fbpx

الاتفاق الإيراني- السعودي… هل كان نصرالله يعلم؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

هذه التسوية تمتد طوال المنطقة، إذ تمس عواصم عربيّة عدة، بغداد، دمشق، وبالطبع بيروت وإن كانت الأخيرة لا تشكل كل مساحة ثقل السياسة في لبنان، لكن من السذاجة القول إن إيران والسعوديّة تخوضان هذه التسوية دون أثمان ومكتسبات.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

بث استئناف العلاقات الإيرانية- السعودية حالة تفاؤلٍ لدى كثيرين، يقابلها إحراج لكثيرين أيضاً، وأغلب الظن أن أشد المتفائلين هو رئيس تيار “المردة”، سليمان فرنجية. هنا التفاؤل عموماً، ليس ترفاً، بل نتاج يقين بأن العلاقات بين الدولتين ذات أثر حتميّ في السياسة اللبنانية، والسذج وحدهم من يشيحون أبصارهم عن اعتلال سياسي كهذا.

 هنا نموذجان قد يُسعفان المرء لفهم هذا التفاؤل.

يقدم “حزب الله” نفسه، من دون مواربة، كنموذج إيراني، لكنه في الوقت ذاته يوارب ويتفادى الحديث عن أثر إيران في لبنان، بينما يمثّل وليد جنبلاط وسمير جعجع، وإن بُمكابرة هشة، النموذج الذي ورث “الحريرية السياسية”  كأداة لبنانية للتأثير السعودي.

النموذجان السابقان، وتفاوت أثرهما شكّلا راهناً يحرك التفاؤل، الذي تتداعى إثره وقائع كثيرة، أوّلها الاستعصاء الرئاسي.

في آذار/ مارس 2023، بدا أمين عام المقاومة  كمن يُبدد تفاؤلاً قبل الإعلان عن الاتفاق، وكأنه غافل عما يدور في الكواليس الدبلوماسيّة، ولا إشكال في ذلك، فـ”الأصل” لا يأتمر بـ”الفرع”. قال بوضوح وبلا تردد أمام متابعيه على الشاشة، وكأنه يصبّ يقيناً في آذان المستمعين: “الذين ينتظرون تسوية إيرانية- سعودية، سينتظرون طويلاً”.

الانتظار المديد  بشأن التسوية كان شديد الالتباس في حديث نصر الله، والمفارقة أنه بعد  أقل من أسبوع على “إطلالته” تم الاتفاق، ما يستدرج المرء إلى الالتباس المذكور. والسؤال هنا، هل كان نصرالله على علم بإقتراب التسوية؟ وهل أراد الإيحاء بأن أهم مآلات حدوثها الذي افترض مباشرته من اليمن كانتظار طويل، سينسحب على لبنان؟

  سؤال كالذي سبق يفترض سؤالاً آخر لتعميق الالتباس. هل كان أمين عام “حزب الله” خارج زمن تسوية كانت مؤشرات إنجازها تتسارع بالتزامن مع الانتظار الطويل الذي حدّثنا عنه؟

بث استئناف العلاقات الإيرانية- السعودية حالة تفاؤلٍ لدى كثيرين، يقابلها إحراج لكثيرين أيضاً

 في مطلق الأحوال، نصر الله أمام تسوية ليس قبلها  كما بعدها، حتى وإن  دفع السؤال الأول الرجل إلى تفادي  ما يحتمله السؤال الثاني، فسيقول، في أية حال، “كنت أعلم”.

 الحرب في اليمن دفعت باتجاه المصالحة، الحاجة السعودية أكثر منها إيرانية، خصوصاً أن الإمارات “سحبت” يدها من الحرب عام 2019، لكن ليست اليمن وحده الذي سيشهد تغيراً في التوازنات داخله إثر الاتفاق، فلبنان سيكون مختبراً لنتائج هذه المصالحة.

هذه التسوية تمتد طوال المنطقة، إذ تمس عواصم عربيّة عدة، بغداد، دمشق، وبالطبع بيروت وإن كانت الأخيرة لا تشكل كل مساحة ثقل السياسة في لبنان، لكن من السذاجة القول إن إيران والسعوديّة تخوضان هذه التسوية دون أثمان ومكتسبات.

يدفع المأزوم عادة الأثمان، ونحن حالياً أمام نظامين مأزومين، هناك كلفة الحرب في الحالة السعودية، التي ما زالت شأناً غامض (يقال إنها 200 مليون دولار يومياً)، والكلفة السياسية والاقتصادية في إيران، التي تواجه تضخماً، وثورةً، وضغطاً دولياً، وعداء لا يتردد أحد في إعلانه من أميركا إلى تل أبيب، أما أوروبا، فما زالت توارب وتحمي مصالحها.

   تندفع المملكة العربية السعودية إلى التسوية على وقع حربها المتعثرة في اليمن، وتفترض أن تجفيف الخسائر فيها هو مقدمة لأثمان في ساحات أخرى، ولبنان بالضرورة إحداها.

    تزامن  حديث نصرالله عن التسوية الإيرانية- السعودية، وعن الانتظار الطويل، مع إعلانه دعم ترشيح سليمان فرنجية لرئاسة الجمهورية، وإذا ما افترضنا أن أمين عام “حزب الله” كان يعلم باقتراب التسوية، فيصير والحال تزامنها مع ترشيح فرنجية مقصوداً.

 كان “الفيتو” السعودي على رئيس “تيار المردة”، وكمعطى خارجي، أكثر تأثيراً في حظوظه الرئاسية من معطيات الداخل. هذا ما وشى به لقاء باريس الخماسي،  المصالحة السعودية- الإيرانية ستبدد على الأرجح هذا “الفيتو”، فيما مباشرتها ستفضي إلى تلاشي خطاب يومي لـ”حزب الله”  عن “موت آل سعود”، بقدر ما ستعري خصومه حين تؤول رئاسة الجمهورية إلى شخصية يثق بها.

    في ثمانينات القرن الماضي، وعلى الجدار الخارجي للسفارة الكويتية في منطقة بئر حسن، كُتب بخط رديء عبارة “الموت لآل سعود”. كانت العبارة واحدة من الشعارات التي ورثها “حزب الله” عن الجمهورية الإسلامية في إيران، والتي تحولت إلى طقس يومي في عيون الخارجين والداخلين، من الضاحية الجنوبية وإليها. كانت أيضاً إعلاناً عن معقل “حزب الله”.

   العبارة على الأرجح اختفت بعد ترميم السفارة الكويتية، لكن “الموت لآل سعود” لم يعد بحاجة إلى جدار يتسع للكتابة الرديئة، إذ تحول لاحقاً إلى “نشيد” يسطع في كل مكان، أو يخبو على وقع العلاقة بين النظامين الإيراني والسعودي، لكن إن كان حل الأزمة اليمنية بـ”يد اليمنيين وقيادة (جماعة) أنصار الله”، ولا دور لإيران فيه، الآن بعد الاتفاق، فحل الاستعصاء الرئاسي، ومشكلات لبنان عموماً بيد من سيكون؟