإسلامي. فـ “الجماعة” لم تتعاف بعد من الضربتين المزلزلتين اللتين أصابتاها في مصر، بإبعاد محمد مرسي، وفي تونس، بإبعاد راشد الغنوشي. وكما يحصل عادة إبان الهزائم تطفو على السطح الانشقاقات والخلافات. وهذا ما يعبر عنه النزاع الحالي حول منصب “نائب المرشد العام” في التنظيم المصري، بعد وفاة ابراهيم منير “القائم بأعمال المرشد”. فقد بات واضحاً أن “جبهة لندن” تتمسك بمرشح غير محمود حسين الذي تدعمه “جبهة اسطنبول”، وهذا علماً بوجود مجموعة ثالثة تُعرف بـ”الكماليين” نسبةً إلى زعيمها محمد كمال الذي يُعتبر من منظري العنف والتطرف.

وإذا كان في وسع تطورات كهذه أن تفجر ذاك التنظيم العريق، فإن مجمل صورة المنطقة لا تشجع على الرهان على حاضنة إسلامية عريضة وإقليمية الامتداد كان لها فعلها المؤثر ذات مرة في الماضي.

إقرأوا أيضاً: