fbpx

صيدلي مصري قتلته سيدة سعودية يُعيد فتح نقاش هجرة الأطباء على مصراعيه

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

كان من المقرر أن يعود الصيدلي المغدور إلى مصر قبل عيد الأضحى، وهو ما لم يحدث بسبب رفض الكفيل لعدم وجود بديل له في الصيدلية. هذا الأمر يوضّح أن مشكلة الكفالة لا تزال تنغص على العمالة والمهاجرين في السعودية حياتهم.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

فُجعَت عائلة الشاب المصري أحمد حاتم الأربعاء 13 حزيران/ يونيو 2022، بخبر مقتله  في السعودية على يد سيدة سعودية بالرصاص الحي، وذلك وفقًا لما تناقلته وسائل الإعلام المصرية والسعودية، وكذا وسائل التواصل الاجتماعي.

الشاب المصري كان يقيم في مدينة سكاكا في منطقة الجوف شمالي غرب السعودية، ووقع الحادث أثناء تأديته عمله داخل صيدلية، بعد رفضه بيع مضاد حيوي للسيدة السعودية، دون روشتة طبيب بحسب تعليمات وزارة الصحة السعودية، وتصل عقوبة من يخالف ذلك إلى غرامة 100 ألف ريال، وسحب ترخيص مزاولة المهنة.

في بيانها الرسمي، أعلنت شرطة منطقة الجوف إلقاء القبض على امرأة لإطلاقها النار على رجل، تُوفيَّ لاحقًا متأثرًا بإصابته، وجرى اتخاذ الإجراءات القانونية في حقها، وإحالتها إلى النيابة العامة. 

تداولت معلومات غير مؤكدة أن السيدة التي ارتكبت الجريمة هي قريبة مستشار ولي العهد السعودي تركي آل الشيخ، لكن لا معطيات رسمية حول هذه المعلومة حتى الآن. 

الطبيب أحمد حاتم

ربيع حاتم شقيق الصيدلي أحمد حاتم قال لـ”درج” إن الأسرة تلقت خبر وفاته عن طريق أصدقائه من السكان والجيران، ولا توجد حتى الآن معلومات واضحة حول جثمان شقيقه، ولم يتم التواصل معهم من الجهات المسؤولة في السعودية.

بحسب تصريحات شقيقه فإن الشاب الضحية كان المسؤول عن الأسرة، واختار السفر للإنفاق عليها خاصة على والده المريض بالسرطان، مؤكدًا أن شقيقه لم يزر مصر منذ عامين، ولم يرَ والده ووالدته وإخوته منذ تلك المدة بسبب انشغاله في عمله لتوفير نفقات الأسرة.

كان من المفترض أن يعود أحمد إلى مصر في 30 يونيو الماضي مع زوجته وابنه البالغ من العمر عامين، لكن “الكفيل” طلب منه البقاء بسبب ضغط العمل، فوافق على الرغم من أنه كان يريد العودة لحضور خطوبة شقيقه الأصغر التي صادفت قبل مقتله بيوم واحد. 

أثار الحادث ردود فعل واسعة على منصات التواصل الاجتماعي، حيثُ تصدر وسم  ” # حق_ الصيدلي_أحمد_حاتم_لازم_يرجع” موقع تويتر في مصر والسعودية، وطالب المغردون من الدول العربية وبالأخص من مصر بالقصاص للفقيد، بينما أتى رد الفعل من الجانب السعودي مغايراً بعض الشيء، حيثُ رأى بعض السعوديين أن الموضوع لا يستحق كل هذه الضجة، لأن “السعودية لا يضيع فيها حق لأي شخص أيًا كانت جنسيته”، ورأى آخرون أن المصريين بالغوا في ردة فعلهم لأنهم اعتادوا عكس ذلك في بلادهم.

يمكن إرجاع غياب العدالة للمهاجرين في دول الخليج،  إلى نظام الكفالة الذي يربط تأشيرة العامل بصاحب العمل، وهو النظام الذي تصفه منظمات حقوق الإنسان بـ”العبودية” في العصر الحديث، ويتم استخدامه في معظم دول الخليج، وبخاصة في السعودية، حيث تتدفق أعداد متزايدة كل عام من العمال إلى وظائف تكون في الغالب في مجالات البناء والأمن.

يعمل كثيرون في بيئات غير آمنة، ويعاني آخرون من قيود على تحركاتهم واتصالاتهم، وبعضهم يُسجن أو يُرحّل بسبب انتهاكات الإقامة، ولكن في بعض الأحيان من دون سبب معلن.

تقول روثنا بيغم، باحثة في “هيومن رايتس ووتش”: “الكفالة هي السبب وراء هذه الانتهاكات، إنها تعني في الأساس الإفلات من العقاب على الانتهاكات ضد العمال، إذا فصل صاحب العمل عاملاً أو أبلغ عن هربه، فقد يواجه ذلك الموظف الاحتجاز والترحيل من دون الاتصال بمحام، وفقًا لمنظمة Migrant-Rights.org، وهي منظمة مناصرة للعمال المهاجرين ومقرها الخليج.”

ظلت السعودية تعمل بنظام الكفالة بالنسبة للمهاجرين لعقود، وحتى منتصف العام الماضي، حين قررت السلطات السعودية إلغاء نظام الكفيل، ضمن مبادرة تحسين العلاقة التعاقدية للعاملين في القطاع الخاص، وتضمنت المبادرة خدمة الخروج والعودة، التي تسمح للعامل الوافد بالسفر خارج المملكة، وذلك عند تقديم الطلب مع إشعار صاحب العمل إلكترونياً.

ويستفيد العامل من هذه الخدمة وفق شروط، أهمها أن يكون ضمن العمالة المهنية الوافدة الخاضعة لنظام العمل، وأن يمضي العامل الوافد 12 شهرًا لدى صاحب العمل، وأن يتقدم بإشعار صاحب العمل إلكترونياً لطلب نقل الخدمة قبل 90 يومًا من الانتقال، أو عند الرغبة في إنهاء العلاقة التعاقدية.

لكن ما حدث مع الصيدلي المصري، عكس ذلك، حيثُ كان من المقرر أن يعود الصيدلي المغدور إلى مصر قبل عيد الأضحى، وكانت زوجته قد سبقته إلى مصر، على أن يلحق بها، وهو ما لم يحدث بسبب رفض الكفيل لعدم وجود بديل له في الصيدلية، وذلك وفقًا لتصريحات زوجة القتيل، وهو ما يوضح أن مشكلة الكفالة لا تزال تنغص على العمالة والمهاجرين في السعودية حياتهم.

شبح الترحيل

يسافر العمال إلى السعودية ودول الخليج بحثًا عن لقمة العيش، ولكن ما أن تطأ أقدامهم أرض هذه البلاد، يطاردهم شبح الترحيل، وهو خطر العودة الإجبارية إلى الوطن خالي الوفاض، حيثُ ضربت عمليات الترحيل الجنسيات العربية العاملة في الخليج بنسب مختلفة. وتزيد النسبة كلما كان مستوى التعليم متدنياً وطبيعة العمل بسيطة، وتبدو أعداد المرحّلين والعائدين المصريين من دول الخليج من بين الأعلى. فقد زاد هذا العدد على نصف مليون خلال السنوات القليلة الماضية  نصفهم من الذين غادروا السعودية على ضوء خططها إلى “سعودة” سوق العمل.

وينطبق هذا الوضع على مواطني الدول العربية الآخرين، ولا توجد معلومات دقيقة عن عدد العاملين من الدول العربية في دول الخليج، فتشير الإحصائيات إلى أن أعدادهم المتغيرة تصل إلى نحو 11 مليون شخص، يشكّل المصريون نحو 5 ملايين منهم يليهم السودانيون واليمنيون بأعداد تزيد على 3,5 مليون، بينما يشكل العاملون من سوريا ولبنان والأردن وفلسطين القسم الأكبر من الأعداد المتبقية، وهناك الآلاف القادمين من المغرب وتونس.

في نوفمبر / تشرين الثاني 2020 ، نشرت منظمة حقوقية وهي منظمة Equidem تقريراً بعنوان “تكلفة العدوى: عواقب COVID-19 على العمال المهاجرين في الخليج “، دراسة تسلط الضوء على تأثير الوباء على العمال في قطر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة.

أجرت Equidem مقابلات مع 206 عاملاً في البلدان الثلاثة، الذين وصفوا مجموعة من الانتهاكات العمالية من قبل الشركات بما في ذلك عدم دفع الأجور وتأخرها ، وظروف المعيشة غير الملائمة التي جعلت التباعد الاجتماعي مستحيلاً، وانتهاكات الصحة والسلامة، والاعتداء الجسدي والعقلي، ونقص الرعاية الطبية، كما أفاد العديد من العمال بقيام أصحاب العمل بإنهاء عقودهم على نطاق واسع، وأن الشركات أجبرت العمال على قبول عقود جديدة أو الموافقة على شروط لا يمكنهم فهمها. كما حدثت أنماط الانتهاك بغض النظر عن حجم أو نوع العمل، حيث كان العمال في كل قطاع معرضين لخطر الاستغلال في العمل في البلدان الثلاثة.

 الأطباء المصريون في السعودية: تاريخ طويل من الأزمات

تأتي قضية مقتل الصيدلي أحمد حاتم في سياق أزمات عديدة تعرّض لها أطباء مصريون بالسعودية، بدأت عام 1995 بجلد طبيب مصري قدّم بلاغًا اتهم فيه مدير مدرسة ابنه باغتصاب الطفل مرات عدة، وأصدر القضاء السعودي عام 1995 حكمًا على الطبيب المصري محمد خليفة بالجلد 80 جلدة، بعد إدانته باتهام مواطن سعودي باغتصاب ابنه دون سند، رغم أن شهادة طبية أكدت تعرض الطفل للاغتصاب.

وفي عام 2008، حكمت محكمة سعودية على الطبيب المصري رؤوف أمين محمد العربي، بالسجن 7 سنوات، والجلد 1500 جلدة، بعد أن إدانته بالتسبب في إدمان أميرة سعودية المورفين، الذي كان يُستخدم في علاجها. كانت الأميرة السعودية قد تعرضت إلى حادث تسبب في إصابتها بكسر في العمود الفقري، وأثناء علاجها في الولايات المتحدة أدمنت المورفين، فاستدعى زوجها الطبيب المصري ليشرف على علاجها، واستخدم الطبيب المصري تخفيض الجرعات كوسيلة للعلاج، فكان يحقنها بجرعات تتناقص من المورفين حتى شفيت، ولكن طبيبًا سعوديًا اتهمه بشراء المورفين لمدة عامين، وأدانته المحكمة وتخلت عنه أسرة الأميرة لأنها كانت تخفي خبر إدمانها المورفين، وتقاعست السفارة المصرية عن حمايته.

وفي العام نفسه 2008، حُبس الدكتور عبدالوهاب أبو الحسن، جراء خطأ إداري، وهو الاطلاع على صورة أشعة لأحد الملاحقين أمنياً، وكان يعمل دكتور عبدالوهاب في الطب الوقائي، وصرحت بعدها أسرته بسوء معاملة السلطات السعودية له داخل السجن.

لماذا يهاجر الأطباء والصيادلة المصريون؟

“المفروض طبقاً للمعايير الطبية ان يكون هناك 2.8 دكتور لكل ألف مواطن، أحنا عندنا 1.4، حد هيقولي الدكاترة بيسيبوكوا ويمشوا، صحيح، طب ليه؟ لإن اللي أنا بقدمهوله أقل من اللي هو ممكن ياخده في أي حتة في العالم”.

كان ذلك هو حديث الرئيس السيسي عن هجرة الأطباء بسبب قلة الدخل.

تعاني مصر من أزمة حقيقية في نقص عدد الأطباء الذين يتواجدون داخل مصر، بسبب هجرة أعداد كبيرة منهم بسبب قلة مداخيلهم، وفقًا لتقرير صادر من نقابة الأطباء. ويشير التقرير إلى أن مصر قد فقدت حتى عام 2018 أكثر من 11 ألف طبيب، تقدموا جميعًا باستقالتهم إلى وزارة الصحة، وهو ما يعني أن مصر فقدت أكثر من 60% من أطبائها خلال سنوات قليلة.

خلال السنوات الماضية، علت أصوات الأطباء الذين طالبوا بضرورة إصلاح أحوال المنظومة الطبية،  لوقف الهجرة، وهو ما كان يٌقابَل بإنكار شديد من الحكومة ،  ففي عام 2018 اقترح رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي، إيقاف تجديد الإجازات بدون مرتب للأطباء العاملين بالخارج، لحل مشكلة العجز. وما أن بدأ تنفيذ القرار، حتى ثار الأطباء رافضين مثل هذه القرارات، وانتهى الأمر إلى التراجع وعودة تجديد الإجازات. بالإضافة إلى غيرها من المقترحات، كالتي دعت إلى إمكانية تحويل الصيادلة إلى أطباء، بعد حصولهم على الدراسات اللازمة لمعادلة الشهادة، لكن نقابة الأطباء رفضت المقترح تمامًا، وأكدت أنه سيضر بصحة المواطنين، كما يؤثر على سمعة مصر العلمية، ولا يجوز القول إن أي دراسة مكملة يمكنها معادلة شهادة علمية.

إقرأوا أيضاً: