fbpx

“ماحد درى أين الحبيب موجود”… يوم عدت إلى اليمن بعد 12 سنة

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

ذكرياتي عن يمن الأمس أحتفظ بها في وجداني. أصررت على أن آخذ معي ألبومات صور من بيتنا في صنعاء قبل سفري مع انتهاء عيد الفطر. أما يمن اليوم فسيظل محط تركيزي في الكتابة.

كانت دموعي تخونني متى سمعت أغنية “مسعود هجر” للفنان اليمني عبدالباسط عبسي التي تتناول مصير مسعود المجهول بعدما هاجر من اليمن كي يؤمن حياة كريمة لعائلته. تقول الأغنية، “واعمتي … منو شقل (سيقول) لمسعود، بعامنا الأول رزقنا مولود، مسعود هجر وخلف المصائب، والبعد طال وزادت المتاعب… واليوم لا مكتوب ولا صداره… مرت سنين والقلب مسكن الدود… ماحد درى أين الحبيب موجود”. 

التأثر ذاته كنت أشعر به حين أسمع أغنية “احكيلي” للسيدة فيروز. تغني فيروز، “احكيلي احكيلي عن بلدي احكيلي، يا نسيم اللّي مارق عَ الشّجر مقابيلي، عن أهلي حكايِة، عن بيتي حكايِة، عن جار الطّفولِة حكايِة طويلِة.” في سنوات غربتي عن اليمن الـ12، قتلني الحنين إلى بلادي اليمن.

ولكن أخيراً انتهت غصة الغربة في شهر أيار/ مايو الماضي، حين حطت قدمي على أراضي اليمن. بعد سنوات الفراق، قررت أن أزوره، برغم أنني سأعرض نفسي للخطر بسبب عملي الصحافي والحقوقي. ذهبت الى اليمن سراً في نهاية رمضان الماضي. فلم أخبر أحداً من عائلتي وأقربائي بخطتي، عدا ابن خالتي الذي استقبلني في المطار. قرعت باب خالتي في عدن وباب أمي في صنعاء وفاجأتهما، ولحسن الحظ لم يصب أحد بسكتة قلبية.  

عندما تركت اليمن في أيار 2011، للمشاركة في ورشة عمل لأسبوعين في السويد، لم أكن وقتها أعرف أين تقع تلك البلاد بالضبط في خريطة العالم. كل ما كنت اعرفه هو ما قالته أمي في مشاوير التسوق، إذ تمسك إحدى القطع الخشبية وتقول، “هذا خشب جيد، خشب سويدي!”. ذهبت الى السويد بشنطة سفر صغيرة فيها بعض الملابس.

لأنني صحافية شابة كنت أتلقى قبولاً لافتاً للمشاركة في أي تدريب أو ورشة، فقبل السويد زرت الأردن، والكويت، وسويسرا. وعليه، كانت خطتي أن أعود إلى بيت أمي في صنعاء بعد الانتهاء من ورشة العمل في السويد حتى أمضي في خططي المستقبلية فقد كنت ضمن من فازوا بمنح تشيفنينغ الدراسية في بريطانيا.

كانت دموعي تخونني متى سمعت أغنية “مسعود هجر” للفنان اليمني عبدالباسط عبسي التي تتناول مصير مسعود المجهول بعدما هاجر من اليمن كي يؤمن حياة كريمة لعائلته.

خلال ورشة العمل، انفجر الموقف السياسي والعسكري في اليمن. في أيام قليلة في شهر أيار 2011 بدأت حرب شوارع في صنعاء بين أنصار الرئيس السابق علي عبدالله صالح وأنصار “حزب الإصلاح”. وأغلق مطار صنعاء. وفي اتصال مع أهلي، أخبرتني أمي أن الوضع خطير، وقالت، “بإستطاعتك العودة عبر مطار عدن، ولكنني سأحذرك من الآن، متى ما عدت، عليك أن تنسي أمر الصحافة والكتابة”. قالت ذلك من خوفها فهي بالكاد كانت راضية عن عملي مع التهديدات بالقتل التي كانت وصلتني. تفهمت خوفها. كان أمامي خياران: إما العودة إلى اليمن والتوقف عن الكتابة، أو مواصلة الكتابة من مكان آخر. 

الحياة بدون كتابة كانت بمثابة حكم إعدام بالنسبة إلي. شغفي للكتابة حاجة ماسة كالتنفس. وهكذا، قررت ألا أعود وأن أواصل الكتابة. أيعقل ألا أواصل الكتابة واليمن يمر بمرحلة مفصلية تاريخية! بقيت في السويد وحصلت على لجوء سياسي، وواصلت عملي الصحافي. 

اليمن الذي تركته في 2011 لم يكن الجنة ولكن أظن أ جيلي الذي شارك في ثورة 2011، استطاع أن يحصل على طفولة مستقرة إلى حد ما في التسعينات، وهي أكثر حقبة زمنية عرف خلالها اليمن شيئاً الاستقرار؟ كان وقتها اليمن أفقر دولة عربية ولكن أحداً لم يكن يموت من الجوع. عندما بدأت العمل نهاية عام 2008 في صنعاء، لم تكن حرية الصحافة في أفضل حالها ولكن المناخ كان أكثر انفتاحاً، بجميع أطياف الإعلام المستقل، والحزبي، والنسوي، والصحافة الصفراء وغيرهم. أذكر وأنا في الصف الثانوي الثالث أن عدد سكان اليمن كان حوالى 15 مليون نسمة، اي نصف عدد السكان اليوم.

عندما حطت رجلي على أرض مطار عدن الدولي في الأسبوع الأخير من شهر رمضان الماضي، وقفت خارج المطار انتظر ابن خالتي. طال الانتظار فافترب مني رجل يبدو أنه سائق أجرة وسألني: “تاكسي؟”.

قلت، “لا شكراً. أنتظر ابن خالتي وسيارته”. 

“هل اتصلتِ به؟

لا. ليس لدي هاتف؟

خذي تلفوني واتصلي به.

لا، شكرا. ليس بحوزتي مال حتى أعطيك ثمن المكالمة.

أي مال؟ الدنيا ما زالت بخير يا ابنتي. خذي هاتفي واتصلي به، لا أريد أي مال”.

أخذت الهاتف وشكرته. اتصلت بابن خالتي ثم اعدت الهاتف للرجل. شعرت بفرح لأن الحرب على الاقل لم تدمر خصلة الكرم بين اليمنيين. 

كنت أتوقع مستوى دمار جنوني، وأن اليمن كأي بلد في العالم سيشهد تغيرات وبل كأي بلد تعرض لويلات الحرب سيتدمر. 

بقيت في عدن اقل من اسبوع ومن ثم بقيت في صنعاء أسبوعين ونيف. سبق أن كتبت في مقال طويل بالانجليزية عن تفاصيل الرحلة الشاقة من عدن إلى صنعاء وملاحظاتي وانطباعاتي عن صنعاء. وأيضاً أجريت لقاء مع فريق موقع “درج” وذكرت فيه بعض التفاصيل عن زيارتي. 

معظم الحكايات التي سمعتها من الأهل والأقرباء على شرف أغنية السيدة فيروز كانت حكايات أليمة ترسم صورة عن يمن مقسم من شماله الى جنوبه ومن شرقه الى غربه. اقسى الحكايات كانت عن الموت والمرض والاضطرابات النفسية، بسبب الحرب والقصف والضائقة الاقتصادية. شوارع اليمن الرئيسية التي تربط المدن، مثلاُ من عدن إلى صنعاء، كانت كلوحة مأساوية تعج بخيم النازحين والمهاجرين الأفارقة الذين يفترشون العراء لا حول لهم ولا قوة. هذه المناظر والحكايات زادتني ايماناً بأهمية كتابتي عن هذا البلد المعذب المنسي.

رغم ذلك كله، أشعر الآن بحال أفضل لأنني كتبت هذه القصة ولأنني عدت إلى اليمن ودافعت عن حقي بالكتابة عنه ومن أجله. لا يعني ذلك أنها كانت تجربة سهلة ووردية. إلا أن جلسات العلاج النفسي التي اتلقاها ساعدتني على فهم أمور كثيرة وأُشفى منها.

ذكرياتي عن يمن الأمس أحتفظ بها في وجداني. أصررت على أن آخذ معي ألبومات صور من بيتنا في صنعاء قبل سفري مع انتهاء عيد الفطر. أما يمن اليوم فسيظل محط تركيزي في الكتابة.  

إقرأوا أيضاً: