fbpx

يوميات سورية: بين البيت والحاجز والحدود الوحشية

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

أن تكون سوريّاً يعني أن تعيش مع الرفض وأن تصبحا صديقين، أن تعتاد على كلمة “لا” كصباح الخير اليومية، وأن تكون ممنوعاً من العمل ومن العلم، ممنوعاً من الوطن، ممنوعاً من الصرف في الإعراب، مصروفاً من كل البلاد. 

لن تعرف كيف يستيقظ المرء في منتصف الليل يلهث كعدّاء حول الكرة الأرضية خمس مرات دون توقف. لن تشعر بقلبي الذي التقطته في الثواني الأخيرة قبل أن يقفز من صدري إلى الأبد، لن تعرف كيف يُشلّ الإنسان في أهم دقيقة للهرب، إلا إذا كنت سورياً.

عندما تكون سوريّاً، تعرف كيف يولد الانسان مع لعنة الساحرات، لعنة أن تولد بلا وطن تبقى فيه ودون بلد تلجأ إليه، أن تطارد من هنا إلى هناك ثم من هناك إلى هنا. 

أن تكون سوريّاً يعني أن تعيش مع الرفض وأن تصبحا صديقين، أن تعتاد على كلمة “لا” كصباح الخير اليومية، وأن تكون ممنوعاً من العمل ومن العلم، ممنوعاً من الوطن، ممنوعاً من الصرف في الإعراب، مصروفاً من كل البلاد. 

لم ألجأ الى لبنان بعد الحرب، جئت إليه منذ عشرين سنة تقريباً، كبرتُ فيه وتعلمت وعملت وما زلت هنا. حين بدأت وقعت الحرب شعرت بأنني هجرت بلادي مجدداً، لكن هذه المرة طُردت منها إلى غير رجعة. عندما بدأ اللجوء السوري الى لبنان ودول العالم، أصبحت أتابع أخبار الحدود وقوارب البحر يومياً، أتمتم وفي يدي الجريدة “يعبرون الجسر في الصبح خفافاً، أضلعي امتدت لهم جسراً وطيد”. أعرف أن خليل حاوي لم يكتب هذه القصيدة عن اللاجئين، لكنني لم أستطع صف الكلمات بطريقة أفضل لأعبر عن خوفي وحبي وقهري على اللاجئين. ثم أصبحت الجريدة كبيرة، لا تتسع لأخبار اللاجئين، فهم ايضا الغارقون في البحر العابرون الى السماء، وهم أيضاً من المحروقين في خيمهم، التائهين في الجرود، الهاربين على الحدود، المعتقلين في السجون والتوصيفات والقرارات. ثم لم أكتفِ بقراءة أخبارهم، كان لا بد ان اكتبها. 

دخلت الصحافة وأنا أحلم بالكتابة عنهم وعني يوماً، وها أنا أكتب. أكتب كيف يخاف السوري ان يكون سوريّاً على العلن، كيف نترك بيوتنا في الصباح ولا نعلم إذا كنا سنعود اليها، اكتب كيف نمشي على الطرق ولا نقوى على رفع رأسنا للنظر في عيون الناس، نمشي بخجل وكأننا نقدم اعتذراً عن وجودنا، أكتب كيف يفرّ السوري من الحافلة قبل ان يصل الى الحاجز فيلتهمه الضابط ضاحكاً، كيف نُذلّ في أماكن العمل والدراسة، في الحي والقرية والمدينة، لكننا نبقى… لماذا نبقى؟ 

نبقى لأننا عالقون بين موت محتمل وآخر محتوم، فنختار المحتمل. نبقى لأننا نريد فرصة أخرى في الحياة بعيداً من السواطير والدبابات وأقبية السجون، نبقى لأن أكثر من نصفنا لن يتعدّى الحدود في طريق العودة، نبقى لأننا “لاجئون” وهذا حق. أنا أعلم أن العبء ثقيل، وأن الأزمة الاقتصادية اللبنانية تلوك شعبها يومياً، وأن النفق والضوء في آخره أصبحوا طابوراً آخره خبز على اكبر التقدير. لا أحد منا يحب الوضع هذا، ولم يشارك أحدنا في صنعه، هذا نتاج السياسات الاقتصادية اللبنانية منذ ثلاثين عاماً، نتاج السلطة التي لم تتغير رؤوسها وتسعى اليوم إلى رمي المسؤولية على اللاجئين عبر سياسة عنصرية ممنهجة، تبدأ بالخطابات ولا تنتهي بالتحريض. تسعى السلطة المُدمرة الى بث السموم بين الشعبين اللبناني والسوري بمحاولة لخلق نزاع بينهما بعد تحميل السوري عبء ما آلت اليه الأمور ونشر دراسات عن استهلاك السوري للخبز والماء والكهرباء، محوّلة غضب الشارع ونقمته من ثورة بوجه السبب إلى خطابات وتصرفات عنصرية بوجه الفقير. منذ شهر تقريباً، بدأت حملة الدولة اللبنانية الممنهجة ضد الأقليات والمهمشين، وتصاعد خطاب الكراهية العنصري والذكوري، وازداد القمع والعنف تلبية لهذا الخطاب. فمن تعذيب العمال السوريين في العاقورة الى ضربهم واعتقالهم على الحواجز، إلى قمع تحركات مجتمع الكوير وصعود جماعات متطرفة في وجههم، أصبح لبنان قنبلة عنف قابلة للانفجار في اي دقيقة. في الأيام المقبلة، سوف يتصاعد خطاب العنصرية، وسوف تجابهه مجموعات تقدمية قليلة، وسوف نبقى نحن السوريين، نستيقظ في منتصف الليل نلهث من الخوف ونهرب من الحواجز، من الحدود التي تنتظرنا كفريسة.

عندما التقيتها في المرة الأولى قالت لي أننّي أتحدث عنها في مقالاتي، ثم قالت: “أنا رشا، سورية فلسطينية”. منذ رحلت من سوريا وانا اراها لعبة “بازل” وانا القطعة الوحيدة المفقودة، أو هكذا اعتقدت في السادسة. بعد الحرب شعرت بأن يداً وحشية دمرت لعبتي، وأضاعت قطعي الصغيرة، ومنذ ذلك الوقت كلما تعرفت إلى سوريّ او سوريا، أشعر كأنني وجدت قطعة، ابتسم في وجههم قبل أن أعيد ترتيبهم في الصورة، وهكذا أمضيت حياتي، أحاول جمع وطني لأراه كاملاً مرة أخيرة، ولو في الصورة.

إقرأوا أيضاً: